هاتفتني أستاذة العلوم السياسية سلمى أنور، والتي كان جزءا من دراسات الماجيستير الخاص بها، هو إجراء أبحاث على الأجيال الشابة من المسلمين الأوروبيين. وكان مثار الحوار هو الفكرة التي طرحها مقال سابق لي، والتي تقول أن البريطانيين والفرنسيين والأستراليين الذين التحقوا بتنظيم داعش الإرهابي، هم جزء من ظاهرة نفسية أكثر منها ظاهرة سياسية أو دينية. 

أجريت معها حوارا مطولا حول أبحاثها والمقابلات التي اجرتها وحصلتها بامتداد رحلاتها البحثية في القارة الأوروبية، وأود تلخيصه للقاريء دون تطويل او حشو في الآتي..

مبدئيا حين نتحدث عن المسلمين الأوروبيين فنحن بحاجة للتفريق بين فئتين رئيستيين:

المتحولون دينيا من أبناء القارة  converts

في كتير من الأحيان تحول الأوروبيين للإسلام كان على خلفية إما الاتصال بعرب مسلمين، خاصة من الجنس الآخر (ارتباط عاطفي) أو في حالات أخرى كثيرة كان هناك بعد سيكولوجي للتحول للإسلام، إما لأن الشخص المتحول دينيا مر بأزمة نفسية عنيفة في حياته وكان التحول للإسلام ملاذا له.

في القرن التاسع عشر والثلثين الأول من القرن العشرين كان المتحولون للإسلام غالبا من الرحالة أو المستشرقين ممن ارتحلوا لشمال إفريقيا وأخذتهم الرحلة فكان الإسلام مكونا جذابا وشائقا وضروريا لاستكمال الرحلة بشقها الثقافي وربما الروحي… والصبغة الغالبة على تدين هذه الفئة، كما يتضح من كتاباتهم المتراكمة في المكتبات الأوروبية، كانت مزيجا من الإسلام الشعبي والصوفي لأنهم كانوا يرتحلون عبر الصحاري ويختلطون بأصحاب الطرق الصوفية المنتشرون هنا وهناك، أو يعيشون وسط العامة ويستقون منهم طريقة تدينهم…الإسلام في كتابات هؤلاء ساحر مخلوط بالخرافة أحيانا وبالحكايا الإنسانية وبالتجربة الروحية الشخصية.

وبات من المألوف ان تلتقي في اوروبا اليوم مسلمين اوروبيين متعصبين، بل ان مكتباتهم تحتوي امهات كتب السلف التي لن تجدها في مكتبة الظواهري نفسه! وهذا مؤشر على: من اين استقى اسلامه؟ من خالط؟ ولاي مدى لفظه مجتمعه الاوروبي على اعتبار انه  الـweirdo الذي اعتنق ذاك الدين المخيف، فلم يجد امامه بالتالي الا ان يرتمي في احضان “جيتو” المهاجر الذي يستمسك بافكار لم تفرز لعقود ظنا منه ان هذا هو مفتاح أمانه وحفظ هويته.

الجيل الثاني من المهاجرين

في الثلث الأخير بدأ مزاج الإسلام الأوروبي يختلف، فقد بدأت في النصف الثاني من السيتينيات والسبعينيات تضرب موجة الإسلام السياسي المنطقة وفي دولة مثلا بحجم مصر كان الفضاء العام مرحبا بهذا التيار. الإسلام بصورته هذه ذات المزاج السلفي الممزوج بنكهة سياسية وشيء من الإحساس بالاضطهاد منشأه اقتصادي اجتماعي ومرتبط بتجربة الهجرة أساسا انتقل مع العمالة العربية المسلمة التي هاجرت إلى أوروبا في ذاك الوقت… نحن هنا نتحدث عن عمالة في سوادها الأعظم متوسطة التعليم, عمالة يدوية تتحدث اللغات الأوروبية بركاكة بل ولغتها الأم كذلك…حتى إنه بمراجعة المنشورات الدعوية الإسلامية باللغة العربية اللي كانت منتشرة في هذا الوسط كانت مليئة بالأخطاء اللغوية والمغالطات الفقهية.

الجيل التالي، مواليد الثمانينيات والتسعينيات، جاءوا بهذه الخلفية الدينية أضيف إليها عنصر الـEuropeanization المتمثل في إجادة اللغات الأوروبية والاستيعاب الكامل للبيئة القانونية والمؤسساتية الأوروبية، هذا بخلاف العنصر الفاعل والخطير المتمثل في اتصالهم المباشر بالوطن الأم عبر الوسيط الالكتروني والفضائيات ذات التوجه الاسلامي والسياسي الاسلامي والدعوي السلفي… هذه التوليفة حين تنثر عليها القليل والقليل فقط من الاحساس بالاقصاء الاجتماعي في اوروبا ستكون إزاء مارد ساكن في انتظار الوقت المناسب لصحوة…

هذه التوليفة كان من الطبيعي أن تفرز شابا اوروبي المظهر والتعليم واللسان، لكنه على اتصال بخلايا جهادية نشطة في بقعة ما من بقاع الأرض…حيث يتوفر له الاحساس ببطولة مزعومة ونشوة انتصار ما على مجتمع ينظر له باستعلاء رغم انه يمتلك كل الادوات التي تجعله ندا لنظيره اوروبي الاصل..

ثم ان المناخ القانوني والاجتماعي الاوروبي كان يسمح بحرية التجمع والتنظيم وانشاء المؤسسات الدينية على نطاق واسع فبالتالي كان من السهل على هذه الاقلية ان تقيم مؤسساتها ذات الصبغة الدينية وان تنمي فيها احساس الضحية مع خلفية فقهية تسمح بتفريخ جهاديين يقوموا بعمليات في الداخل والخارج.

فهل تتضح الصورة نوعا ما الآن؟

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع Yahoo الخدمة العربية