حين دار الحديث الحكومي العام الماضي حول حياكة قانون لتجريم الجرافيتي, أذكر أني ضربت بقبضة يدي على ترابيزة السفرة واكتنفتني “زرزرة” طويلة,  متمنية ألا أرى هذا اليوم الذي يُحشر فيه مارد الجرافيتي في القمقم مرة أخرى…فقد كنت منذ الأيام الأولى لثورة الميدان أسير وسط الرسوم الجدارية العملاقة  مندهشة من القدرة التعبيرية لمن صمموها ونفذوها, منتشية بمنظر استثنائي للبنت المصرية وقد “تشعبطت” على الأسوار ترسم وترفض وتشتم وتحلم بالألوان.

 لازلت عند موقفي من معركة الجرافيتي بوصفه تأريخا شعبيا أصيلا ليوميات الثورة المصرية يجدر بنا أن نحافظ عليه تماما كما نحافظ على النقوش التي خلفتها جيوش رمسيس الأول على بوابات المدن القديمة بعد غزوها, لا أن نطليه بالبياض الشاحب ونصادر فرشاة من يمارسه.

 لكن موقفي من معركة ملصقات الصلاة على النبي الكريم لا يمكن بحال أن يتشابه مع موقفي من معركة الجرافيتي لعدة أسباب,على رأسها الرسالة التي وصلتني من الانتشار الكاسح لتلك اللملصقات في هذا التوقيت بالذات والتي مفادها, كما فككت شفرتها دون كثير جهد: “مؤسسات الدولة لكم,  أما الشارع فلنا”!

 لا يمكن أن أتقبل ما يدعيه البعض من أن الملصقات “دعوية” لا صبغة سياسية لها ولا رسائل موجهة, بل لا يمكنني إلا أن أرى محاولة هزيلة يبذلها “إسلاميون سياسيون” تحت أي مظلة كانت كي يعلنوا عن وجودهم بالشارع وقدرتهم على التأثير في السلوك اليومي للمواطن المصري واللعب على مزاجه العام.

 هي كذلك, كما تبدو لي, محاولة للتذكير بالقدرات التي كانت على الحشد والتعبئة والتجنيد بل والنشر والتوزيع بسرعة وكثافة, وكأنما يرد أرباب الإسلام السياسي على المقولات الدائرة في أوساط المحللين الاستراتيجيين ممن يقولون إن ما طال حركة الإخوان المسلمين في مصر هو بمثابة قصم الظهور للحركة الإسلامية بتجليها السياسي في الشرق الأوسط بأسره.

 بقدر ما يثير الجرافيتي تعاطفي معه لعفويته وتلقائيته وقدرة ألوانه الفاقعة على أسوار القاهرة على تحدي السلطان الجائر والوقوف في وجهه بإصرار وعنفوان وجمالية, تستفز الملصقات المنظمة التي ينثرها الإسلاميون باستعراضيتها وطابعها التنظيمي ورسائلها السياسية المبطنة أيا ما يكون مضمونهاإحساسا عاما بعدم الارتياح بل ويستنفر رغبتي في التصدي لهذه التنظيمية الميكانيكية الرمادية التي أثبتت أنها لم تكن يوما إلا من أجل مصالح أربابها الضيقة ومكاسبهم القريبة.

يتهم بعض ذوي الأقلام والفكر المصريين بكونهم شعبا ضعيف الذاكرة, لكني لا أحسب هذا الشعب وإن ضعفت ذاكرته ينسى كيف أنه في الوقت الذي تدلى فيه الفتيان والفتيات يرسمون الجرافيتي في قلب الميدان كل بمبادرة فردية غير عابئ بالقناصة المتربصين على الأسطح, كانت جماعة الإخوان المسلمين تدرس خياراتها وتمارس ترددها السياسي الخبيث فيما إذا كانت تبعث بالجيل الثاني من أبنائها إلى الميدان أم تنتظر حتى تتضح الصورة.

الأهم من ذلك, أن حكاية  الملصقات هذه نجحت في خلق حالة من الجدل السفسطائي اللامتناهي واللاغائي من تلك النوعية التي يخرج بها علينا من حين لآخر ذوو المزاج الإخواني فيجرجرون الناس إليه حتى نفيق على الكل المتماسك وقد انقسم إلى “فسطاطين” لا ثالث لهما: فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان!

ثم من قال إن أهل مصر بحاجة إلى من يطاردهم بملصق على سياراتهم ومحالهم وبيوتهم كي يتذكروا الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ ألم يأتكم يا أصحاب الملصقات نبأ المصريين الذاكرين المستغفرين ليل نهار في خلواتهم وصوامعهم ومجالس ذكرهم والذين لولا صدق حبهم لهذه الأرض الطاهرة, ولولا إيمانهم بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم أن ” من أراد بمصر سوءا أهلكه الله” لما حفظ الله بلادنا من المصير الأسود الذي طال شعوبا وبلدانا ليست أبدا ببعيدة عن حدودنا الجغرافية؟

 ألم يأتكم نبأ الصلوات التي رفعها الأقباط في كنائسهم لساعات في أيام الأزمات التي عصفت ببلادنا على مدار السنوات الماضية كي يحفظ الله دماء أبناء هذه الأمة, بينما تبحثون أنتم عن كيفية الجمع بين المظهر الإسلامي والجوهر الديمقراطي في آن كي تكونوا مؤهلين للثرثرة في البرامج الحوارية إذا ما “اتزنق” أحدكم على الهواء مع مذيعة متوحشة؟!

 أم تراه فقط أتاكم حديث التحرش في ميدان التحرير ليثير شماتتكم البغيضة وكأنه لا تخصكم إلا “الأخوات” وما دون ذلك فرخيص معرَض بل يستأهل النهش؟

 بغض الطرف عن البعد القانوني للجدل, وما إذا كانت الداخلية تستند إلى قانون ملائم للإنفاذ في حالة الملصقات هذه أم أن في الأمر قدرا من التمحك في قانون المرور للسيطرة على مزاج الشارع السياسي, فإني أؤيد حركة الداخلية إزاء “تحرش” هذه الملصقات بعيون المارة ووجدانهم لأنه آن الأوان للشارع المصري أن ينضبط بحيث لا يوحي للعابرين بأن هناك قوى ما خفية محتشدة تحت الأرض في انتظار أن تنتفض سيان كان الانتفاض للإفزاع أو الإصلاح.

أنا صليت على النبي الوجيه اليوم دون أن أمر بأي من ملصقاتكم, ولست بحاجة لملصقات تغزون بها حياتي اليومية كي أتذكر الصلاة عليه, فبالله لا تزجوا باسمه الكريم في جدالات مستهترة, ولا “تفسططوا” الناس وراء قضاياكم الخائبة.