وميض خليل القصاب

[email protected]

سئلتني شابه عراقيه في 18 من عمرها كيف تتكلم في الموسيقى والفن والأدب والسياسة وانت خريج كليه الصيدلة ؟ لم استطع ان اخفى حزني من نظرة الاستغراب في عينيها ,فهي رغم سنواتها ال18 تملك قدر عالي من الثقافه والمعرفة وتتميز بقدرات ابداعية وفنيه في مجالات متعدده وهو مايفتقر له العبد لله , ولكي لااترك تخيلها يحلق بعيدا جاوبتها بثلاث كلما بسيطة : تلفزيون  العراق القناة الرسمية السابقة للحكم البائد , مكتبة ثانوية كليه بغداد للبنين , راديو جمهورية العراق بمحطتيه العربية والأنكليزية

قد يجد الكثير من مفكرينا وسياسينا ومؤزخينا فسحه من الوقت لكتابة كتب وتأليف مؤلفات حول الدمار الفكري ومؤسسة الفكر الحزبي للنظام السابق ,وهم مصحين كل الصحه في مايقدموه ولكنهم قد يغفلوا جانب مهم وهو ان المؤسسة الاعلاميه الحزبية لم تكن تضخ دعاية حزبية لغسل مخ الطفل العراقي فقط ولكن كانت تضخ كم من المعلومات المفيده في عمليه بناء الفكر الثقافي للفرد

كانت لدينا فتره برامج اطفال واضحه ومحدده المعالم وكان اختيار البرامج ليس بالعشوائيه التي قد يبررها البعض ,كنت أشاهد مسلسل الليدي اوسكار وانا في 7 من عمري وهو يتناول احداث الثورة الفرنسية وقصه الملكة ماري انطوانيت ,مسلسل عائلة روبنسون كروزو فتح لنا أفق معرفه كيفية نشأت قارات أستراليا وامريكا ,مسلسلات تعليميه كارتونية بأعضاء جسم الانسان ,برنامج دو ري مي فاصولي يقدمه كبار ملحني وموسيقي العراق لشرح الموسيقى العربية وتنمية الحس الفني للطفل ,برنامج سينما الطفل كل خميس لتعريفنا بأدب الطفل في روسيا وفرنسا وبريطانيا وامريكا , شاهدت مسلسل الحرب والسلام لتوليستوي وانا في 13 من عمري وتعرفت على نابليون ,برامج العلم وبرامج تحنيط الحيوانات ,وكل البرامج لها مسابقات أسبوعيه تشد الطفل للمتابعه وكسب جوائز ,كان هناك برنامج للطلائع وهو برنامج دعائي حكومي حزبي ويعرض يوم واحد في الاسبوع مقابل أسبوع كامل من البرامج التثقيفيه

كنا لانشاهد افلام امريكية ومنتجات والت دزني ,كان الاعلام الروسي والاوربي الشرقي مسيطر على برامج الاطفال العراقية في الثمانينات ,كان هناك برنامج الماني يومي لعرض افلام وثائقيه ل15 دقيقه يوميا لتعريفك بأنواع الرياضه المختلفه من التنس للبليارد للفروسية ..ألخ ,كنا نشاهد طول فتره العطله الصيفية برنامج تلفزيوني صباحي مخصص للأطفال حافل بنفس نمط البرامج وتقارير عن عالم الحيوان ,تقارير البحار للعالم كوستو ,وعالم الحيوان من براري كندا الى الالسكا للقطب ,كان البرنامج يختم بمسلسل عربي فشاهدنا ونحن صغار اعمال اسامه انور عكاشه وتوعينا على اغاني علي الحجار

وقد اتيحت لي فرصه الدراسة في صرح علمي كبير أسمه ثانويه كلية بغداد للبنين وهي مدرسة للنخبه ,ورغم انها تعرضت بعد2003 لتخريب بعد ماتحولت لثكنه عسكرية امريكية ونقلت بنايه مخازن الوزارة في زيونه وتحولت من ارقى مدرسة عراقيه الى اخر الصف ,الا انني دخلتها بعد ان احرزت اعلى الدرجات في الدراسة الاعدادية وخضعت طول الصيف لكورس دراسي مكثف بأشراف والدتي لأقدم على امتحان القبول فيها مكون من ملزمة اسئلة من 17 صفحه في كل مادرسته في سنوات الست الماضية ,صحيح ان صفحه كامله كانت مختصه بمعلوماتي حول الحزب والدولة ومنجزاتها ,ولكن ال16 صفحه الاخرى كانت امتحان عسير في العربي و الانكليزي والاحياء والرياضيات والجغرافيا والتاريخ ,صحيح انها كانت مدرسة مخصصه لأولاد صدام والعوائل الحاكمة ولكن ابن معدوم سياسي مثلي وعدو للنظام دخلها مع عدد من ابناء العوائل المسجله في الصفحات السوداء للحزب الحاكم من عوائل كرديه وشيعيه وسنيه وبعض خريجيها اليوم من دفعتي اعضاء في مراكز حساسة في الدولة واخرين مهجرين في كامبات اللاجئين واخرين احتضنتهم قبور مبكرة

كليه بغداد لم تعترف بالكتاب المنهجي للغة الانكليزية وقد عانيت الأمرين وانا احاول فك رموز كتاب و اضطر لاجبار عائلتي الفقيره على شراء جزئيه سنويا ,كتاب منحني ميزة في المستقبل ان اكون بمسوتى لغوي افضل من اقراني

في مدرستي كان هناك مكتبه عملاقه ,وفرضت علينا مدرسة العربي ان نعد تقريرا لغويا عن رواية لمبدع عربي وعالمي  ,فقرئنا الايام لطه حسين وكتب العقاد وقصه الحضارة وكتب انيس منصور والاغاني ومكتبه فيكتور هيجو وتعرفنا على اساطين الكتب والادب ,ولم يكتفوا بل اجبرونا على زيارة معرض بغداد الدولي سنويا ومعرض الكتاب ,وتعرفت على مكتبة الطفل العراقي التي كانت تبيع بمبلغ ربع دينار عراقي سلسلة روايات عالميه للطفل تبداء من الادب الروسي للطفل وتنتهي بالفرنسي مرورا بالامريكي والانكليزي ,ولايزال في مكتبتي في بغداد نسخه قديمة وممزقه من القراة لرائعه بيتر بان والاطفال المفقودين .

كانوا يجبرونا على الاحتفال بكل المناسبات الوطنيه والحزبية ايضا وكنا في الصدارة في قائمه السباقين لأحيائها ولكن ان كانت تحتل احتفالات الحزب وفكره نصف الوقت فالنصف الاخر كان يحتله التعرف على كتب مبدعين ومفكرين وتنميه قدرات رياضيه وادبية في مجلة المدرسة وميادين الرياضه وخرج منها ابطال في الشطرنج والسكواتش والتنس والرمايه وشباب تحولوا مستقبلا لكتاب وادباء

في سنوات الدراسة الاعدادية وفي مرحلة كان العراق يعيش فيها حصار اقتصادي وعداء واضح ومبين لأمريكا كان واجب مادة الانكليزي اعداد انشاء عن كتب امريكية ,كان من نصيبي جورج واشنطن وقبام الدولة الامريكية ,في ال18 كنت قد تعرفت على ادب ماريو بوزو ووقعت في عشق ستيفن كنغ الكاتب الامريكي التجاري بمنهج الرعب والعميق بصورة الخفيه عن الخير والشر ,وكنا نتبادل الكتب القليلة التي نشتريها او نجدها في مكتبات اقاربنا لندرتها بسبب الحصار وكنا نسير اميال للمركز الثقافي البريطاني وبعده الفرنسي بعد اغلاق الاول لنستعير روايات وكتب,صحيح انهم اجبرونا على دراسه روايه الايام الطويله بأجزائها الثلاث ولكن ايضا اجبرونا ان نقراء روائع الادب الفرنسي والايطالي والامريكي

كنا فقراء ولانملك القدره على شراء جهاز كاسيت جديد وبالتالي صار الراديو متنفسنا الوحيد ,والراديو كان خلاف اليوم مليء بالبرامج الثقافيه والاغنيه لاتعاد الف مره باليوم لحين ان هبط علينا راديو الشباب وقناته في التسعينات وحولها ابن صدام عدي لقناه اعلاميه على حساب البث المركزي للحكومة ,ولكن المخلصين للبرنامج الحكومي امثالي كانوا يستمتعون بدراما الراديو وقصص المبدعين وتعريف بروائع الادب والموسيقى العربية وبرامج الحكم والادب ,والبرنامج الانكليزي كان متحررا في بث مواد من الكونتري للسمفونيات للكولدن اولديز للروك والهيفي متل والبوب القديم والحديث ,وتحولنا الى اصدقاء من خلال الرسائل للبرامج وتعارفنا لنقيم حفلات من خلف انظار الامن في نوادي الصيد والجادرية والعلوية ومركز صدام للفنون

صحيح ان الامن والحزب كان مسيطر عليها وكان هناك اغنيه للقائد وكلمه الاتحاد ولكن كان هناك عروض خاصه في كليه الاداب لمسرحيات شكسبير وافلام مثل اماديوس والسفاره الفرنسيه عرضت مسرحيات وافلام فرنسيه ,كنا نسير نصف المسافه حتى تتوفر لنا ثمن التكت,

كنا نزور كليه الفنون الجميله وكلية الاداب ومعهد الفنون والتربية وكليه الاعلام ,لحضور الحفلات ومعارض الكتب والمسرحيات ,صحيح اننا كنا نجبر على سماع مواد تخص الحزب ولكن كنا نسمع ونشاهد 90%مواد ثقافيه وفنيه

جيلنا ولد في حرب وعاش حرب وخرج للحياة العملية من قلب حرب ,ولكن تجد اغلب ابناء جيلنا قراء نهمين ومثقفين ويستمتعون بالموسيقى الراقية والفن المحترم ,يعرفون بأصول الحياة المتحضرة ولديهم القدرة على الاستيعاب ,وتراهم الاقل قدرة على التكيف مع العراق الجديد

في بلدنا اليوم المكتبات صارت تبيع كتب دينيه وسياسية في شتم النظام السابق ,كنت احضر مؤتمرات ويتم منحي كتب كلفت ملاين لطباعتها وكنت ارميها في المنزل لانها تخلوا من اي فكر ,نظريات وكلام فارغ وانسلاخ عن الواقع ,ملىء غير مبرر للفراغ ,لا اكثر ولااقل,اصبح هناك مئات من القنوات ومحطات الراديو كلها تتغنى بنفس النغمه مشاكل وحرب ودعايات ضد الأرهاب ودعايات حزبيه و مقابلات ممله مع اشخاص لا هم لهم سوا الكراسي ,قليله هي الاصوات التي حافظت على رصانتها وقدمت مادة ثقافيه مفيده,

الشباب اليوم يجدون في مخلفات اهليهم والانترنيت ملجاء لتحميل الكتب والمواد الفنيه وانا افتخر بهم لانهم يبنون هويه ثقافيه بصعوبه في وقت طغت به الهويه الدينيه والحزبيه بعشوائيه على الساحه

صديق لي اخبرني قبل يومين انه يتمنى لو انه لم يدرس ويكمل شهادته العليا وتعلم تصليح السيارات لكي يجد مستقبل في العراق العظيم ,لم استطع ان اجاوبه لان لدي اربع شهادات لااعمل بها ولااملك حرفه سوى الكتابه لمكافحه بطالتي  ولديه اربع رصاصات مستقره في امعائه واخ مدفون تحت الارض  تقديمه من العراق الجديد واحد منتفعي الزمن الجديد

العراق مصنع الحضارات ,والله لقد بكيت عندما قرأت كتاب معروف الرصافي اللغز المقدس ,سئلت روحي كيف كان في تاريخنا عبقري مثله ,تعال  شاهد افلام محمد شكري جميل ,ارجع واسمع الحان كوكب حمزة ,واستمتع بتمثيل سامي قفطان ,وشاهد مسلسل الاماني الظاله,كم من مبدع غيبته الهجرة وكم مبدع غيبه السجن واخرين غيبهم نهب التاريخ وتشويه الارشيف الفكري للامه

شبابنا اليوم يثقفون نفسهم بنفسهم ,منهم من سيتحول لديني واخر لعلماني واخر لمنحل واخر لمحافظ ,عقول خضراء نتركها تنمو بحريه للعشب المتطفل يزحف حولها ,ونتحجج بالزمن الرديء ,ماحجتنا لو هرب كل الشباب غدا للبحث عن حريه اكبر وفرص حياة امنه؟

شبابنا يبحثون عن متنفس لابداعهم ,كلهم عباقرة ومبدعين ويملكون قدره على الخيال ,لقد عملت لخمس سنوات في مجال مشاريع الشباب واتيحت لي فرصه التقاء شباب مبدعين ,منهم من علم نفسه الكمبيوتر ومنهم من يصمم روبتات واخرين يبنون سيارة بمفردهم واخر قراء ماركيز وكتب لم اقرائها الا بعد اعوام من التهيء لاستيعابها ,لاعبين تنس وعازفي كيتار وبيانو ,مبدعين يضيعون بأسم الوقت والظروف وماكو كهرباء وتزوير الشهادات ونظريه افلت او ابقى واسلب

لابد على الاقل ان عجزنا عن ان نفعل اي شيء للوطن ان نبادر كأشخاص على قدر من العلم ان نقوم بعمل برامج عن طريق الانت على الاقل وعلى مستوى منظمات لمساعده الشباب للتثقيف ,نعرفهم بتاريخهم بمثقفيهم فنانيهم مطربيهم وهويتهم الفكريه,هل نحن عاجزون عن عمل منتدى ثقافي مقابل الكم المرعب من المنتديات الدينيه والفنيه والنكت والتحشيش ,مشروع مكتبه عامه ؟مشروع درس صيفي ثقافي ,احياء لمدرسه الموسيقى والباليه ,دورة رياضيه ,صحيفه الكتروني ,هل يجب ان نحصل على تمويل بالوف الدولارات لنفعلها ام نبادر ونتواصل معا لنفكر معا ونعمل

نحن لانريد ان نجمل الماضي ولكن لانريد ان نمحي الاخضر باليابس كنا نعيش في نظام شمولي يحاصر الفكر ولكن كان يترك متنفس لايجاد المعرفه وهو مالانجده اليوم الا لم اراد ان ينحت في النت والكتب العتيقه ليصوغ فكر معرفي جديد,  بدلا من ان نعيش في ايام زمان نستطيع ان نخلق مبادراة فرديه لدعم الشباب ليكون لهم فرصه تشكيل هويه بعيده عن الحزبية والشمولية والرجعيه والطائفيه ,ليكون لهم فرصه الاختيار الديني والسياسي والقومي الصحيح,نحن نحتاج ان نساعدهم والا لن يجدوا حتى ماضي مشوه مثلنا ليقولوا عليه ايام زمان