لدي أزمة عميقة مع الذين يكرهون السيسي ويناصبونه العداء لنفس الأسباب التي يكرهون بسببها الروائي الشاب أحمد مراد!

قد تبدو لك الشقة بعيدة بين الاثنين، ولا رابط بينهما على الإطلاق، غير أن المشترك فيهما، هو حب الجمهور- عموم الجمهور- لهما والإقبال الشغوف عليهما، في مقابل إحجام النخبة عنهما وإبداء امتعاضها وتحفظها حيال كليهما.

دعنا نبدأ المقال.. من ناحية الروائي الشاب.. لنرى كيف تقاطعت الخطوط والأقدار مع الجنرال المتوج..

(1)

في محطات المترو والجامعات ستجد دوماً من يتأبط رواية لأحمد مراد أو ينتحي بها ركناً عاكفاً على قرائها بتركيز واستغراق لافتين.

بل في بعض المصالح الحكومية أيضاً، ستجد موظفة حكومية ثلاثينية العمر تسعينية الوزن، منشغلة بقراءة «الفيل الأزرق» عن أي شيء آخر..

تذهب الشواهد إلى أن المبيعات الهائلة لروايات أحمد مراد أعادت قطاعاً لا بأس به من الناس للقراءة… وفي الموظفة الحكومية التي تقرأه بدلا من «قرطفة» الملوخية في أوقات العمل الرسمية، تغير دراماتيكي في مسار الكون نفسه..

المشهد رأيته بعيني!

(2)

أعاد السيد عبدالفتاح السيسي للمصريين صورة البطل الذي يمكن الاعتماد عليه، المخلٍص القادم من رحم الغيب ليزيح الإخوان، ويربت على كتف الشعب قائلا: «لم تجد من يرأف بك ويحنو عليك»..

أعاد لـ«الرئيس» رونقه.. بعد سنوات عجاف من بلادة مبارك، وكارتونية مرسي، وصمت عدلي منصور.

وأياً كانت الآلية التي اعتمد عليها السيسي، فإنه جعل الفكرة «رائجة»، وتمكن من تسويق «الشخص» نفسه، بمفاهيم السوق والإعلان.

وأصبح للجماهير معبودها الجديد المتوج.. رئيس بمقومات بطولة سينمائية.

(حتى ولو كان كأحمد السقا، محبوباً على نحو غريزي دون تمتعه بموهبة ألمعية).

(3)

 

المثقفون عموماً يكرهون الروائي والمصور ومصمم الأغلفة أحمد مراد.

شاعر نصف مشهور وصف روايات مراد بأنها «رغاوي صابون» وآخرون كثيرون يرون أن كتاباته أقرب للروايات البوليسية التي توائم المراهقين، والقراء غير المخضرمين..

يحاولون دوماً دمغه بأنه «شعبوي».

في مجمل انتقادهم لمراد، لن تجد تناولاً متماسكاً لأعماله، لن تجد إبحاراً حقيقياً في مشروعه الناشئ.. فقط ستجد كراهية خالصة..

ستحس مع الوقت أنهم يكرهون «نجاح» مراد بمعزل عن قيمة ما يكتب.

عظمت القيمة أو تضاءلت.. سيان.

(4)

لا أذهب بعيداً حين أقول إن النخبة تبدو لي أحياناً كما لو كانت في حرب مستعرة مع السيسي، لأنه استحوذ على قلوب وعقول الناس.

إنهم أحياناً ما يكرهون أن يحب الناس أحداً أكثر منهم..

تسألني وهل يحبهم الناس أصلا؟ أقل لك: «المهم ألا يحب الناس شخصا آخر»..

النخبة المصرية التي استسلمت، واستساغت- عن رضا- وصول الإخوان للحكم، وانسحقت أمام الروعة الجمالية لقدرة التنظيم على الحشد وعلى أداء بعض العروض والمارشات، وقدرة أبناء الجماعة على الهتاف على نحو موحد.. استنكرت على السيسي أن يحبه الناس.

تجاذب الجيش والإخوان السيطرة على قلوب الجماهير.. وهذا شأنٌ جماليٌ خالص..

أي جماعة موحدة الزي والملامح أو كليهما، ويمكنها أن تتحرك بصورة منظمة وأن تتصرف على نحو ليس «فوضوياً».. ستجتذب تعاطف حب الجماهير.

ولأجل هذا.. ربما سنفهم قليلا سر روعة فن الباليه.. الحركة المنظومية المدروسة سلفاً، والتي يتناغم فيها أكثر من شخص سوياً دون إخلال بشيء.

(5)

روايات مراد، ليست بجلال أو عظمة روايات ماركيز، لا تبدو من عيون الأدب العربي، ولا من روائع الإبداع الإنساني..

لكنها روايات تحمل بين طياتها جهداً مضنياً واجتهاداً مدهشاً، وموهبة اختار مراد أن يعبر عنها على النحو الذي يتراءى له لا على النحو الذي يتراءى للمثقفين المصريين.

اختار مراد جمهوره بدقة- وربما جرى هذا الاختيار طواعية أو بالصدفة- وتمكن من أن يكتب له شيئا يحب أن يقرأه هذا الجمهور.. وفي الكتابة شروط متبادلة بين القارئ والكاتب، تتداخل معها إحداثيات أخرى، اجتماعية وسياسية وسوقية.

لا أظن مراد قد استهدف فئة غير التي تقرؤه، شباباً وطلبة جامعيين وآخرين من طالبي المتعة من القراءة..

المتعة والابتهاج.. دون مزاعم رخيصة وغير جادة عن «القضية» و«الإبداع»..

يمكن أن تصف روايات مراد بأنها شعبوية، من حيث أنها تخاطب الفئة التي تستهلك أخبار الحوادث والكرة والنجوم، وتحب الأدب الشيق.

ويمكنك أيضا أن تتغافل عن حسدك لمراد، وأن تلاحظ خصوصية لغته وجمالها وانسيابها..

ويمكنك أن ترفض مراد، لأنه لا يناسبك.. ولتبحث عن كاتب آخر أو فلتستكمل متعتك مع ما يروقك.

يمكنك أن تفعل كل شيء.. لكنك اخترت أن تحقد على مراد لأنه يبيع وأنت لا تبيع أو لأنه محبوب ومعروف وأنت لا! «ألا تستحي من نفسك؟».

(6)

اختار المشير السيسي أن يخاطب جمهوراً بعينها، استهدفه بدقة، وتكلم باللغة التي يحب أن يسمعها هذا الجمهور.

بمفاهيم سوقية: تمكن الرجل من بيع منتجه وسلعته للجمهور المستهدف. (وبالمناسبة، ربما يفيدك أن تعرف أنك كنخبوي ومثقف وتقدمي وتنويري وتحرري، لم تكن ضمن الجمهور الذي استهدفه في الأغلب!).

أنت خارج حسابات السيسي يا عزيزي..

حكم السيسي أقرب لرواية لأحمد مراد.. إذا لم تستمتع بها، فلن تتركك الجماهير أن تكدر متعتها بها!

وكما أن مراد ليس ماركيز.. فإن السيسي ليس جيفارا..

بل يبدو الرئيس الجديد لي أقرب لمراد كثير من الشيء.. مجتهد ومنظم ويمشي في طريقه أن يتلفت، ويجيد مخاطبة جمهوره، ويجيد بيع بضاعته. (وهذه قصة قصيرة سعيدة بالمناسبة)

(7)

ستظل النخبة مأزومة طالما كانت كراهيتها للسيسي ولمراد، لأجل حقد شخصي (وهذا هو ما خلصتُ إليه إجمالا دون مواربة أو تزيين في الألفاظ).

بالطبع يتم تصدير شعارات كثيرة للنيل من السيسي تتمحور في معظمها حول «الدماء» و«الديمقراطية» ومسؤوليته عنهما تورطا وإهدارا.. لكنها خرجت من حناجر لا تجاوزها الألفاظ.. ولو خرجت من حناجر صادقة، لكان الحال غير الحال. ولما جرت كل الدماء التي جرت، ولم تكن الأرواح التي أزهقت زوراً، لتزهق هكذا دون ثمن.

وبالمثل فإن نقاد مراد يواجهونه بأنه شعبوي ويكتب للمراهقين.. دون أن يتورطوا في تقديم أي نقد حقيقي لما يقدمه روائي شاب، يبدو أنه سينفرد بسوق الرواية المصرية بعد قليل.. مالم يكن قد انفرد بالفعل.

(8)

السيسي بحاجة لأن يواجه انتقادات حقيقية، وبحاجة لأن تتشكل عليه رقابة شعبية صارمة وبحاجة إلى أن تتم محاسبته بالقسطاس المبين وبحاجة لـ«تبطيط» بذور الديكتاتور الكامن بداخله، لا أن يتحلق حولوه المنافقون وفصائل المنحطين الذين يتاخمون مساراته إلى الآن.

مالم يتم «نقد» السيسي بحرفية وبصدق، سيتحول لمبارك آخر، وستتحولون أنتم لجوقة من الصارخين في الفراغ.. لا يسمعهم ولا يحترمهم أحد.

لتكتمل المنظومة الخربة.. حاكم ديكتاتور ونخبة منفصلة عن الواقع.

(9)

كان أحمد مراد المصور الشخصي لحسني مبارك!

وربما سيصير- وفقاً لعمله في رئاسة الجمهورية لحد آخر معلوماتي- مصوراً شخصياً للسيسي.

في مفارقة قدرية مدهشة، وفي لقاء سحاب بين اثنين استوليا على عقل وقلب الجمهور.. وإن رغمت أنوف!

وكل ما أنتظره هو الصورة الأولى للسيسي بعدسة مراد، لأتأمل كيف يمكن أن تتفاعل كيمياؤهما سوياً في منتج سيكون رائجاً باقتدار