في نهاية العام 2011 كتبت مقالاً بعنوان “لهذا أؤيد سوريا الأسد” كنت واضحاً فيه و انا أرصد ملامح تأييدي لبقاء الرئيس السوري و نظامه و عددت الأسباب و التي إلى الآن أراها مقنعة و كافية لأقرر أن بقاء بشار الأسد ضروري بل إن الأمر إزداد قوة و باتت وتيرته تقود ليس فقط لبقائه بل للقول أن سوريا التي نعرفها منذ القرن ال 20 لن تستمر لو رحل الرجل ليس ميزة فيه بل عيباً في سوريا و تلك هي الحقيقة بكل أسف…

* المعادلة الآن بسيطة فإما ان يبقى الأسد أو تبقى الميليشيا حاكمة فتلك الميليشيا لن تكون أفضل من مثيلاتها في ليبيا ما بعد القذافي (الواقع ان كثير منهم غنتقلوا من ليبيا إلى سوريا) و لن يكون مصير الجمهورية السورية أفضل من مصير ليبيا و سوف يأتي يوم لو رحل الأسد نكرر فيه مط الشفاة و التحسر على أيام الأسد التي كانت ، إن المعادلة باتت واضحة فأمام الشعب السوري خيارين الأول بقاء الأسد و محاولة دفعه لإصلاح و لو جزئي و الخيار الثاني ليس تفكيك الدولة السورية بل إنهاء وجودها تماماً فالتركيبة العرقية و الطائفية و الدينية لن تسمح بنموذج ليبي فقط بل لن تسمح أصلاً ببقاء الدولة المركزية و سوف ينال الجار التركي و الممتد الايراني و الطامع السعودي و الجامح الاسرائيلي كل ما يشتهون كغنيمة حربهم في سوريا.

* نعم أقول أن هذا النظام هو وريث حكم فاشل و قاتل منذ إنقلاب حسني الزعيم 1949 و لا يحمل النظام منذ منشأه العسكري الى آخر مراحله بإنقلاب الاسد على آخر أعضاء اللجنة العسكرية المكونة بالقاهرة عام 1970 لا يحمل أدنى مشروعية او شرعية و لا حتى شعبية حقيقية إلا على أسس المصلحة و الطائفية فهذا نظام بلا سبب للبقاء و لكن الوضع بات يحتم بقاءه ، نعم هذا النظام الغير مستحق للبقاء بات بحكم الواقع حتمي البقاء ليس من اجل سوريا وحدها بل من اجل سوريا و ما نسميه نظام المقاومة بحزب الله و حماس (لو عادت حماس لدمشق) و كل طرف في فلسطين لا يملك داعما بالسلاح الا سوريا و ايران ، بمعنى أكثر وضوحاً فان المعادة الواضحة إما سوريا تبقى بالاسد أو نحذف سوريا و كامل تحالفاتها من الخريطة.

* لا شئ حقيقي يسمى ممانعة و لا شئ حقيقي يسمى خيانة كل الزعماء و الحكام و القادة يلعبون سياسة مع ايران و أمريكا و روسيا و اسرائيل لا أحد يقول انا لا أقيم علاقات مع هذا او ذاك كلهم يلعبون ، الفكرة ان هناك توازن يقيمه النظام السوري بشكله الحديث من 1970 و ازداد ضراوة بعهد بشار الاسد خاصة بالنفوذ الايراني و الروسي و هذا انعكس ايجابا على حماس و حزب الله بالذات في القدرة الصاروخية مما صنع نتائج هامة باتت حجر أساس لتوازن ضعيف جداً بالمنطقة ، اليوم لدينا مسلحون يحاربون بقوة ضد الجيش و هؤلاء استثمار خليجي – غربي و الرابح لو كانوا هم لن يسمحوا ببقاء التحالفات القديمة ، لهذا كما أسلفت الخيار لدينا كمصريين -مثلاً- إما ان نقيم جداراً مع المبادئ الانسانية و الحقائق الديموقراطية و نؤيد الاسد او نهدم جدار التوازن الهش و ندعم الميليشيا و نودع أي حديث عن جمهورية سوريا تماماً كما ودعنا دولة العراق عام 2003 و لن نودع سوريا وحدها بل سوريا و كامل تحالفاتها فالمنتصر لن يبقي الحال على ما هو عليه لا السعودية و لا تركيا و لا أمريكا و فرنسا سيقبلون ببقاء حجر فوق حجر من سياسات سوريا.

* لكن ما ذنب الشعب السوري و هل عليه أن يدفع فاتورة دعم حزب الله و اسران و حماس لتوازن ما؟
أجيب أن الشعب السوري أغلب عهده صمت ، نعم هم صمتوا و لم يحتجوا إلا سنوات قليلة و هذا انتج نظام عفن قاد لسلسلة انقلابات قادت لحكم الاسد فهل نعفيهم من المسئولية الان؟ إننا و نحن نقر بأن الاسد لا يستحق البقاء و في نفس الوقت من مصلحتنا بقاؤه ننظر للشعب السوري ثم نقول ان من مصلحتهم بقاء النظام ، لنكن أكثر وضوحاً فالشعب الذي لا يقدر على صناعة نظام حقيقي يدير البلاد ليس عليه ان ينظم ثورة ، الشعب الذي لا يعرف كيف يخلع طاغية ثم ينصب منظومة ديموقراطية عليه ان يخرس حتى لا يلحق بأشلاء ليبيا ، الشعب السوري يثور لأنه لا يريد الاسد ثم يعود عن ثورته لأنها باتت حرب دولية بالوكالة ثم يحتار هل يريد الاسد ام لا و لا يرى أنه يسير بطريق التدمير الشامل ليس للمباني و البشر فقط بل لكيان الدولة السورية كله ، حينما يملك الشعب هذه القدرة على تنصيب نظام حقيقي ديموقراطي فهنا يمكنه الثورة اما قبلها فلا.

* إنني على إستعداد لقبول أن يذهب الاسد للجحيم بشرط واحد ، أريد ضمان أن هذه الميليشيا لن تحكم سوريا و انها ستلقي السلاح و تنضم للجيش مستقبلاص و يرحل الاجانب من 44 جنسية عن سوريا و تكون سوريا بيد المعارضين السياسيين في مجلس ما مؤقت يدير البلاد لحين اقامة نظام ديموقراطي ، هل هذا ممكن؟ إلى ان يحدث هذا فلا مجال عندي لتخيل رحيل الأسد لأنني ببساطة لن أقبل برحيل الدولة السورية الى جهنم و زوالها التام بيد الميليشيا و دول الجوار (التي ستتدخل عسكريا بقوة بجيوشها) و أعود بعد سنوات و أكرر بكائية ليبيا ، من يريد سوريا موحدة فإما ان يقبل بنظام كهذا أو يقدم ضمان أنه لن يأتي يوم تُلعن فيه تظاهرة درعا يوم 15 مارس 2011.

* كل هذا الدم الذي يتحمل مسئوليته بشار و قادة الميليشيا و دول الجوار سيكون مقدمة بسيطة لكارثة ابادة جماعية متبادلة بل و ربما حرب اقليمية ستنفجر لو زال النظام ، هذا الوضع المختل الذي بتنا فيه نريد بقاء منظومة فاشلة لا علاقة لها بالانسانية أو النزاهة لا يمكن ان يستمر و بمرور الوقت سيتساوى بقاء النظام و رحيله حينما – لا قدر الله – يتداعى الجيش السوري و لو حدث هذا فالأسوأ سيحدث و هو انحلال الجيش تماماً كما حدث بليبيا (أول قرارات الثوار في ليبيا حل الجيش و اول قرارات الاحتلال الامريكي للعراق حل الجيش) و سيكون الجيش عدة ميليشيات تتركز في مناطق الاقليات لنرى حرب جديدة لن تنتهي ، أريد ان أقول بوضوح أنني أجدد رأيي في حتمية بقاء الاسد ليس عيباً فيه وحده بل عيباً في سوريا كلها و عيباً في منظومة الإنقلابات منذ حسني الزعيم الى بشار الأسد و التي تجبر الكل على أن يقبلوا بالأسد لوأرادوا دولة سوريا.

* ختاما لي كلمة: لو نجح الأسد بالبقاء فإنه سيكون واهماً لو تصور ان سوريا ستعود ليوم 14 مارس 2011 أو انه مؤهل للحكم بنفس الشكل القديم ، سوريا ماتت إنسانياً و انتهت الصلات الهشة بين الطوائف و باتت في حالة كراهية و ثأر مجنون ، سوريا لم تعد سوريا بل باتت بقايا سوريا و هو تركته في حالة انتصاره هائلة ، بشار الاسد إن لم يفهم حتمية صناعة تغيير سياسي و اجتماعي سيقتل نفسه بنفسه فلا سني و لا علوي و لا مسيحي سيعودون كما كانوا عام 2011 و لو لم يلمسوا تغيير فسينفجرون و هذهالمرة مهما فعلت ايران او روسيا و مهما قاتل الجيش فكل شئ سينتهي…

للتواصل مع الكاتب : https://www.facebook.com/mahmoud.arafat.7503?ref=tn_tnmn
                            https://www.facebook.com/profile.php?id=100007525890167