في مقال نشرته على مدونتي قبيل أسبوعين من أحداث 30 يونيو 2013 والتي كانت تقودها “حركة تمرد” لسحب الثقة من أول رئيس منتخب لـ”جمهورية مصر العربية” حذرت مما وصفته بـ”إمبريالية الفلول” وهو عنوان المقال ” استناداً إلى ما عبر عنه أحد علماء الاجتماع الغربيين بـ”إمبريالية المقولات” وهي أن تقوم إحدى القوى بتحديد المقولات التحليلية الأساسية بطريقة تعكس إدراكها وتخدم مصالحها وتستبعد إدراك الآخرين وتهمل مصالحهم.

والإمبريالية تعني التسلطية (بالإنجليزية Imperialism) وهي سياسة توسيع السيطرة أو السلطة على الوجود الخارجي، وتكون هذه السيطرة بوجود مناطق داخل تلك الدول، أو بالسيطرة عن طريق التبعية السياسية أو الثقافية أو الاقتصاد والدبلوماسية.

وتفسير الظواهر وفق “إمبريالية المقولات” أو “الإمبريالية الإدراكية” استخدمه الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه “الجماعات الوظيفية اليهودية” لمحاولة فهم الصراع العربي الإسرائيلي، فيرى المسيري أن المقولات التحليلية الأساسية قد تم صياغتها بعناية فائقة داخل التشكيل الحضاري الغربي، وهي مقولات مستمدة أساسا من العهد القديم بعد أن تم علمنتها فـ”الشعب المختار” يصبح “الشعب اليهودي”، وأرض الميعاد تصبح “الوطن القومي اليهودي”، و”العودة في آخر الأيام حين يتحقق الوعد الإلهي” تصبح “استيطان اليهود في فلسطين حسب وعد بلفور”. وعلى الرغم من محاولة العقل العربي مقاومة هذه الإمبريالية الإداركية إلا أنها أحكمت وثاقها فلم يوفق كثيرا في الانسلاخ منها.

وأنا أقرأ هذا الكلام وقتها تخوفت من أن نكون حقاً نعيش هذه الحالة من “الإمبريالية الإداركية” دون وعي منا، وذلك بقيام  إحدى القوى  بتحديد النماذج التي تعكس إدراكها للواقع، لخدمة مصالحها مستبعدة إدراك الآخرين ومهملة لمصالحهم.

وكان من بين التساؤلات التي أثرتها هل الدعوات المطالبة برحيل أول رئيس منتخب  في تجربة ديمقراطية ناشئة، تخفي في حقيقتها “إمبريالية إدراكية” من قبل قوى الثورة المضادة (الفلول)؟.

وهل من الممكن أن تكون المناداة بسقوط “حكم المرشد” التي ملأت وسائل الإعلام التي يسيطر على معظمها أصحاب المصالح مع النظام البائد بعد أشهر من اعتلاء أول رئيس منتخب سدة الحكم، هو الغطاء الثوري لثورة مضادة تهدف لإسقاط النظام الجديد الذي قوض أركان نظام مبارك وزبانيته.

وإذا كان مرسي فاشلا هو وجماعته أليس ذلك أمرا إيجابيا للمعارضة؟!! سيما وأننا نحتكم إلى الصندوق النزيه في ديمقراطيتنا الناشئة، برغم ما قد يعتري العملية الانتخابية ويشوبها من خلل!!، ولماذا لا تكون هذه الحالة من البلبلة في حقيقتها موجهة ضد الثورة لا الإخوان، ونحن الذين سنأكل الطعم؟!!.

هذه التساؤلات وغيرها عززت من موقفي المتحفظ من حركة “تمرد” والدعوات المنادية بانتخابات مبكرة، خشية تبعاتها التي لا ندري إلام تؤول، في ظل تشابك المصالح، وتداخل الخصوم أصحاب الغايات المختلفة وأن اتحدت على هدف واحد في ذلك الوقت، رغم معارضتي الشديدة  لحكم الإخوان وسياساتهم ومشاريعهم من الأساس.

واليوم وبعد مرور 9 أشهر على الانقلاب العسكري، وما شاب المرحلة من ممارسات قمعية ولا إنسانية وحشية فاقت ما كان عليه نظام مبارك وعادت بنا إلى حقبة الستينيات، يجب أن نتساءل عما تحقق من مطالب الحملة الشعبية التي انحاز الجيش على إثرها لنداء الملايين ما الذي تحقق منها؟ وعلينا أيضا أن نقارن مناخ الحريات في ظل حكم العسكر والإخوان ما الذي تدهور وما الذي بقي على حاله؟ وهل ما تحقق يشعر شباب الثورة بالرضى ومعارضي نظام مبارك ومناهضي الفاشية التي كانت توصف حينها بـ”فاشية دينية” والذين اصطفوا في صف الثورة ضد الإخوان.

إن قيام قائد انقلاب 3 يوليو بخلع بزته العسكرية للترشح لمقعد الرئاسة بعدما قطع على نفسه العهود بعدم التقدم لهذا المنصب، وإصراره على إظهار عدم الطمع في السلطة، بإمكانه أن يمثل منعطفاً إيجابياً في مسيرة التمحيص بين الثورة والثورة المضادة، بعدما تنبه الكثير من ثوار يناير الحقيقيين والمؤمنين بالتغيير إلى حقيقة الطٌعم الذي التقطوه، ولعل هذه الحالة قد يعبر عنها ولو بشكل رمزي “الهاشتاج” المثير الذي امتلأ به الفضاء الإلكتروني وظهر على أرض الواقع كردة فعل تلقائية على خيبة الأمل التي شكلتها خديعة السيسي لهم،  لكننا أيضا لابد وأن نتخوف من إمبريالية مضادة يقودها العند الإخواني تجعل من الصعب العودة إلى الاصطفاف الثوري على هدف واحد ما دامت هتافات “مرسي رئيسي” لم تختف بعد، ومادام الإخوان يطالعوننا بين الحينة الأخرى بالتصريحات غير المسئولة والتي كان آخرها قول يوسف ندا القيادي الكبير في التنظيم العالمي للجماعة بأنه ينتظر انقلابا من داخل الجيش يعيد الأمور لنصابها الصحيح !!

  • كاتب مصري، وباحث بمركز الدين والسياسة للدراسات