في المقهى أعطاني خطابها الجديد مكللاً كالعادة بهالةٍ يائسة من اللعنات على الصداقة، وبسب دين الأشياء الثلاث التي لدى الصاحب عند صاحبه .. منذ زمن طويل، والضحكة الواثقة، السعيدة التي أستقبل بها الخطابات تفقد قوتها المتباهية بالتدريج .. تحوّلت الآن إلى مجرد ابتسامة شاحبة، قلقة، تقاوم فقدان الأمل، أو تتوسل له أن يكون رحيماً ..

بعد الانتهاء من قراءة الخطاب تنسحب عينيّ نحو الداخل مثل كل مرة لتفحّص الوحشة التي قادني إليها التراجع خطوة جديدة إلى الخلف .. كأن حركة قدميّ للأمام التي حدثت ذات يوم أصبح الآن ينتمي إلى ما قبل بداية التاريخ كي أخطو مع صديقي إلى شقة زوجها الملحن الأعمى؛ كانت تلك الحركة هي آخر فعل تطور أؤديه في حياتي ..

صديقي صاحب الصوت الجميل، الذي اقترح أن أحضر معه إحدى جلسات التدريب الأسبوعية على الغناء .. طوال الطريق إلى المنطقة الشعبية التي يسكنها الملحن الأعمى، وخلال اللحظات القليلة التي استغرقها صعود السلالم نحو باب شقته ظل يرجوني، ويحذرني من مجرد النظر إلى زوجته الريفية التي تصغره بعشرين سنة ..

بدرجة تتعدى معرفتي باسمي، ونتيجة تكراره الممل، الخانق حفظت أنها امرأة محترمة جداً، وأن زوجها أعمى، ولكن إحساسه أقوى من ألف عين .. لم تكن تضع مكياجاً، وهذا ساعدني كثيراً على الاكتشاف الفوري للتفاصيل النقية لوجهها الشهواني، الذي تتحكم في سحره عينان مبتسمتان، ترشدان بخبث من يواجه نظرتهما إلى ما أسفل رقبتها .. جسم حافل بالامتلاءات البارعة، المكتومة داخل جلباب صوف بيتي، اخترقتني سخونته التي تعزل لحمها الخمري، الناعم عن برودة الطقس بينما أمر بجوارها خلف صاحبي نحو حجرة الصالون .. أعتصر مؤخرتها بعينيّ، وهي تعبر أمام الباب المفتوح، ثم ابتسم للمطرب الواعد، الذي استمرت نظراته في استعطافي بعدما اضطر لسانه للبقاء داخل فمه ..

أردت أن أعبّر له عن تفاؤلي همساً بعد الترحيب الدافيء الذي استقبلتنا به، والنغمة الحنونة في صوتها حينما قالت: ( أهلاً، وسهلاً .. اتفضلوا ) لكن الملحن الأعمى دخل الحجرة .. لم يبد في بداية الخمسينيات مثلما قال صاحبي .. ربما ساعده على الظهور بعمرٍ أقل الصبغة الواضحة التي لوّنت شعر رأسه بسواد محكم، تتناسق شدة قتامته مع سواد النظارة المسنودة على خديه السمينين .. كان على قدرٍ من البدانة لدرجة أن جسده بدا مضغوطاً داخل بيجامته الكستور البيضاء، التي بدت متآلفة تماماً مع العُود الذي دخل إلينا، وهو في يده .. صافحنا بودٍ بالغ، وخصّني بحفاوة أكبر تقديراً، وامتناناً لزيارتي الأولى

كان الجو بارداً فعلاً، وهذا ما يفسر الشال الوردي الثقيل الذي وضعتيه حول كتفيكِ قبل أن تدخلي حاملة صينية الشاي .. أنتِ لم تقصدي تغطية ثدييكِ الكبيرين، البارزين من تحت الجلباب الصوف بالطرفين العريضين، المنسدلين للشال .. لو كنتِ تقصدين ذلك لوضعتِ الشال قبل أن تفتحي لنا الباب .. تأكد لي هذا من ابتسامتكِ، ومن النظرة الخاطفة لعينيكِ في عينيّ، وأنتِ تضعين الصينية على الطاولة أمامي .. الإيشارب السماوي الفائض بالزهور، الذي منعني من التعرّف على لون شعركِ، وكنتِ تعقدينه بطريقة الأمهات القديمات تحت الذقن جعلني أوقن من معلومة صديقي بأنكِ لم تنجبي حتى الآن ..

لا أعرف لماذا زاد حاجباكِ الكثيفَانٍ من هياجي، لكنني أعرف أنكِ لم تبتعدي كثيراً عن باب الصالون المفتوح .. أعرف أن أذنيكِ ظلتا قريبتين، تتابعان كلامنا؛ حيث كان صاحبي يتولى مهمة توطيد التعارف بيني، وبين زوجكِ، قبل أن يتركنا نحاول إقامة الممرات الممكنة بين القصة القصيرة، والموسيقى العربية

نعم يا صديقي، لازالت تريدنا أن نستمر في تبادل الرسائل الغرامية كطالبَين في ثانوي، وتطلب مني أن أصبر .. في كل مرة تقول لي ذلك لا يبقى الحال كما هو، بل ينسحب الإيمان بتحقيق الوعد إلى الوراء .. نحن في الثلاثينيات، ولم تعد لدي القدرة على مواصلة الكتابة باللغة العاطفية للمراهقين، ولا حتى قراءتها طمعاً في لحظة النوم معها، التي أكدت لي مراراً أنها قادمة .. لكن حياتي لم تعد تخضع سوى للشك المتزايد في الوصول إلى تلك اللحظة .. أشعر أنها تستعملني فحسب يا صاحبي

كان التمر ين اليوم على ( أمانة عليك ) لـ ( كارم محمود ) .. كأن صديقي، وزوجها يحتفلان دون قصد بلقاءنا الأول .. صاحبي يغني، والملحن يعزف، ويصحح له، وأنا متلذذ بتخيلها جالسة في الحجرة الملاصقة، تنصت إلى الأغنية بمزاجٍ رائقٍ، وتفكر بشغف في الزائر الغامض، الذي التقطت حاستها الأنثوية فوراً ارتباكه الحاد، وهو يحاول أن يواري به شهوته .. كان الملحن الأعمى يقتطع فترات قصيرة، متباعدة من التمرين للراحة، والتحدث في أمور أخرى غير الموسيقى .. كان مهذباً، وخفيف الدم، ولحركة ملامحه، وشفتيه هيئة ( عمار الشريعي )، وكان يوجّه رأسه ناحية من يكلّمه كأنه يراه فعلاً ..

حاولت أن أرفع وجهي كي أنظر إليها .. كانت واقفة عند باب الشقة الذي مدت يدها لتفتحه حينما انتهى التمرين، و بعدما صافحت أنا، وصديقي زوجها .. أوقف الخجل رأسي قبل أن تصل إلى هدفها، فتسمّرت عينيّ لبرهة ضئيلة أمام ثدييها، وهكذا وصلت الرسالة الصحيحة رغماً عني .. ما أعطى دعماً للرسالة، التلاحق المتخبّط للحروف التي قلت بها: ( سلامو عليكو ) قبل أن أخرج وراء صاحبي

لم يكن عندي مشكلة أن تأخذي الوقت الذي تحتاجينه كي تحكي لي كل شيء مثلما أردتِ .. بالعكس كان هذا يفرحني حقاً .. أبوك الميت، وأمك الفلاحة الفقيرة، التي ليس لديها سواكِ .. نظرات الحب الصامتة التي لم تتحوّل إلى حكايات بينكِ، وبين أولاد، وشباب القرية .. الأقارب المتباعدون، الذين لا يثير لفظ ( العائلة ) أي شعور لديهم .. هواية رسم النار .. زوجك السابق الذي طلّقك لأنك لم تنجبي، ثم الملحن الأعمى الذي تعملين عنده في صورة زوجة كخادمة، وسكرتيرة، وعصا بشرية داخل الأماكن الغريبة .. الصفقة العادلة بين عقيمة فقيرة في أواخر العشرينيات، وأعمى في أواخر الأربعينيات، لا يريد أطفالاً ..

لكن لماذا كل هذا الإصرار الذي لا يحتمل التفاوض على حرماننا حتى الآن من جعل السرير سجلاً لتوثيق تلك المعرفة .. لماذا كان شرطك الوحيد الذي أغلقتِ كافة إمكانيات المناقشة من حوله هو الاستمرار في تمرير الماضي عبر خطابات منزوعة الشبق، ومتوهجة فحسب برومانسية الأبيض، والأسود .. طال الوقت، وصار الأمر سخيفاً، وقضيبي لم يعد يصدق أن قصة الغرام المختلقة هذه ستُنهي تشرده

 هل تذكر يا صديقي رسالتها الأولى .. التي أعطتها لك في يوم لم أحضر فيه للاستماع إلى التمرين .. كدت تصرخ من الفزع، لكنك لم تنطق بكلمة حتى أسرعت بقراءتها في الشارع بعد اجتيازك بيتها بخطوات .. عرفت أن الخطاب لي، وأنك بدءاً من اليوم لن تكون مغنياً فقط بل ستصبح ساعي بريد أيضاً .. الرسالة التي شرحت، وحددت فيها كل شيء بدقة: إدراكها لرغبتي في جسمها .. موافقتها أن تنام معي، ولكن بعد تنفيذ شرطها المجنون الذي لم تحدد مدة لانتهائه .. ضرورة عدم المجيء مرة أخرى لحضور التمرين معك، وأن تظل العلاقة في حدود تبادل الخطابات من خلالك .. أعرف أنك كرهت الغناء، وكرهت العالم بسببنا .. لكن لا تنكر .. هناك جزء في داخلك يستمتع بالفيلم، بتلك المشاركة الجوهرية في أحداثه حتى وإن صارت مثيرة للضجر، ولا تتغير .. أنت مثلي تريد أن تعرف ماذا ستكون النهاية

لم أعد أتذكر كم مرة حضرت فيها .. لكنني أعرف جيداً أنني لم أنقطع بعد المرة الأولى، بل واظبت على المجيء من أجلها .. كل أسبوع كنت أعشّم نفسي بحدوث تقدّم يتجاوز نظرات الرغبة الخاطفة، وتعمّد ارتداء الجلاليب الضيقة، والابتسامات الصغيرة، المبتورة، التي بدت مع تكراراها لا تعني شيئاً مهماً يرضي طموحي .. أستمع لأغاني أم كلثوم من صاحبي على أنغام عُود زوجها الأعمى، وأستمتع بشرحه للتلحين التعبيري عند عبد الوهاب، المتأثر بسيد درويش، وأتمنى لو فهمت وحدها بأنني لست جريئاً بما يكفي للقيام بالمبادرة، وأن عليها أن تنتهز أي فرصة حتى تتجاوب مع عينيّ لو أرادت .. المرة الأولى التي لم أحضرها، ربما نتيجة الإحباط؛ عاد صديقي من التمرين حاملاً خطابها الأول

لو رأيتِ مدى سعادتي الآن لتأكدتِ من أن الفترة الماضية لم تكن بالنسبة لي سوى ظلم، وقهر .. لو عرفتِ قدر فرحي بقراءة رسالتكِ هذه، التي تبلغني كلماتها بأنها الأخيرة، وبأنكِ الآن أصبحتِ جاهزة لتحقيق الحلم الذي انتظرته كثيراً لأدركتِ أن جسمكِ صار أغلى شيء في حياتي .. سأكتب لكِ في خطابي الأخير ترتيبات حضورك إليه .. صدقيني لن ينام من الآن، وسيظل واقفاً حتى تأتي لتأخذيه في حضنك

لا تكتم دموعك يا صاحبي .. الدموع نهاية منطقية لانتهاء عمل ساعي البريد، ونقطة الختام اللائقة بقصص الحب ـ حتى لو كانت مختلقة ـ التي تنتهي بالموت .. ما بالك لو انتهت بحريق لن يُعرف سببه أبداً، حوّل جسد زوجة الملحن الأعمى إلى رماد قبل أن ألمسه .. زوجها الذي لو لم يكن يسجّل برنامجاً إذاعياً في ماسبيرو في نفس الوقت ما اشتعلت النار في بيته .. كتمان الدموع نهاية منطقية أيضاً يا صديقي .. هل توجد قصة حب لا تنتهي بالموت أصلاً .. رفضت استلام رسالتي الأخيرة، وطلبت منك دون كلمة واحدة أن تبلغني بأنها توقفت عن رسم النار.