تبدو مجموعة ( التوت المحروق ) لـ ( إيهاب رضوان ) وكأنها مقاومة متعددة الأشكال لاختراق الحاجز المعتم الذي يفصل بين الوعي، والرؤية ..

الحاجز الذي يمكن تسميته بالواقع، وهو مع حصانته الأزلية، وتمنّعه الغامض لا يحفّز ـ كما تؤمن قصص المجموعة ـ على الهروب، وإنما على المجابهة .. استخدام خيوط قوته لتتبعها مهما صارت رحلة الاقتفاء محكومة بالصدام المتواصل، وحتى لو ظل اليقين باستحالة الوصول إلى الخلاص مستمراً في تثبيت سطوته .. لكن لغة المجموعة يمكن لها أن توفر فكرة ما عن طبيعة تلك المقاومة .. كأنها منتزعة من قاموس محتمل عن المراقبة الطفولية، واستفهامات الذاكرة في بدايات تشكّلها، حيث تتجلى كخطاب متنوع، منزوع الخبرة تم توجيهه نحو تلك المحركات المجهولة التي تدير العالم .. لهذا فهو يرفض بداهة أي هاجس استباقي للفشل .. يعتبر الاستجابة، ووصول الوعي إلى الرؤية قراراً لا يقبل الجدل مهما تعاقبت التأكيدات المضادة .. بالضبط مثلما يعجز الأطفال عن الاعتراف، أو فهم القوانين التي تسيّر الحياة حتى وهم في أشد درجات المعاناة من شرورها .. يجب أن تحقق رغباتهم ـ العادلة ـ بصرف النظر عن أي موانع، أو اعتبارات

في قصة ( التوت المحروق )، المثقلة بالحِمل الأوديبي يتضح تصميم الطفل على المقاومة حتى مع عنف العقاب .. تحرير الأم، وتطهيرها من ( البغل الذي يأكل لحمها ) .. استعادة جسدها الذي حرمته من رؤيته عارياً .. تضليل العفاريت التي تبلل جلبابه .. الانتصار على الأب، وزوجته، والشيخ ( عبد العزيز )، والولد ( سيد ) .. سرقة السكر من البيت لإبقاء العيال أمام الدار طول الليل حتى يمنع لعبهم من دخول الرجل ( البغل ) إلى أمه ..  جمع التوت الذي لم ينتظره العيال، ثم استخدامه لفصل الرجل عن أمه في السرير ليتخذ الأمر مشهداً أقرب إلى الكابوس حينما يفترش التوت السرير، وتسقط لمبة الجاز فوقه لتحترق الحجرة، ويجري الرجل، وتلتهم النيران الأم مع التوت المحروق .. كابوس، أم أمنية لم تتحقق .. لكن ما يجعل من تجاوز الحدوث الفعلي، أو الحلمي للنهاية ضرورة هو ( والله العظيم لم أقصد ذلك ) .. ما يبدو محاولة لنيل المسامحة هو في حقيقته أقرب إلى استدراك الواقع سواء كان مجال تحققه هو الوجود المتعين، أم خيال الطفل .. استمرار المجابهة التي لا يجب أن ينهيها احتراق الأم .. بلوغ النقطة المتوارية البعيدة، التي يمكن العثور داخلها على تفسير لما حدث .. ثم أن أي تفسير قد يفترض بشكل ما تصحيح الماضي .. إعادة خلقه متخلصاً من اللعنات السابقة التي حكمت تفاصيله .. لذا يتجه السعي للغفران من الأم نحو تبني صيغة إيقاف الزمن أكثر من كونها رغبة عظيمة للتبروء من الإثم .. كأننا نسمع طوال الوقت صوتاً يقول لنا: لماذا لا نبدأ من جديد لأن مصيراً آخراً ينتظرنا، ولابد من اتخاذ المسار المناسب لحيازته

تدفعنا قصة ( شهادة وفاة ) لتجربة مقاومة الموت، لكنها على العكس تقترب بطريقة مباشرة نحو تعمّد الهروب .. قذف المريض صورة الأشعة على المخ في الهواء بعد خروجه من عند الطبيب، والتي أطلق عليها ( شهادة وفاته ) حتى يحس أنه عاد حراً طليقاً، وأن اسمه لا يزال مقيداً في سجل الأحياء .. كأنك لا تمتلك لمجابهة الموت أكثر من محاولة يائسة لتفادي تصديقه، حتى ولو كان في ذلك تعبيراً عن استسلام أقوى، وخضوع أشد مرارة .. يتوقع المريض نهاية وشيكة لعمره، ولا يقدر على تحمّل الانتظار للغد كي يسمع حكم الإعدام من طبيبه الخاص .. هنا تصل عتمة الحاجز بين الوعي، والرؤية إلى عتمتها القصوى .. نتعرّف على حصانة الواقع، وتمنّعه الغامض بإذلال لم نكتشفه من قبل .. تنقطع فجأة كافة خيوط الاقتفاء التي كان ينبغي لها أن تقودنا نحو نهاية آمنة .. لدى كل منا الحق في تفحص الدعابة المخيفة، الكامنة في امتزاج الإحساس بالحرية، والشعور باقتراب الموت .. لا أقصد أي حكمة رخيصة امتلكت من العماء ما جعلها تتغنى عبر التاريخ بـ ( سجن المادة ) في الدنيا، و( تحرر الروح ) بعد الموت .. أعني أنه في مقابل الهروب كوسيلة إجبارية وحيدة لمقاومة زائفة للموت؛ فإن الاحتضار يتم تجميله ـ عبثاً ـ بالحرية كمجرد شكل لقيمة لم يكن لها حضور في الحياة من الأساس، فضلاً عن عدم إمكانية تكوين حقيقة ذهنية جازمة عنها

ما الذي بوسعنا إنجازه تجاه مقاومة الغياب .. الشكل الآخر للموت القادم من الآخر هذه المرة .. الذي صار جثة في قبر، وذاكرة متوحدة بالأحياء، تزرع في داخلهم السلطة التي ترتب عالمهم، وتدبر أقدارهم .. كيف تتم مجابهة الفناء المتمثل، والحاضر في وسيط غائب، أكثر حضوراً بما يفوق التصوّر، ولا سبيل مع فقدانه المحكم إلى تتبع خطواته .. تساؤلات تستدعيها قصة ( مكعبات )، وهذا الاستدعاء يقصد ربما اختبار ما الذي يمكن أن يعنيه امتداد الإرث كممارسة لاختراق الحاجز، نحو الرؤية التي ينشدها الوعي .. يفشل الراوي في تكوين صورة الأم التي ماتت لحظة ولادته بواسطة المكعبات .. نعرف أيضاً أن هذا الفشل يتكرر كل ليلة .. نعم يجب أن نسرع الآن بوضع الذنب كعنوان عام، لكن ما سيكون أكثر ملائمةً ـ في تصوري ـ هو تجاوز الذنب إلى الرغبة في قراءة الخلود .. التفاوض مع ظنونه الممكنة طمعاً في إيجاد حل معه لا يكتفي بمعالجة موت الأم عبر إعادة تشكيل صورتها، وإنما يمنح أيضاً ثغرة ما يمكن من خلالها رؤية جانب من يقينٍ مُشبعٍ عن استعادة الابن لأمه في عالم مغاير لا ينتهي .. تتوقف المكعبات هنا عن أن تكون مجرد ممر طفولي، لازمني، تلتقي في رمزيته الأم بابنها، كإسلوب استثنائي في تحدي الموت، أو الانتقام منه؛ بل تتحول المكعبات إلى ممر للالتقاء بالحياة، والموت كوجهين لفراق أبدي .. لم تجمع الابن، والأم دنيا واحدة، وهذا ما جعل الحياة، والموت بالفعل متطابقين .. تحصل قراءة الخلود على الدعم المنطقي كما أرى حينما ينجح طفل الراوي في تكوين صورة الأم .. لا نعثر على تصريح أكيد بذلك سوى ذلك الرد فعل الانفعالي: ( ينقل بصره بين صورة والدته وبين الصورة التي صنعها طفله في ثوان .. يحتضنه وينفجر باكياً ) .. ولم لا .. نجح الطفل في تكوين صورة أم الراوي، ولكن أهمية عدم التصريح الأكيد تكمن في أن الصورة التي تم النجاح في تكوينها هي أكثر شمولاً، واتساعاً من صورة أم .. صورة الخلود التي ظل الراوي يفشل في الاهتداء إليها .. مهما كانت هذه الصورة مجرد وعد ليس هناك دليل على أنه بالإمكان الوفاء به .. مهما كانت ترسيخاً تقليدياً للإيمان المعتاد بالإرث الذي يحافظ على امتداد الأصل .. هذا ما نعرفه عن الطموح .. أوهامنا تجاه الخروج من الغفلة.