لقد نص دستور 2011 في الفقرة الاولى من المادة 27 من الباب الثاني الخاص بالحقوق والحريات على أن الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام يعد حق من حقوق المواطنين والمواطنات في مغرب اليوم وهو ما يبدو على مستوى المبدأ استجابة لمطلب الحركات الحقوقية والديمقراطية التي ترافعت بشان إقراره منذ سنوات ,وعلى هذا الأساس أعدت الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة مشروع قانون رقم 31,13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات في اطار لجنة مشتركة ضمت إلى جانبها كل من وزارة الاتصال والداخلية وإدارة الدفاع الوطني والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة كما جاء ذلك في المخطط التشريعي للحكومة الحالية الذي برمج إمكانية خروجه خلال هذه السنة وهو مشروع قانون يأتي في سياق الشروع في تفعيل المقتضيات الدستورية الجديدة وملء البياضات المتواجدة به واستكمال معانيه والى جانب اعتماد المرجعية الدستورية في إخراجه فانه يستند على المرجعية الكونية من باب التزام الحكومة بما صادق عليه المغرب من معاهدات ومواثيق دولية وخاصة المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فضلا عن المادة 10 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كما تشير إلى ذلك ديباجة هذا النص كما أن من بواعث إنتاج هذا النص / المشروع حسب المذكرة التقديمية له هو الإسهام في ترسيخ الديمقراطية التشاركية قيما وممارسة من اجل مراقبة عمل الإدارة واتخاذ القرار كما أن من شان هذا النص أن يمثل دعامة لجدب الاستثمار الأجنبي و تعزيز الثقة في علاقة الإدارة بالمترفقين .
هذا المشروع ,الذي تتوزع مضامينه على 8 أبواب إلى جانب ديباجة و تضم 40 مادة, يدخل ضمن منظومة النصوص القانونية العرضانية في إنتاجها حيث تم تحت إشراف لجنة مختلطة ضمت أطراف متعددة كما سبق الإشارة إلى ذلك أنفا إلا أن المسجل هو غياب قطاعات وزارية وهيئات وطنية أخرى خلال مرحلة إعداد هذا المشروع تعنى هي الأخرى بهذا الموضوع من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان كما تشير إلى ذلك المادة 161 من الدستور المغربي رغم انه اقترح عضويته داخل للجنة الوطنية لضمان حق الحصول على المعلومات المنصوص عليه في المادة 24 من الباب السادس من هذا المشروع وايضا مؤسسة الوسيط وفق منطوق المادة 162 من نفس الدستور التي لم يقترح عضويته داخل اللجنة الوطنية كذلك هذا فضلا عن تغييب الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني و الوزارة المنتدبة المكلفة بحقوق الإنسان وهي ملاحظات تسجل نواقص شابت مسلسل هذا المشروع على مستوى مرحلة الإعداد والبلورة باعتبارها من المراحل الأساسية في مسار إنتاج النصوص القانونية أما على مستوى مضمون هذا المشروع فان المتأمل لبنوده ستوقفه جملة من الملاحظات منذ الوهلة الاولى من شانها ان تقزم من قيمة الحق في الحصول على المعلومات الذي شكل مطلبا مجتمعيا وديمقراطيا عمل على دسترته وهكذا نجد على مستوى المادة الاولى منه الاقتصار على تحديد معنى 4 مصطلحات قانونية واردة فيه بالمقابل تغافل المشرفون على إعداده أخرى في حاجة الى تدقيق بالنظر لحساسيتها والتأويلات المتعددة التي يمكن ان تحملها تبعا للمرجعيات والهواجس كمصطلحات المصلحة العامة و الأمن الداخلي والمواطنة الملتزمة الواردة في ثنايا هذا النص و على مستوى نفس المادة يلاحظ غموض يلف تحديد معنى الشخص المكلف بتلقي طلبات الحصول على المعلومات وتسليمها فتارة هو شخص مكلف موظف او مستخدم وتارة هو نفسه رئيس الهيئة المعنية بالطلب دون ان يحدد هذا المشروع الدوافع التي يمكن ان تمنع من تعيين شخص مكلف بهذه المهمة بدلا عن رئيس الهيئة المعنية بتقديم المعلومات مما قد يفتح الباب على مصراعيه أمام رؤساء الهيئات المعنية للبيروقراطية والاستبداد بهذه المهمة والتلكؤ في تعيين شخص لهذه المسؤولية ومدى استقلاليته حتى عند التعيين وهو ما قد لايحقق المغزى من التنصيص على هذا الحق والتمتع به , وبخلاف هذه المادة التي تفيد التخيير فان المادة 5 تفيد الوجوب في تعيين مكلف او مكلفين بهذه الخدمة / المسؤولية وهذا مؤشر يبعث على الارتجاج الذي يشوب فصول هذا المشروع.
أما قراءة المادة 6 من هذا المشروع والتي تحصر الحالات الخمس لتعليل رفض طلب الحصول على المعلومات فان مضمون الحالة الرابعة تثير الاستفهام حيث صعوبة تحديد معنى عبارة ” الطلبات المبالغ فيها ” إذ من يحق له سلطة تقدير هذه المبالغة ؟ كما يمكن أن تشكل ذريعة لحرمان المواطنين والهيئات من التمتع بهذا الحق. كما أن الإمعان في مضامين هذا المشروع تدعو إلى الوقوف على ملاحظات أخرى كعبارة” اذا كان الطلب يحتاج الى استشارة الغير قبل تسليم المعلومات المطلوبة ” الواردة في المادة 13 حيث ما الحاجة الى استشارة الغير في منح معلومة مادامت لا تدخل لا في الحالات الموجبة لرفض الطلب ولا في حالات الاستثناء المحددة داخل المادة 19 ثم ما المقصود بلفظة “الغير” مادمنا نتحدث عن مرفق عام كما ان مضمون هذه المادة يخالف ماجاءت به المادة 1 و 5 التي تعطي كل صلاحيات التصرف للشخص المعين في تلبية الطلبات وتدبيرها.
أما المادة 15 فان ضبابية مضمونها قد يجعل من الاستثناء قاعدة ويصبح الحق في الحصول على المعلومات خدمة يؤدى عنها بدل حق مضمون للجميع وسلاح يشهر في وجه كل غير مرغوب في منحه المعلومات كما ان المادة 17 تتضمن إشكال يتمثل في كيفية التشكي لشخص هو موضوع الشكاية مادامت إمكانية إعطاء مسؤولية تلبية طلب حق الحصول على المعلومات يمكن ان يكون هو نفسه رئيس للهيئة المعنية كما تفيد بذلك المادة 1 إلى جانب ان هذه المادة -17- تطرح مشكل طول مدة المعالجة التي قد تكون باعث على التعسف في التمتع بهذا الحق وعائق أمام الموطن-ة للولوج اليه.
منحى التقزيم والتحجيم والتضييق للحق في الحصول على المعلومات يعضضه أيضا مضمون المادة 19 من هذا المشروع الخاص بالاستثناءات حيث يشكل قراءة تعسفية للمادة 27 من الدستور ويفرغها من بعدها الليبرالي كما تقر بذلك القراءة المتفائلة لهذه المادة الدستورية حيث يدخل مشروع 31,13 ضمن خانة استثناءات الحق في الحق الحصول على المعلومات ما اسماه المعدون للمشروع بالمعلومات التي يؤدي الكشف عنها إلحاق ضرر ب “سياسة عمومية قيد الإعداد والتي لا تتطلب استشارة المواطنين ” وهنا يطرح السؤال حول إمكانية إعداد سياسة عمومية موجهة للمواطن والهيئات الممثل له دون الحاجة إلى استشارته ومشاركته في بلورتها مهم كانت المرحلة كما يطرح السؤال حول تناغم ما جاءت به ديباجة هذا المشروع أيضا من تعزيز للمسلسل الديمقراطية التشاركية والشفافية وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة وما يقال عن مضمون الدستور من توسيع الحق في المشاركة والملاحظات و الاستفهامات ذاتها تطرح بشان إدارج المعلومات المرتبطة ب “تدبير السياسة النقدية والاقتصادية والمالية ” ضمن المعلومات المستثنات من الطلب باعتبار الكشف عنها سيلحق ضرر وكذلك ما جاءت به المادة 20 حول المعلومات المطلوب الحفاظ على سريتها بطلب من الغير
وبشان الملاحظات التي يمكن الخروج بها على مستوى قراءة مضامين باب العقوبات فان مضمون المادة 35 قد تكون منغصا على عمل الشخص الموكول اليه تلبية الطلبات الخاصة بالحصول على المعلومات اذ يفضل الشخص المعني عدم التعاطي مع الطلبات والتي تبقى عقوباته اقل حدة كما هي مبينة في المادة 33 بدلا عن المتابعة الجنائية التي تقره المادة 35 بل إن مضمون المادة 39 ,تفتح وتشجع على عدم التجاوب مع طلبات الحصول على المعلومات , التي تقر بعدم جواز متابعة الشخص المكلف لا قضائيا ولا تأديبيا بسبب امتناعه بحسن نية عن تسليم معلومات مخول الحصول عليها بموجب القانون وهنا مرة أخرى يطرح الغموض بمعنى عبارة “حسن نية” حيث كيف يمكن معيرته في هذه الحالة وفتح الباب على مصراعيه للتستر بحسن النية في الامتناع عن تمتيع المواطن-ة بحقه في الولوج إلى المعلومات .
والى جانب الملاحظات المسجلة على مضامين عدد من المواد السالفة الذكر فان الملاحظ كذلك هو عدم التنصيص داخل ثنايا هذا المشروع على مصير المواطن او الهيئة المستغلة لمعلومات قدمت مغلوطة او مضللة وكان لها اثر تجاه مؤسسات او أفراد علما إن المادة 3 أعطت حق” إعادة استعمال المعلومات التي تم نشرها او تسليمها من طرف الهيئات المعنية ” و اقترحت معاقبة الشخص المكلف المضلل بالتغريم.
انطلاقا مما سلف من ملاحظات فان المستنتج هو أن إنتاج هذا المشروع حكمه هاجس يدفع في اتجاه التضييق على الولوج إلى حق الحصول على المعلومات وهو ما افرغ جوهر المادة 27 من مضمونها الحقيقي ومس المغزى من التنصيص على هذا الحق بالدستور المغربي الحالي كما أن من شان تقويض التمتع بهذا الحق الذي توحي به بنود هذا المشروع أن يكون له الأثر السلبي على الولوج إلى حقوق أخرى على اعتبار ان الولوج إلى الحق في الحصول على المعلومات ليس هدفا في حد ذاته بل وسيلة للولوج إلى مستويات أخرى من الحقوق ومن أهمها حق المشاركة في التنمية والمساهمة في اتخاذ القرار واللذين لا يستقيمان إلا بالحصول على المعلومة .
إن المستخلص إذن هو أن المنطق الذي اعد به مشروع قانون 31,13 يبدو انه قائم على أن الحق في الحصول على المعلومات استثناء وان القاعدة هي المنع والحرمان من الحصول وهو منطق مخالف للصوت المدني و الحقوقي والديمقراطي بالمغرب.
*فاعل حقوقي من المغرب ” عضو بالهيئة المغربية لحقوق الانسان “