لا أستطيع أن أطلق على ما حدث اليوم أنه أكثر الأمور الغريبة التي واجهتها في حياتي؛ بل ينبغي عليّ القول أنه نزع ـ بلا ألم ودون نقطة دماء واحدة ـ هيبة الغرابة عن كل ما اعتبرته حدثا مستحقا للتعجب والاندهاش ..

خلال لحظات قليلة بدت متلاحقة رغم تباعدها؛ كافة المواقف المبهمة التي عشتها في الماضي، بل والغموض الذي جرّبه الآخرون أحيانا وأتيح لي معرفة حكاياته أو الاقتراب منها بحذر؛ صار كل ذلك الركام مجرد تفاصيل عادية، مملة، جديرة بحياة مستوعبة رغم كل شيء .. اليوم تعطّل العالم الذي كان دائما يفسد مفاجآته بإخفاء ساذج لإمكانيات تفسير يسهل كشفها، أو لقابلية فهم سيُعثر عليها رغم العتمة الحصينة التي نلعب داخلها .. لم أكن أعرف عندما استيقظت بعد ظهر اليوم، واكتشفت عدم وجود زوجتي وطفلتي في البيت أن الزمن الذي يتواطئ فيه الوهم والغفلة لحل مشكلاتنا مع المجهول، وتأدية وظيفة اليقين اللازم للاستمرار في دفع الحياة لأسفل قد انتهى وبدأ زمن آخر .. قالت في التليفون أنها لن تعود بعدما عرفت إلى أي مدى تبلغ كراهيتي لها، وأن ما يجبرني على تحمل العيش معها هي ابنتي.

لم يحدث شيء بيننا أمس .. حتى دخولنا السرير ظل كل منا كاتما جحيمه داخل معدة فأر ميت مكوّم تحت أنقاض مدينة غارقة .. لم نتشاجر ولم نضحك ولم نجرب إنقاذ طفولتنا بممارسة الجنس .. قالت أنها عرفت فقط، ورفضت أن تبلغني بمصدر تلك المعرفة .. أغلقت الهاتف في وجهها بعد صرخات تقليدية، مهددة بعقابها على أخذ طفلتي .. كيف لا أكرهها .. لو كانت أجمل امرأة في الكون، وتعوّدت سنوات طويلة أن تعذبك بناء على حلم أو كابوس، أو وفقا لخاطر ظل يؤرقها طوال الليل أو نامت واستيقظت وهو لا يزال يأكل رأسها؛ فإن أفضل لحظات عمرك تلك التي ستتخيل فيها حياتك بعد قتلها .. نوبة جديدة معتادة يتكرر فيها كل شيء بدقة إعجازية: تنشغل فجأة وعلى نحو أكثر حدة بالأمنيات الخبيثة للمراهقة التي لم تتجسد في الواقع، مستعيدة مشاهد وانفعالات منتقاة من الماضي لتفوز في النهاية بالنتيجة المؤهلة لكسر الملل .. الابتعاد عن البيت والصراخ في التليفون ثم الشجار بعد أيام من إدعاء القدرة على عدم العودة استعدادا لتنفيذ الخطوات الشكلية لرجوعها .. عتاب متبادل يتعمد كل مرة الإخفاء أكثر بكثير مما يرغب في المصارحة .. التخلي عن ثبات الموقف بتدرج وتجهم للحفاظ الكوميدي على الكرامة .. كلمات قصيرة، مقتضبة بالحياد المائع الضروري لاسترداد مكانينا في معدة الفأر الميت.

فتحت الفيس بوك .. وجدت صفحة ساخرة أنشأها البعض، وأطلقوا من خلالها حملة لإعطائي أكبر كم من ( اللايك ) على أي شيء أكتبه أو أنشره .. ( علمنا أنه حزين وغاضب للغاية لأنه لا يحصل سوى على ” لايكات ” قليلة جدا ونادرة .. أنه يتألم بشدة لأن ” نجوم الفيس بوك ” بحسب تعبيره لا يقدرون على ملاحقة ” اللايكات ” التي تتدفق وتنهمر عليهم مهما كان ما كتبوه أو نشروه عاديا أو تافها أو ثقيل الدم .. نحن مجموعة من المتطوعين الرحماء الذين لا يرضينا أن يتعذب أخ لنا دون أن نمد له أيدي الشفقة والعون .. أطلقنا هذه الحملة وكلنا أمل في الاستجابة .. لا تبخل باللايك على أخيك المسكين ).

عندما أغلقت صفحة الفيس بوك أمس قبل دقائق قليلة من نومي لم يكن هناك شيء .. انتبهت لتكرار نفس الكلمات التي استخدمتها في التفكير والبحث عن سبب لما فعلته زوجتي هذا الصباح .. لم التقط من قريب أو بعيد أي إشارة تُظهر توقعاً لذلك الجدار الصلب الذي برز فجأة من الفراغ كي يتسبب ارتطامي العنيف به في تكسير عظامي كلها .. من أين علموا .. معلومتهم صحيحة مثلما كانت معلومة زوجتي عن كراهيتي لها صحيحة أيضا .. كيف نجحوا في الوصول إلى ذلك التعبير الذي أستخدمه فقط في الملاحظات الشخصية التي أدوّنها: ( نجوم الفيس بوك ) .. طبيعتي الهشة، المهيأة طوال الوقت للخضوع إلى أي فزع طاريء بدأت في تحفيز جسدي على الاستسلام لأعراضه: دوخة، ضيق في التنفس، دقات قلب سريعة .. لهجة زوجتي وهي تؤكد تصميمها على عدم العودة .. التزايد اللحظي المستمر ببشاعة لأعداد المشتركين في الصفحة الساخرة، والجروح التي تتناسل بفضل تعليقاتهم .. الرسائل واللايكات استمتاعا بالحفل الذي جاء كفرصة ينبغي أن يتحالف الظرفاء المتعبون لإنجاحها .. كل ما تصورته غير قابل للفهم منذ لحظة ميلادي بدأ ينزف، يمعن في الشحوب والتهاوي احتراما وتبجيلا لما يفترسني اليوم بتعاقب جليدي.

سمعت فجأة أطفال المدرسة المجاورة لبيتي يغنون أغنيتهم اليومية التي أكرهها .. هذه المرة سقط في صدري ثقل غير طبيعي، مضغوطا بتصميم مريب في حناجرهم .. شعرت أنهم لا يمرون فحسب ككل يوم بعد خروجهم من المدرسة .. وقفت في الشباك .. رأيتهم واقفين كأنهم في رحلة متخمة بالشغف، وينظرون لأعلي باتجاهي .. توقف الغناء بسبب الضحك العاصف الذي تسبب فيه ظهوري ثم عاد متحولا إلى هتاف حربي لضمان حرق الأغنية لكل حيز تحت جلدي.

رن جرس الباب .. جاري في الشقة السفلية تغيرت ملامحه الطيبة إلى ملامح ممثل في فيلم رعب .. قال أنه كان يظنني رجلا محترما، ولكن بعدما عرف تفكيري في زوجته فإن عليه تحذيري من توجيه كلمة أو نظرة إليها على السلالم حتى تنتهي مدة الإيجار ويهرب بها بعيدا عن الشيطان.

رن التليفون .. صديقي بصوت يدّعي الحزن، يعتذر لي بسخرية لأنه لم يكن يعرف أنني أعيش كل هذه المعاناة التي يسببها عدم قدرتي على مواجهة الدعابات المتهكمة بردود فورية، ذكية وأشد عنفا .. قال والضحك يقطّع قلبه أن عليّ الاطمئنان، لأنه يعدني ـ وبمنتهى الإخلاص ـ بعدم توجيه أي انتقاد ساخر لي بعد الآن .. طبعا لم يكن يقصد أي كلمة .. لم أرد على صديقي وأغلفت الهاتف، مثلما لم أرد على جاري وأغلقت الباب دون أن أسأل .. لن يجيبني أحد كيف عرف .. إذا كانت المتاهة البديعة قد بدأت بهذا الشكل فلا ينبغي لها أن تنتهي سريعا وبطريقة سهلة .. يجب أن أظل صامتا وعاريا تماما أمام أبواب السعادة التي فُتحت من حولي.

في هذه اللحظة انتحرت جميع القصص الملغزة التي رضخت لحلول أو تلك التي لا زالت تقاومها حتى الآن .. تلاشت رتابة الدنيا ووضوحها الغبي، وبدأت دنيا جديدة غريبة بحق .. الغرابة التي توقف الزمن وتبدّل الكائنات وتحرم العالم من طبيعته المألوفة وتعطيه لعنة جديدة، مغايرة تماما.

مثلما عرفت زوجتي كراهيتي لها، وعرف مشتركو الفيس بوك حزني من قلة وندرة اللايكات التي أحصل عليها مقارنة بنجومه، عرف أيضا أطفال المدرسة المجاورة أن الأغنية التي تعوّدوا غناءها بعد خروجهم تغضبني، وعرف جاري أنني أحب جسد زوجته، وعرف صديقي أن عجزي عن الرد الفوري على الدعابات المتهكمة يؤلمني بقوة .. كأن شخصا فتح خزانة أسراري في الخفاء، وأخذ وقته كاملا في الاطلاع على محتوياتها ثم بمنتهى الهدوء والإتقان قام بتوزيعها على كل من يهمه الأمر .. شخص يمكنه الاستمتاع بتخيلي الآن مثبتا، ومقيدا وسط حصار من أذى متنوع سيواصل تجلياته الفاتنة .. لا زالت هناك أسرار لم تصلني نتائج كشفها بعد، وربما يضحك في هذه اللحظة كما لم يضحك أحد من قبل وهو يفكر في ترقبي الرائع لها.

لم يكن من العسير حصر مخابيء الملاحظات المفضوحة؛ فهي مدونة في دفتر صغير داخل درج مغلق بالمفتاح، لا يمكن أن تمتد إليه يد أحد حتى زوجتي .. لو فُرض؛ فإنها لا تعرف شيئا عن الفيس بوك، ولن تقود معركة أطفال المدرسة ضدي، ولن تتحدث مع جاري عن مشاعري تجاه جسد زوجته، كما أنها لن تتصل بصديقي وتبلغه بمعلومة لا تهمها بل ولن تفهمها أصلا .. توجد أيضا نسخة مخفية على اللاب توب ومحمية بكلمة سر غير مكتوبة في أي مكان .. لو فُرض أن أحدا تمكن من الوصول إليها عبر برنامج تجسس أو ما شابه فإنه لا يعرف أرقام تليفونات زوجتي وجاري وصديقي ولا يعرف أي مدرسة أكره غناء أطفالها ..  لكن بعد تفكير تذكرت ما سيمثل خيطا يمكن تتبعه للخروج من حفرة الأعاجيب التي أُغلقت عليّ اليوم .. نسخة ثالثة كانت محفوظة في موبايل قديم اضطررت لبيعه منذ أسبوع .. تذكرت أنني تكاسلت عن مسح ما عليه من أرقام ورسائل وملاحظات، وما أعطى كسلي دعما عدم توقعي لأي استفادة يمكن أن يكسبها من يصل إليه الموبايل من أرقام لا يعرف أصحابها، ورسائل عادية ليس فيها ما يثير الاهتمام، وملاحظات سيحرص على التخلص منها فورا تحت وطأة الغيظ من الفشل في استيعابها .. لكنني تذكرت أيضا أنني طلبت من صاحب محل الموبايلات أن يمسح ما عليه قبل بيعه لأي زبون كإجراء وقائي يجب أن يخرج من بين شفتي دون سند من اهتمام فعلي بتنفيذه.

أصبح لدي ترتيب منطقي من الاحتمالات النشطة لشرح روعة حياتي الجديدة .. حتما لم أتوقف ثانية واحدة عن التوسل لها كي تختفي: لم يهتم صاحب محل الموبايلات بمسح الأرقام والرسائل والملاحظات .. باع الموبايل لشخص عرف كل شيء .. أرسل رسالة لزوجتي صباح اليوم، أو اتصل بها وقرأ ما كتبته عن كراهيتي لها .. دخل على قائمة أصدقائي على الفيس بوك بعد التعرف عليها من صفحات الانترنت المحفوظة مثلا، وأرسل لكل واحد فيها نص المكتوب في الموبايل عن حزني تجاه قلة وندرة اللايكات .. وقف عند باب المدرسة ـ ربما توصل إليها بعد حيلة ما أو تتبع غاية في الدقة أو بواسطة اتصاله بأرقام عشوائية .. ربما ادعى أنه عثر على الموبايل ويريد بيانات صاحبه ليعيده إليه .. دلّه أصحاب الأرقام على عنواني ثم أبلغ الأطفال عن غضبي من أغنيتهم، وحرّضهم على غناءها بقوة تحت شباكي .. اتصل بجاري وأبلغه عن هوسي بجسد زوجته، وكذلك فعل مع صديقي وقرأ له ما كتبته عن آلام عدم قدرتي على الرد على الدعابات المتهكمة .. كانت بين يديه كل الذخيرة المطلوبة: الأسرار، وأسماء الأشخاص الذين تتعلق بهم، وأرقام التليفونات التي بواسطتها سيمررها إليهم.  

لكن من يكلف نفسه بذل كل هذا الجهد، وتخصيص وقت من عمره لاتخاذ القرار ووضع الخطة وتنفيذها بإرادة حاسمة إلى هذه الدرجة لابد أن يكون شخصا يعرفني .. أو أن أنه لا يعرفني ولكنه ـ لسوء حظي الساحر ـ يمضي حياته في انتظار هدايا كهذه لينتقم حتى ممن لا يعرفهم .. في جميع الأحوال كان لابد أن أخرج لأذهب إلى صاحب محل الموبايلات .. فكرت أنني لو كنت أمتلك أدوات وملابس تنكرية لاستعملتها قبل نزولي حتى لا يعرفني أحد .. لماذا لا يكون صاحب محل الموبايلات نفسه هو من فعل هذا؟.

” مات منذ إسبوع ” …

أصريت أن أعرف اليوم بالضبط من صاحب المحل المجاور له .. كان نفس اليوم الذي بعت له الموبايل فيه .. أصريت أيضا أن أعرف الوقت .. كانت نفس الساعة التي كنت فيها عنده .. بحسب المعلومات التي توفرت لي فإنه مات داخل المحل بشكل مفاجيء .. ربما وأنا على بعد خطوات بعدما تركته .. ليس هو إذن، كما أنه من الواضح عدم وجود زمن كاف يسمح له ببيع الموبايل .. هل أخذه شخص ما من المحل ساعة الموت أو بعدها أم أنه أعطاه لواحد من أصدقاءه أو جيرانه في الشارع أو حتى من أسرته تصادف وجوده قريبا في اللحظات القليلة الخاطفة، الفاصلة بين شراءه الموبايل مني وموته .. تحولت الحقيقة ـ بعدما اقتربت من التشكل كزهرة في اليد ـ إلى ظل غائم، يتفكك ويبعد بغلظة وعماء.

رجعت البيت .. كل الظروف والعوامل مناسبة تماما لأن تتخيل ـ كما تعوّدت في ذروة الاختناقات وعند التورط في مآزق محكمة  ـ السيناريوهات الممكنة لهروبك .. ماذا سيحدث لو أخذت أقل ما يلزمك، وتركت كل شيء وراءك دون أن تخبر أحدا؟ .. كيف سيمكنك أن تبدأ حياة جديدة في مكان بعيد، وهل ستجبرك ـ لو استطعت أن تعيشها ـ على الشك في أنك قمت بالتصرف الصحيح؟.

لم أكن أبحث عن شيء حينما أمسكت بالمفتاح الصغير ثم بتلقائية متماسكة فتحت درج المكتب الذي كنت أحتفظ داخله بالموبايل القديم قبل بيعه .. وجدت الموبايل .. راقدا في سكينة بينما استيقظت كل الأرقام والرسائل والملاحظات التي لا تزال بداخله حين فتحته .. كيف يتسق وجوده مع تأكدي من بيعه للرجل الذي كنت أقف أمام محله منذ قليل وعرفت أنه مات؟! .. نظرت إلى شاشة اللاب توب .. كانت صفحة الحملة الساخرة لازالت مفتوحة وتواصل رواجها الهيستيري .. لم يجد القائمون على إدراتها صورة مناسبة لها أفضل من تلك الصورة التي نشروها حالا .. صورتي وأنا أكتب جرافيتي على أحد حوائط المدينة .. لم يكن مهما أن أدقق في الصورة لأعرف ما الذي كنت أكتبه.