مماسبق وكتبناه فى الحلقتين السابقتين نرى كيف رفض محمد بن عبدالوهاب ان يكون صاحب مذهب لينضم الى المذاهب الاربعة المعروفة ويترك للناس حرية الاختيار بينهم كما جرت العادة دون تكفير ، ولكنه اصر انه حامل الحقيقة المطلقة والذى يحمل صحيح الاسلام ومن لايتعبه يكون كافرا ويستحق القتال فنراه يقول فى استعلاء (فمن زعم من علماء “العارض” أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معني الإسلام قبل هذا الوقت أو زعم عن مشايخه ان أحد عرف ذلك ، فقد كذب ، وافتري ، ولبس علي الناس ، ومدح نفسه بما ليس فيه ) وعلماء العارض الذى يقصدهم هم علماء نجد .
وبعد التكفير تاتى المرحلة الثانية لنشر الدعوة الا وهى الجهاد ( وقد مهد الشيخ للجهاد بالهجرة ، هجرته هو الى آل سعود ، ثم دعوته المؤمنين بالهجرة اليه فى الدرعية ….. حيث اقام او معسكر حركى او مجتمع جديد لايرتبط الا بالحركة ، ويعيش للحركة ، وعلى نفقة الحركة ) ولما لم تكن هنك موارد للحركة داخل امارة بن سعود الفقيرة اصلا ، فلتبدأ الغزوات
وحتى يكتسب مزيدا من الانصار نراه يضع العامة العامة فى تناقض مع قياداتهم ، بجر هذه القيادات الى معارك استطاع بها ان يشكك العامة فى صوابيتهم ، ووضع نفسه وحركته فوق كل القيادات المعاصرة ، باعلان انه وحده وحركته ، يمتلكان المعرفة والصوابية ، والزم هذه القيادات بالاعتراف بخطأ ممارساتها وصدق مايدعو اليه . وان الدعوة تستهدف صلاح الدنيا ، ان صلاح الدنيا بالدين هو المدخل لصلاح الاخرة ، فدعوته للايمان بمايطرحه من تفسير ، كان تعنى الاصطدام بالوضع القائم . والاسلام هو “التوحيد والجهاد ” ، ولذلك كان الحديث منذ اللحظة الاولى عن ” الفتـــــــح والغنيمــــــــة ”
ففى الوقت الذى عرفت فيه مصر ان صلاح الدنيا هو العلم والتنوير بعد ان رات ماوصل اليه الغرب من تقدم مع الحملة الفرنسية وجاءت بمحمد على الذى بدأ ببناء مصر الحديثة بارسال البعثات الى الغرب لتلقى العلم وانشأ اول جيش وطنى واقام المدارس والجامعات والمستشفيات وقام بشق الطرق وبناء السدود لتتم ولاول مرة زراعه ارض مصر مرتين فى العام معتمدا على السدود والترع التى اقامها نرى على الجانب الاخر من البحر الاحمر بن سعود وبن عبدالوهاب يجهزان للغزو و الغنيمة بعد مرحلة التكفير وبداية الغزوات ، وبعد عدد من الغزوات على قبائل وامرات نجد الصغير وضمها تحت لواء امارته تبدا الغزوات الكبرى شمالا الى العراق وشرقا الى الحجاز
غزوة كربلاء :
من مؤرخ تلك الفترة عثمان بن بشر ننقل حرفيا اولى الغزوات على الشيعه فى العراق ( ثم دخلت السنة السادسة عشر بعد المائتين والالف هـ – 1801 – 1802 م- وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وبواديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك ، وقصدوا ارض كربلاء ، ونازل اهل بلد الحسين ، وذلك فى ذى القعدة فحشد عليها المسلمون ، وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة ، وقتلوا غالب اهلها فى الاسواق والبيوت ، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين ، واخذوا مافى القبة وماحولها ، واخذوا النصيبة التى وضعوها على القبروكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر ، واخذوا جميع ماوجدوا فى البلد من الاموال والسلاح واللبس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ممايعجز عنه الحصر ، ولم يلبثوا فيها الا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الاموال ، وقتل من اهلها قريب الفى رجل ، ثم ان سعودا ارتحل منها على الماء المعروف بالابيض فجمع الغنائم ، وعزل اخماسه، وقسم باقيها على المسلمين غنيمة للرجل سهم ، وللفارس سهمان ، ثم ارتحل قافلا الى وطنه )
فتح مكة
وكما يقول ابن سعود ( ان اهل الاحساء رافضه ادخلناهم فى الاسلام بالسيف ، فقد اعترف بنفسه ايضا ان الاشراف فى مكة مشركين ، واشترط اسلامهم ، وهو نفس رأيه فى امير المؤمنين وخليفة المسلمين السلطان السنى ، نجده فى العام 1807 يحشد كل قواه ( خمسة واربعيون الف مجاهد – ..!! – من جيشه الى مكة فى ثياب الاحرام ، بينما اختفى شريف مكة ، ولزم الجند وحرس المدينة قلاعهم يرتعدون فوق اكداس الذخيرة عاجزين عن استخدامها والمجاهدين الحجاج – الوهابيين – يزحفون الى داخل مكة ، وكانت مقتلة اهل الطائف ” السنة ” مقتلة لها شهرة تفوق مقتلة كربلاء ( تم وفقا للمفاهيم الوهابية تماما كما انتهبت اموال القبه النبوية ذاتها – وقد استند سعود فى ذلك الى فى ذلك الى فلسفة التوحيد الاسلامية ، وقد نقل محمد بن عبدالوهاب عن شيخه ابن القيم ان المال الذى يرصد فى القبور هو مال ضائع ، فبصرف فى صالح المسلمين ) معتبرا ان مايجوز على قبور المسلمين يجوز على القبة النبوية …..!!!!
ودخل أتباع الشيخ مكة وأرادوا أن يخلصوا الدين من البدع معتقدين انها من الشرك بالله ويتنافى مع دعوة التوحيد كما افهمهم محمد بن عبدالوهاب ، فهدموا كثيراً من القباب الأثرية في مكة كقبة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وقبة مولد أبي بكر وعلي. وفي المدينة رفعوا بعض الحلي والزينة الموضوعة على قبر الرسول مما أثار غضب كثير من الناس وبرر غضبهم رغبة من هؤلاء الناس في الحفاظ على معالم التاريخ ولأن قبر الرسول رمز العاطفة الدينية ، ولم يهتم أتباع محمد بن عبد الوهاب بذلك بل اهتموا بعقيدتهم وإزالة ما اعتقدوا انه من البدع ويتنافى مع دعوة التوحيد .
بالاستيلاء على مكه ( فتح الفتوح ) واشاعة الرعب فى قبائل الجزيرة ، يصل التضخم وغرور القوة الى منتهاه ، فطبقا للمفاهيم الوهابيه الصحراوية العنيفة الجافة يتم منع المجى بالمحمل مع حجاج مصر والشام ، فعلى نمط ( من محمد رسول الله الى المقوقس عظيم القبط ) نجد نفس الرسالة الى الخليفة العثمانى : ( من سعود الى سليم .. اما بعد ” فقد دخلت مكة فى الرابع من محرم سنة 1218 هـ وأمنت اهلها اهلها على ارواحهم واموالهم ، بعد ان هدمت ماهناك من اشباه الوثنية ، والغيت الضرائب الا ماكان منها حقا ، وثبت القاضى الذى وليته انت طبقا للبشرع ، فعليك ان تمنع والى دمشق ووالى القاهرة من المجئ بالمحمل والطبول والزمور الى هذا البلد المقدس ، فان ذلك ليس من الدين فى شئ . وعليك رحمة الله وبركاته ) بل ان غرور القوه جعلة يمنع الثافلة التى تحمل والدة الخليفة العثمانى من اداء مناسك الحج
وكان ماكان مما يعرفه التاريخ …. صدرت الأوامر من السلطان العثماني لواليه علي مصر محمد علي ( وقتذاك ) بإرسال الجيش المصري لقمع ” الحركة الوهابية “. وأنتهت الدولة السعودية الأولى إلي الفشل والهزيمة – وسبق بعض أمرائهم وشيوخهم إلي سجن القلعة، وفر الباقين إلي الإمارات المحيطة .
ويذكر لنا المؤرخ المصرى الجبرتى الذى عايش تلك الفترة : إن المصريين خرجوا إلي سجن القلعة ليلا للتبرك بهم ؟؟ فهذا حال المصريين مع كل قادم من جزيرة العرب بصفتها الارض المقدسة والشعب المقدس ، وهذا بالضبط كان حجر الاساس فى انتشار الوهابية بأرض المحروسة فيما بعد
هذه هى الوهابية في جذورها الأولى مع الدولة السعودية الاولى .. وبعدها عاد بعض الأمراء من منافيهم ، وحاولوا إقامة الدولة السعودية الثانية ، ولكنهم تقاتلوا علي الإمارة الصغيرة حتى سلموا الرياض “عاصمتهم” إلي “بن رشيد” حاكم إمارة حائل في الشمال الذي كان أحد الأمراء التابعين لهم، وتبني ابن رشيد الوهابية ولكن بدون الصخب الذي أدي إلي هزيمتهم من قبل. (وبدأت هجرة عبد الرحمن بن تركى آل سعود) وأولاده وفي مقدمتهم عبد العزيز أل سعود الى الكويت .. واسدل الستار عن الدولة السعودية الثانية
ومع مطلع القرن العشرين يعود عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن تركى آل سعود ليؤسس الدولة السعودية الثالثة التى يتوارثها ابناءه حتى اليوم متحالفا مع احفاد محمد بن عبدالوهاب متبنيا نفس الافكار ومتبعا نفس منهج التكفير ومعلنا الجهاد على قبائل نجد المشركة وهو ماسنتعرض له فى الحلقة القادمة