معذرة أنت لم تقرأ هذه العبارة بصورة خاطئة فقد كان للتحرُش زمناً جميلاً من قبل – من قبل أن يتحول هذا المُجتمع إلى مُجتمع حيواني بحت يتحرش فيه الجميع بالجميع و تكون المُحصلة النهائية المزيد و المزيد بل و المزيد أيضاً من فن الرثائيات و تقطيع الهدوم المُنتشر بشدة على مواقع التواصل الإجتماعي و لا جديد فغداً هُناك ضحية هي الجاني و المجني عليها في نفس الوقت.

لا أستسيغ على الإطلاق تعليقات من نوعية أن الفتاة هي السبب فتارة ملابسها و تارة ملامحها و تارة أُخرى طريقة مشيها و تارة أُخرى طريقة كلامها كُل هذا الكلام بالنسبة لي كذكر بالغ متزوج وصل إلى مُنتصف الثلاثينات من عُمره هو مُجرد محض هُراء أو هو كلام لا يُسمن و لا يُغني عن جوع ما يحدُث الآن على أرض مصر ببساطة شديدة يجعلني أعتبر ما كُنت أراه تحرُشاً إبان فترة المُراهقة و الصبا و الشباب هو نوع من أنواع الغزل العفيف الذي نفتقده الآن.

قصتي مع التحرُش بدأت مُتأخرة إلى حد ما كُنت في ذلك الوقت لازالت طالباً في الجامعة بالتحديد بالصف الثالث ركبت ذات مرة اوتوبيس نقل عام و بالطبع كان مُزدحم أخذت أُحارب بطريقة المُحارب الشريف حتى أصل إلى مكان مُناسب أستطيع الوقوف فيه و بالمُصادفة كان بجواري مقعد مزدوج بالداخل تجلس فتاة بسيطة مُحجبة على وجهها أسمى علامات الرُعب تدمع عيناها في صمت بينما على الطرف الخارجي يجلس شاب يبدو أنه مُنهك بشكل كبير فقد أسند يده على ظهر المقعد الذي أمامه ووضع رأسه على ذراعه و بدا أنه مُستغرق في نوم عميق.

تلاقت عيناي مع عيون تلك الفتاة فوجدت عيناها تصرخ أن ساعدني لم أفهم الأمر و أعتقدت أنها عيون تشكو الزحام و الرائحة السيئة و لكني دققت في الأمر حتى أنعقد حاجبي و أن أنظُر إليها مُستفهما فوجدتها تعود إلى الخلف بظهرها في حركة بدت ناتجة عن إهتزاز الأوتوبيس لأجد يد هذا الشاب و هي بداخل صدرها تعتصر ثديها في هدوء كما لو كان يُداعب عاهرة في مخور – توقف الزمن بالنسبة لي لفترة لم أشعُر بنفسي إلا و أنا أهوي بقبضى يدي على رأس هذا الشاب و أُسبه بأُمه بدا في بداية الأمر أنه لم يستوعب الأمر فما أن استفاق من تلك الضربة العنيفة حتى هويت باليد الأُخرى على أنفه ليتفجر منها الدم ثُم مرة أُخرى في بطنه و صدره و بدأت معركة بيني و بين الشاب كان عامل المُفاجئة فيها هو الحاسم و تفرغ باقي من كانوا حولنا للإمساك بي و سؤالي عن سبب هذه الثورة العارمة.

أنفجرت الفتاة في بُكاء عنيف و هي تنظُر لي مذعورة و الناس من حولي يتحدثون عن إن ربنا يهدني عشان بفتري على واحد غلبان مرة أُخرى يتوقف الزمن بالنسبة لي فتلك النظرات المذعورة تُطالبني بالصمت و الجميع من حولي يضغط عليا بل و بدأ بعض الرُكاب بالأستعداد للإنتقام مني إلا أن توقف الأمر حينما أدركت أنه علي النجاة بأي عُذر فصحت فيه “عاوز تنشل محفظتي و عامل فيها نايم يا أبن الكلب”

ثقافة الزحام هي اسوء أنواع الثقافات على الإطلاق فهي تُنتج مُجتمع يتصارع فقط على الوجود مُجرد أن يكون له وجود أن يكون له مكان يقف فيه في الأوتوبيس بطريقة تضمن له الحفاظ على أعضاء جسده سليمة لا يعبث بها أحد أن لا تمتد يد لتخطف ما أجتهد في الحصول عليه كانت تلك العبارة الأخيرة هي طوق النجاة بالنسبة لي فقد أستفز الرُكاب جسدي الضخم و أعتقدوا أني شخص يُمارس هواية الأستبداد و العُنف علي هذا الوضيع و لكم أن تتخيلوا ماذا حدث له بعد ذلك من ضرب و طرد من الأوتوبيس.

كانت تنظر لي صامتة بإمتنان أرضى ذلك الصنم الذي بداخلي أنني ذكر بالغ شهم جدع أبن بلد أنقذها من براثن ذلك الوحش دون أن يهتك سترها دون أن يُشير إلى ما كان يحدُث بها كما لو كانت هي المُتحرشة أو هي السارقة هي الجاني هي الشيطان نزلت من ذلك الأوتوبيس مُتأففاً ألقيت بجسدي على أقرب مقهى و جلست أحكي لأصدقائي عما حدث لأُفاجي أنني آخر من يعلم عن هذا الذي يحدُث.

بالطبع و كيف لشاب مثلي أن يعلم و هو يذهب إلى جامعته في سيارة و لا يركب المواصلات العامة إلا في أضيق الحدود كيف لي أن أعلم أن هُناك من يُريد أن يسرق من فتاة حُرمة جسدها و هو الأخ الذي يملُك أربعة من الأخوات و العديد و العديد من الزميلات في الجامعة و أثناء فترة الدراسة لم أكُن أعلم عن هذا العالم شيئاً حتى أدركت أنه موجود يفعل ما يفعله في الخفاء دون أن يراه أحد حتى يفلت بجريمته يعتمد على أن الضحية ستظل صامتة و مصدومة و لا تستطيع أن تشتكي يعتمد على أن المُجتمع سيلومها هي و لن يلومه هو على فعلته.

الآن الوضع إختلف فقدأصبح التحرش ظاهرة و أسلوب حياة – أصبح المُتحرشون مجموعة من الصبية تجتمع سوياً على الضحية حتى يتفرق عرضها بين الأيادي العابثة اليوم أصبح المُجتمع أكثر قُدرة على الصمت و تقليب الشفاه بل و الصياح بمقولات أكثر خسة من المُتحرش نفسه من نوعية و هي لابسة كده ليه و إيه اللي وداها هناك لم يُعد هُناك الكثير مني و من أصدقائي أولئك الذين كان أقصى ما وصلوا له هو الدفاع عن حالات فردية كان المُجتمع يُساندنا في اغلب تلك الفترات أما الآن فلا فغالباً ما سترى يا عم سيبوا هو يعني عمل إيهز

التحرش ما عاد كما كان من قبل ما عاد عمل قبيح يفعله الوضيع سراً بل أصبح شيئ علني بل أن أفراد المجموعة غالباً ما يقومون بتوثيق جرائمهم على الموبيلات – أصبح التحرش في الفن و في الصحافة و في كُل مواطن البلد المسكين

 

فإنما هُم اخلاقُهم ذهبت – ذهبوا