يطالب الكثيرون منا، بتكرار تجارب مررنا بها فى مصر، لأنهم يحلمون بتكرار الماضى الذى يتعلقون به. هناك من يريد تكرار تجربة الحُكم الدينى طمعاً فى دولة الخلافة، وهناك من يريد نظام حُكم مشابه لرئيس سابق، سواء كان الرئيس عبد الناصر أو أنور السادات، وهناك من يتغنى بالحروب ويريدها، وكأنها رحلة أو حفلة نقوم بها. هناك من يتغافل الكثير من الحقائق بينما يطرح تلك الأفكار، أهمها، افتقادنا الكثير من الإمكانات لتحقيق القوة الحقيقية اليوم، على مستوى عالم أكثر تطوراً وأوسع فكراً، وأرقى ثقافة منا.

الغريب فى هذا الأمر، هو أن أغلبنا، لم يقرأ التاريخ، إلا فى أبهى صوره. تجنب أو مضى على سطور الهزائم، وكأنها لم تكن، لم يقرأ جيداً ما حدث خلال القرون الثلاثة الأخيرة من حكم الخلافة العثمانية. لم يقرأ عن الحروب الأهلية بين المسلمين فى ظل خلافة على بن أبى طالب كرم الله وجهه أو فى ظل خلافات بنى أمية، ولم يقرأ كثيراً حول ما حل بالخلافات الإسلامية فيما بعد. لم يقرأ عن دخول التتار بغداد، حتى تلونت الأنهار بلون الدم! لم يقرأ عن جبروت الخليفة فى الكثير من الخلافات الإسلامية، وقرأ فقط عن التجارب الجميلة التى سادت فيها الانتصارات، وهى كثيرة! ولكن، الهزائم أيضاً كثيرة! وهنا أؤكد أن هذا تاريخ، وليس تسفيهاً لأى معتقد، لأن الهزائم واردة، مثل الانتصارات، ومن يتغاضى عن جزء، ولو يسير، من التاريخ، إنما يبسط الأمور فيُحدث المزيد من الهزائم، ومن يسفه الأديان ويُحملها الفشل، إنما يُسفه من ناحية أخرى فى معتقد الناس، كى يقنع نفسه بأنه على حق، وهو ليس كذلك!

لم يقرأ ما حدث للمصريين تحت الاحتلالات المتعاقبة لمصر، ولم يقرأ ما حل بالمصريين فى خلال نُظم الضباط الأحرار، ككل، من تدهور للبلاد! لم يقرأ عن تعذيب المصريين فى سجون نظام عبد الناصر، ولم يقرأ عن هزيمة 67 وما حل بمصر وقتها! لم يقرأ عن إطلاق السادات للإخوان والإسلاميين ضد التيارات اليسارية والناصرية فى مصر، ولم يقرأ عن اعتقالات السادات فى سبتمبر 1981! لم يقرأ كل هذا، ولم يقرأ عن تخبط النظام فى الثلاثين سنة الماضية، ويريد تكرار تلك التجارب السابقة. فلماذا؟

يقول البعض كلما تكلمت معه، أنه يريد إرجاع التاريخ، ولكن، الزمن لا يعود إلى الوراء، وعلى رأى أم كلثوم، “قول الزمان ارجع يا زمان”! نحن نريد وجوهاً جديدة تحكم مصر، ولا نريد تكرار التجارب الماضية. نتعلم منها؟ نسترشد بها؟ بالتأكيد، ولكن لا نريد تكرارها! نريد تحولاً شاملاً فى طريقة إدارة البلاد، يُغير من سلوكيات المصريين! نريد دستوراً جديداً! نريد أن نتعلم ونعمل ونبنى! نريد أن نعبد الله بحق ولا نعبد الأشخاص! نريد أن نصنع مصراً جديدة، بعقيلات جديدة! نريد تجربة نتعلم فيها الديمقراطية بحق، وليس تجربة تنتهى بمجرد تقلد من سيتقلد السلطة إياها! نريد نظاماً للجميع، وليس فقط نظاما لإلهاء الفقراء، أو زيادة الأغنياء غناً!

إن ما نحياه اليوم فى مصر، ليس فقط نتيجة لحكم العسكر، ولكن نتيجة لتاريخ مصر بأكمله! فرغم كونى أنتمى إلى الليبراليين، أرى أن التاريخ الملكى لم يكن هو أقصى ما نرجوه. أى نعم، كان يمكنه أن يتطور، ولكن له أخطاءه الكبيرة أيضاً. ولا يمكن تبرئة الخديوى إسماعيل مما اقترف فى حق مصر من مديونية أو إرساله لـ 13000 جندى ليحاربوا فى حرب الاستقلال المكسيكية، حيث عاد منهم عدد قليل للغاية! ولقد كانت مصر تُدين بالولاء للخلافة العثمانية وقتها! ولا يمكن تبرئة عصر الملك فاروق من عدم الاستقرار الذى حل بالبلاد فى أواخر عهده!

لقد مات فى أوروبا، الكثيرون من جراء الحروب، الدينية أو غير الدينية. لقد مات فى الحرب العالمية الأولى وحدها حوالى 10 ملايين من العسكر، وجُرح حوالى 20 مليون شخص، بإصابات وعاهات مستديمة. وفى الحرب العالمية الثانية، مات حوالى 75 ما بين عسكريين ومدنيين! لقد كان زمن الحروب قاسياً للغاية وبعدها انقسمت أوروبا إلى معسكرين، حيث عاش معسكر منهم، تحت بطش الذل والهوان! واليوم، تسود ثقافة السلام أوروبا، بعد أن سادات فى العقود التى أعقبت الحربين، منظمات وجمعيات السلام، لزرع تلك الثقافة حتى لا ينسى الناس! وبينما المفترض أننا نتعلم من تاريخ غيرنا، فإننا نريد تكرار الماضى، رغم هروب أغلب الأوروبيين من هذا الماضى!

إن التاريخ لا يتكرر، ولكن يجب قراءته لمعرفة الحقائق، وليس الحديث عنه بمنطق من سمع أخباره وحكاياته! يجب أن نقرأ ما عاناه المصريون قديماً وتجاربهم المرة، حتى لا تُعاد مرة أخرى! ويجب أن ننظر إلى المستقبل، بدلاً من نظرنا فى أغلب الأحيان إلى الخلف، حيث أمجاد الماضى.. وهزائمه! يجب أن نعتمد على تفكيرنا الخاص، فى أن تبدع فكراً جديداً عن حق لهذا البلد! وأعرف مُسبقاً، أن هناك من سيشكو، ويقول، إن النظام لا يتيح له التفكير والعمل من أجل مصر، ولكن، كل شىء وله وقت! إن قراءة تاريخ مصر أو ما يمكن أن يفيدها، لا يمكنه أن يضرك وسيُفيدك بالتأكيد، فى أن تقدم شيئاً نافعا لمصر، وأن تصنع مجداً جديداً بغض النظر عن كل الإحباطات المحيطة، وبغض النظر عن الأرقام والحقائق الحالية، لأن تلك حركة التاريخ.

إن من لا يدرك أوجاع الماضى، يكرره، ونحن لدينا أوجاع كثيرة من الماضى، وعلينا أن نقرأ عنها، حتى لا نكررها!

• أستاذ علوم سياسية