الأخطر من أوضاع الظلم والتفاوت واللامساواة هو التطبيع مع تلك الاوضاع. ذلك ما يحدث لنساء هذا المجتمع.
في العمل، تتقاضى العاملات أجورا ادنى من اجور العمال الرجال، ويتعرضن للطرد والتعسف وحتى التحرش.
تلتصق بعض المهن بالمرأة، إنها جيدة كسكرتيرة أومساعدة للرئيس، او كفاتنة تقوم باستقبال الضيوف وتسجيل الحضور والترحيب بهم.
داخل البيت، تقوم بأعمال شاقة بدون مقابل، كمهام الكنس والغسل والأكل ورعاية الطفل والزوج وأصدقاء الزوج، والاهتمام بكبار السن والمرضى، وفوق ذلك تصنف المرأة اجتماعيا بأنها عاطلة وغير منتجة.
نسبة الأمية في النساء أكبر من الرجال، كذلك الامر بالنسبة للفقر والهشاشة والبطالة والمرض.
ظواهر الاغتصاب والتحرش مؤنثة هي الأخرى، وظاهرة العنف بكافة انواعه الرمزي والمادي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني تعاني منه النساء بشكل كبير و.. “طبيعي”، ويجري التسامح معه لأن الضحايا نساء. إننا امام نظام متواتر ومتكامل لقمع النساء.
حتى اللغة لا ترحمهن، فلا وجود لجمع مؤنث في اللغة الفرنسة، وإن تواجد ذكر واحد وسط مجموعة اناث تجمع جمعا مذكرا، أخبروها أن الصمت حياء والسكوت حشمة، علموها أن المرأة يجب أن تخفض صوتها وتصون لسانها عن الحديث في أمور الشأن العام وتكتفي بأمور المطبخ. إن اللغة كما تعلمون ليست محايدة، بل هي سلطة وأداة هيمنة وإخضاع.
الفضاء العام لم يتصالح بعد مع المرأة، وتوجد مدن مغربية بأكملها لا تتقبل مجتمعاتها تواجد امرة في المقهى، فالفضاء العام ذكوري بامتياز، تحس فيه المرأة بضيق شديد، حتى انها تضطر للتحايل على طفل صغير ليرافقها لقضاء غرض أو جولة في شارع لم يعد عاما.
التجار الليبراليون لم يكفهم استغلال العمال، بل أيضا ساهموا في صناعة نظام جديد من الإخضاع على أساس النوع بالدعاية لنموذج معين من “الجمال” ورشاقة الجسم وتسمية الجوع الإرادي حمية غذائية لصناعة جسم ضعيف… عفوا، جسم نحيف.
نحن أمام مؤامرة لفرض نوع معين من “الأنوثة” وصناعة لنموذج من النساء دورهم في الحياة هو إرضاء الرجال وإمتاعهم.
رأسمال الإعلام والإشهار والأزياء يقوم بعمله في تشييء المرأة وتسليعها وتحويلها الى دمية متعة في يد الرجل.
شيوخ الرجعية منعوا النساء حتى من السياقة ومن السفر وحدهن ومن اختيار أزواجهن والحصول على وظائف كبرى ومسؤوليات سياسية منعا “مقدسا”، ألبسوهن أكياسا سوداء قبيحة، أباحوا ضربهن، علموهن أن المرأة المثالية هي التي تطيع والدها وزوجها وحتى إبنها، أن مكانها “الطبيعي” هو البيت بما يعني أن المكان الطبيعي للرجل هو الفضاء العام حيث يمكنه الولوج إلى موارد المجتمع والتحكم بها، أقنعوها أن تطهو جيدا وأن تمضي حياتها في خدمة قبيلة الرجال، ولا تفكر في أمور السياسة والتقسيم العادل للثروة والسلطة والفرص.
مريم في الكتاب المدرسي تساعد امها في المطبخ، وكريم يشاهد التلفاز قرب أبيه الذي يقرأ الجريدة، وفاطمة تساعد أمها في البيت فتنظف وتغسل وتطبخ، هكذا تتعلم فاطمة ما يفيدها في المستقبل، وهكذا يتكلم كتابنا المدرسي.
لا تتواجد النساء بشكل كاف في مختلف المناصب الحكومية، ولا في لائحة أغنياء العالم والأشخاص الأكثر تأثيرا.
هذه ليست مشاهد معزولة، إنها حقائق مثبتة لجريمة ظلم قديمة ومستمرة، جريمة التمييز على اساس النوع التي يجري انتاجها وتعزيزها عبر العوامل الاجتماعية (اسرة، اعلام، دين، مدرسة، أقران، مؤسسات..) وضمان تمريرها من جيل لجيل.
فما هي مبررات التفاوت بين الجنسين في مجتمعنا؟
يعقد البعض أن الفوارق الاجتماعية بين الرجال والنساء هي فوارق طبيعية / بيولوجية، وأن الخصائص البيولوجية هي أساس اختلاف السلوك بين الجنسين، فالمرأة عاطفية والرجل عقلاني مثلا، أو ان المرأة خلقت لرعاية الأطفال في البيت والرجل للعمل بأجر خارجه.
يدعم شيوخ الرجعية هذا الاتجاه، ويضفون عليه طابعا مقدسا لا يجب المساس به، لأنك ان خالفتهم فأنت تخالف ارادة الله، ويشنون حملة ترهيب وتشويه وحتى تكفير على الحركة النسوية ومناصريها، يدعون أن خطابها غربي وغريب ويخالف الشرع، وان المناضلات النسائيات فاشلات في مؤسسة الزواج، ويطرحون فكرة مساواة التكامل في مقابل مساواة التماثل، ويقولون أن لا عدل في المساواة الغربية.
لا ينتبه أصحاب هذا الاتجاه إلى أن كثيرا من الفوارق بين الذكر والأنثى ليست بيولوجية الأصل، وأن الطفلة تولد أنثى ثم تتعلم أن تكون امرأة.
يعتقد آخرون بوجوب الانتباه إلى مفهومي الجنس SEX والنوع الاجتماعي GENDER، فالجنس ذو طابع بيولوجي يشير الى تلك المميزات الفيزيولوجية والجسدية التي تميز كونيا بين الذكر والأنثى، أما النوع فيشير إلى التركيبة السوسيوثقافية لأدوار كل من الذكر و الأنثى و العلاقات بين الرجل والمرأة على التوالي، فعبر عملية التنشئة الاجتماعية في العائلة والإعلام مثلا نعلم الرجال والنساء القيام بأدوار مختلفة.
كما توجد مقاربة ثالثة تقول أن الجنس والنوع كليهما نتاج أعيد بناءه وتصوره اجتماعيا، فحتى الجسد البشري يتعرض لقوى اجتماعية تشكله وتعدله مثلا عبر تمارين بناء الأجسام ووصفات الحمية والجراحات التجميلية أو جراحات تغيير الجنس مثلا. يحاول هذا التفسير أن يقول لنا ان الخصائص البيولوجية لم تعد معطى لا يمكن التأثير فيه.
عموما، أيا كانت التفسيرات لوضعية اللامساواة بين الرجل والمرأة، فهي تسهم في تحديد الاستفادة من الفرص و الموارد وخيارات الحياة، وتفرض تطلعات و حدودا على كل من المرأة و الرجل. إنها تفرض فروقا غير محايدة بين الجنسين، غالبا لا تكون في صالح المرأة، بل تؤدي ّإلى تأبيد هيمنة ذكورية في الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.