يعتبر الدكتور محمد سليم العوا من أبرز قيادات تيار الإسلام السياسي في وقتنا الراهن بما يقوم به من أدوارا رئيسية على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والدعائية في خدمة أهداف هذا التيار. ونظرا لما يتمتع الدكتور العوا به من مظهر عصري، وأدب جم، ورؤية توفيقية تعتبر الأكثر إتزانا والأقل تعصبا بين أقرانه من ممثلي هذا التيار، فقد أصبح نجما إعلاميا وضيفا دائما على جميع الفضائيات. وعلى الرغم من إصراره الشديد على نفي انتمائه تنظيميا لجماعة الإخوان المسلمون المحظورة، إلا أن بروز إسمه من آن لآخر من بين المرشحين لخلافة مرشد الجماعة بعد اعتزاله، يؤكد أن قواعد وأسر الجماعة لا تأخذ هذا النفي على محمل الجد.

ولقد استمعنا لحديث الدكتور العوا في برنامج الطبعة الأولى، والذي نشر بعد ذلك في أكثر من صحيفة، ورغم أن الحديث في مضمونه لم يخرج عن الإطار الكلاسيكي لأدبيات الإسلام السياسي في طبعتها الإخوانية، إلا أن محاولة الدكتور للإلتفاف حول مفهوم الدولة المدنية وتأويله بما يتفق مع مقولات الإخوان، وما شاب هذه المحاولة من تضارب يحتاج إلى وقفة هادئة، لأنه من ناحية يعكس مدى التخبط الذي يعتري ذهنية الإسلام السياسي تجاه مفاهيم الدولة الحديثة ، ومن ناحية أخرى لكي نرد هذا التضارب إلى أصوله المعرفية السليمة في أذهان القراء.

فبينما أكد العوا في بداية حديثه أن الخلافة هى مجرد نظام لرئاسة الدولة، وأنها كلمة وضعها الصحابة وليست كلمة نبوية أو قرآنية (أي أنها إنسانية وليست دينية)، وهو ما نتفق معه تماما، وما يتفق مع مفهوم الدولة الحديثة، وهو أيضا ما صدع به الشيخ “على عبد الرزاق” في بداية القرن الماضي في كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” والذي أدى وقتها لإتهام الرجل في دينه وإخراجه من زمرة العلماء، إلا أننا وجدناه بعد ذلك يتناقض مع نفسه، ويعود بنا إلى المربع رقم واحد، ليؤكد صحة الحديث النبوي «تكون الخلافة بعدى ثلاثين سنة ثم يكون ملك عضوض»، مما يعني أن الخلافة قد نص عليها حديث نبوي، وبالتالي تكون فرضا دينيا وليست حاجة إنسانية.

المؤسف هنا أن العوا قد حاول حل هذا التناقض الواضح بتخريج لفظي يخرج به نفسه من هذا المأزق على الهواء، ويترك ملايين المستمعين يتخبطون فيه بعد ذلك، فيقول أن الحديث موجود ولكنه لا يشير إلى فكرة الخلافة السياسية !!؟ ولسنا ندري كيف أن حديثا يتناول الخلافة والملك لا يقصد به الخلافة السياسية ؟ أكان يقصد الخلافة الإقتصادية أو السياحية مثلا ؟

إن الذي يمكن أن يحل هذا التناقض بشكل علمي، ويحفظ للإسلام هيبته وصلاحيته لكل زمان ومكان، وتوافقه مع مقومات الدولة الحديثة ليس التخريجات اللفظية التي تزيد الأمر التباسا في عقول الناس، وإنما أن يرفع علماؤنا عن كاهلنا بشجاعة ومسئولية سيف النصوص التي تتعارض مع القرآن والسنة والعقل والتي تمتلئ بها كتب الحديث والتفسير.

فالحقيقة أن أحاديث الخلافة قد وردت بتخريجات عديدة متناقضة مما يؤكد أن كل فرقة إسلامية قد قامت بدس الحديث الذي يخدم أغراضها، فالشيعة روجوا لمثل هذا الحديث للقدح في خلافة معاوية، كما روجوا فيما بعد لحديث “يكون اثنا عشر أميرا كلهم من قريش” لإثبات مذهبهم الإثنى عشري، فرد عليهم الأمويون بالحديث الأشهر الذي أورده أحمد في مسنده ويقول: ” تكون النبوة فيكم .. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة .. ثم تكون مُلكاً عاضاً .. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”، وهو حديث يفضح نفسه بنفسه، والوضع في روايته أوضح من أن تخطئه عين برغم تصحيح الألباني له، فقد وضع نفاقا للخليفة عمر بن عبد العزيز، إذ يقول واضعه حذيفة أنه قد كتب إلى عمر بهذا الحديث قائلا أنه يرجو أن يكون أمير المؤمنين هو الخليفة الراشد بعد الملك العاض والجبرية، وأن كتابه قد أدخل على عمر بن عبد العزيز فَسُرَّ به وأعجبه. واستمر المنافقون بعد ذلك في مداهنة أي خليفة جديد بهذا الحديث، حتى سقطت الخلافة نهائيا، ومحا الله أثرها وشرها من الوجود.

فالخلافة لم ترد في القرآن ولا في أي حديث يعتد به عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا كان قد ورد ذكره يوم السقيفة، أو بالأحرى إبان أزمة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والتي اتهمه فيها الكثيرون ومنهم بعض المبشرين بالجنة أنه قد حول الخلافة فعلا إلى ملك عضوض لبني أمية، ولكان علي بن أبي طالب قد عرف مقدما بقصر مدة ولايته ومقتله في غضون أربع سنوات. إن نشر هذه الأحاديث يؤدي إلى بلبلة أفكار الناس، واغتيال عقولهم، وينفي قدرتهم على الفعل والتأثير بإحالة كافة أمور الدنيا إلى جبرية مقيتة لم ينزل بها الله من سلطان.

ثم يمضي العوا في الحديث ليعترف بأن السياسة من المتغيرات قائلا “والسياسة لا تستقر على حال، وأنا كثيراً ما اضحك عندما أسمع دولة عربية إسلامية تقول سياستنا الثابتة المستقرة، فلا يوجد شىء اسمه سياسة ثابتة مستقرة” (وهذا لابد أن يعني إخراج السياسة من دائرة الثوابت الدينية إلى دائرة أمور الدنيا المتغيرة التي لم يخضعها الشرع لأحكام ثابتة)  وهو ما نتفق معه فيه بلا تحفظ، بل أن الدكتور الفاضل  قد زادنا من الشعر أبياتا أخرى إذ طالب بفصل الدين عن السياسة قائلا “لابد من فصل الإمامة السياسية عن الإمامة الدينية، فالإمامة الدينية هى للعلماء، فلا يأتى الحاكم ويفتينى بفتوى، ولا يأتى الوزير المعين فى وزارة ولو كانت وزارة الاوقاف ليفتى بفتوى” ويبرر مطالبته هذه “بضرورة وجود مرجعية إسلامية علمية لا يقترب منها الحاكم”. وهو ما يتفق تماما مع ما ندعو إليه، ومع متطلبات الدولة المدنية الحديثة التي تقتضي فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، أو ما يعرف إصطلاحا بالعلمانية التي هي أساس المدنية الحديثة.

إلا أن العوا مرة ثانية يتذكر وضعه القيادي في تيار الإسلام السياسي، فينقلب على ما قاله أعلاه، ويعود بنا كرة أخرى للمربع رقم واحد، فيلغي ما طالب به من الفصل بين الدين والسياسة، ويوجه حديثه للمحاور بقوله “طبعا أنت ستنظر لى وتقول لى إنى أتكلم مثل العلمانيين، لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين، لا، أنا أقول دين يهدى السياسة وسياسة تهتدى بالدين، والسياسة لا يجوز أن تأمر بغير ما أمر الله به، أو تنهى عما أمر الله به، لأن هذه ستكون سياسة باطلة” !!!؟

نحن هنا نستحلف القارئ أن يجهد نفسه معنا ليفهم كيف نطالب بالفصل بين الدين والسياسة ثم نرفع شعار “دين يهدى السياسة وسياسة تهتدى بالدين” ؟!! وأي آليات دستورية يمكنها أن توفر لنا الفصل بين المؤسستين الدينية والسياسية وفي نفس الوقت تتيح لكل منهما أن يهتدي بالآخر؟!! وكيف يمكن الجمع بين النقيضين في مادة دستورية واحدة تقول بالفصل والجمع في آن واحد ؟!! خاصة وانه يعود في حديثه ليؤكد ضرورة وأهمية هذا الفصل فيقول “لأن الحكام «طواغيت قاعدين مبيتحركوش»، فنحن نقول الفصل بين الجهتين، لنحرر الدين من رق السياسة، ونحرر السياسة من أن تكون أسيرة أو مرهونة لدى علماء هى صنعتهم أو اختارتهم”.

يجيب العوا على هذا السؤال المحير، شارحا مشروعه السياسي قائلا “فأهل العلم لهم الإمامة الفقهية والدينية والعلمية والثقافية، والحكام لهم الإمامة السياسية فى المفاوضات والحروب ورصف الطرق وجمع الضرائب، وهذا الحاكم لا يستطيع أن يعمل إلا إذا علم الحلال والحرام، يدله عليه أصحاب الإمامة الدينية”. ويقول “وإذا عرف الحاكم الحلال والحرام وخالفه فعلى أصحاب الإمامة الدينية أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإذا تمادى فى غيه يستطيعون أن يقولوا للناس هذا الحكم قد فقد الشروط فبكروا بالانتخابات وهاتوا حاكم جديد .. هذا هو معنى الفصل بين الدين والسياسة” !!ظ

يعني باختصار مشروع العوا الإسلامي أن يكون عندنا حكومة من الأفندية للسياسة الخارجية وتحصيل الضرائب ورصف الطرق، ترأسها حكومة من المشايخ تحتكر الأمور الفقهية والدينية والعلمية والثقافية، وتأتمر الحكومة الأولى بأمر الثانية، التي تحدد لها الحلال والحرام، وإذا لم ينصاع الحكام لأوامر ونواهي المشايخ يفقدون شرعيتهم، وتأتي حكومة أخرى تقبل أيدي مشايخ الأمة لكي لا تفقد شرعيتها.

فهو هنا يتناقض كرة ثالثة مع كل ما قاله سابقا، ويفصح جليا عن مشروعه الحقيقي، إذ يرتد بنا حرفيا إلى مشروع الإسلام السياسي الإخوانجي، المقتبس من نظرية ولاية الفقيه الإيرانية، المقتبسة بدورها من نظام الحكم الكنسي في عصور الظلام، وهو إقامة دولة دينية، ثيوقراطية، يحكمها المشايخ الذين يطلق عليهم العوا علماء، ليؤكد لنا في النهاية أن حديثه عن الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، والديموقراطية والإنتخابات وغيرها من مصطلحات الحداثة ما هو إلا غطاء يخفي وراءه الهدف الحقيقي وهو إقامة دولة دينية.

ونظرا لخطورة مشروع الدكتور العوا السياسي وما يمثله من ردة فكرية مضاداة لمفاهيم الدولة الحديثة، فقد يكون من الضروري أن نتناوله بالمزيد من التحليل في أسابيع قادمة.