يرتفع رأسي برفق عن المصحف، لتحلّق عيني تتأمل زخرفة اللغو التافه على جنبات هذا المسجد القديم، كلّ شيء هنا ينتمي لمعاني الجهالة الطاغية؛ تلك التشكلات الغريبة المجرّدة تغلّف الجدران فتسرق منا طمأنينة الانسجام مع الله. كان علينا أن نعيد رسم ملامح هذا المكان لولى دافع التقيّة الساذج يستطلع رضا الجموع التائهة في لجج الكفر. على كلّ حال، يبقى مكمني هنا خير مأوى لي قبل موعدي الأخير.

دلف الشيخ بجثته الممتلئة إلى المسجد بتأنّ ووقّار، جلس في مكانه المعتاد، تابع انتظامنا حوله في صمت قبل أن يتلفظ، بلين، كلمات متنافرة هادئة، لينفجر، بعدها، فجأة، ساخطا، يرجم بعبارات بليغة فخمة بدع وبغي عوالم الجهل. كانت حركته تتبدى مضطربة حادّة ووجهه ينطق غضباً. تلبستني الحماسة فارتعشت أطرافي تتوق الانفلات إلى سطوة الفعل الأسمى. لوّح بيديه القلقتين في عنف، مواصلا حديثه ما بين اللين والقسوة وهو يرصد بصبر وتأنّ كبائر الأمّة.. داخل امتلاء عباراته المتوهجة وحركته المتّقدة عانقت نفسي ذكرى البدء، صرت أمتدّ، أحلّق غير آبه بمستقرّي.. إني أنبعث من وحي ذكره.

كنت أصرخ مع صرخات الشيخ، وأزمجر بصوت قاس شديد، وأهدّد متى ما هدّد الشيخ. إني أنتفي تحت وطأة ألفاظه الثائرة وأشهد اكتمالنا القديم.. استبطنني شعور مدهش، استهواني، بأني أتصل بحقيقة أصلنا العظيم.. الله أكبر! أنا كمن يندفع بقوّة مبهمة نحو قمم الكيان الأول، أسترجع تفاصيله الضائعة، فتمتلؤ روحي ضياء وطهرا…

عندما سمعت كلماته لأول مرّة، سابقا، لم أكن مخلصا لنفسي فلم أدرك عمق معاني الشيخ. حينها كان قد انتهى بي المطاف، بعد سنوات من الدراسة في التاريخ، إلى التخصّص في الحفريات الأثرية. زاحمني الشيخ في حوار عنيد حول معارفي، فنبهني بفطنة إلى أشياء أظهرت لي مدى ضلالي عن الحق. المسألة برمّتها سهلة، ولا تبدو غريبة، لكنها كانت حينئذ غائبة عني رغم وضوحها: ما كنت أعتقده بهرجة فكريّة تنبع عن روح يقظة تكشف زمنا آخر عبر فهم الأحافير واللقيّات لم يكن سوى نبشا للقبور، كانت اللعنة تتزين لي فكرا وعلما. وما كنت غارقا فيه من مباحث عن مناهج المعارف في التاريخ، كانت مجرد لغو وثرثرة بلا جدوى، فحقيقة التاريخ تتلخّص في شخص ناقله إذ لا تاريخ خارج حديث الشيوخ؛ فهم حفظة الدين وهم أهل العدل. هكذا هي الحقيقة ببساطتها ولم تكن تحتاج مني كل ذاك الإسراف في السؤال والتفكير.

عادة ما أتخذ مسلكا حذقا في تفسير تأثير الشيخ على الجماعة، كالقول: «إن اللّه قد هدى الشيخ إلى مفاتيح القلوب، فبكلمات قليلة يتدبّرها بحكمة وبراعة يحرّك فينا سواكن مستبطنة هي أعلى من قدرتنا على مقاومتها». ولهذا أكرّر، عادة، الحديث عن البساطة والسهولة التي تغلّف أفكار الشيخ، هي من الخفة ما يجعلها دافعا نحو أي فعل مهما كانت صعوبته أو قسوته. نحن في النهاية لا نهتم لما يسوّقه البعض من براهين أو دلائل وثنية قائمة على تماسك مموّه لتفسير العالم، لأن العالم كلّه بمعانيه وأسراره يكمن في متن الكتاب والسنة ولكنه يغرب عنّا في متاهات اللغة؛ ولهذا نحن ندرك الدقائق الباهرة لإرثنا المقدس عبر لفظ الشيخ، فقط، كقارئ متمكن بعادات اللغة القديمة. لا وجود لحاضر أو ماض، بل لا وجود لخبر أو فعل أو شعور إلّا وهو تحت ظلّ تفسير الشيخ.

عندما تلبّسني قلق مربك مردّه وشم يسكن في لؤم جسد أمي، نبهتها بحزم قلت لها: «عليك إزالته فهو حرام!». أصدقكم القول، لقد حاولَتْ بشتى الطرق رفعه ولكنها لم تنجح. وبرغم هذا، وبرغم إسعاف الشيخ لي بفتوى تناسب هذا الوضع، لم أستطع التخلّص من استفزاز تلك العلامات المحرجة التي توحي بامتداد شيطاني يدنّس طهارة جسد أمي. بحكم معرفتي في التاريخ كنت أفزع من حضور تلك الرسوم التي تنتمي إلى عصور سحيقة، تجمع ما بين الوثنية والصليبية، وهي تتراقص في خبث على جسد كان من المفترض أنه منبعي.. بدى ملمح جسدها يشي بزخرفة تعاند إتزاني وإخلاصي للنقاء الأصلي. واجهتُ أمي بقسوة، أبكاها ذلك، لكنني كنت غير آسف مدفوعا بالواجب المقدس. عندما حدثت الشيخ بذلك، فطن لثقل الألم الذي يغشاني، فأشار عليّ بالسكن إلى جواره وفي رفقة الإخوة.

كان المسكن صغيرا، فصل حديثا عن مسكن الشيخ بجدار عال. حشرت مع ثلاثة إخوة في غرفة واحدة هي مدار ذكرنا وصلاتنا وإجتماعنا ونومنا. نضّمنا كلّ شيء على نحو صارم، كلّ جزء من مواقيتنا خضع لنظام دقيق. الحكمة خلف فعلنا المتكرّر المنضبط يكمن في أننا نستنشق عبير حياة إيمانية أخرى، منفصلة عن طريقة حياتنا القديمة. إنّها تفتح لنا سبل الكيان من جديد، تعمق بنا في فضاء له معانيه الخاصة، المستقلّة والمنعزلة. في كلّ فترة من حياتنا تلك، كنّا على موعد مع درس أكثر صراحة حول واقع أمتنا الجريحة، كنّا نتألم ونركن بعدها إلى الصلاة. يرسم لنا الشيخ ملامح العالم فنتعرف على تفاصيله المتهافتة، تنقبض روحنا، ونتشوّق للخلاص.

وسط فضاء كهذا، وعلى وقع طقوس الشيخ المنتظمة، واجهت هاجسا شيطانيّا آخر. كنت فزعا، لم أقو على النطق، تشتّت انتباهي، وتملّكني قلق ممض وملل مربك: في كلّ مرّة، يشدّني جسدي إلى تخيّلات فاحشة فأسارع إلى التخفّي في بيت الراحة أدعك أيري لعلّي أرتوي. أرعبني مدى حاجتي لهذا الجنون الداعر، وترسّخ في ذهني أنّ نقيصة الكفر قد استحوذت على خصالي. كنت أشهد في تخيلاتي نساء وفروجا وأسمع تأوهات تمزق سكينتي. عبث ماجن يستفزني. لكم أن تتصوروا مدى هلعي حينما تفجّر أيري بمائه وسط تخيلاتي الدنيئة بمضاجعة امرأة منقبة. فكرت، على عجل، بأني أخطأت المكان وعليّ أن أغادر المسكن. لكني حملت كلّ هذا على الابتلاء، وقررت سؤال الشيخ، كالعادة، عن المخرج.

عندما انتهى من درسه اليومي، توجهت إليه في خجل، قلت له بصوت خافت متردّد: «شيخي أريد محادثتك في شأن خاص» رمقني بانتباه. عندما أخبرت الشيخ بما بدا لي أنه مأساتي الخاصة التي ستسفر حتما عن سخطه، فاجأني بابتسامة متفهّمة، ثمّ قال لي بصوت هادئ رصين: «يبدو أنك تعتقد بأن الدين يجانب مسائل النكاح، والأصل أن الدين يجلّه ويقدّمه على نحو يحترم مشيئة اللّه» رمقته بلا فهم واضح، قال لي بلهجة حاسمة: «عليك الزواج».

بعد فترة، تنبهت بأن أبواب خطبة ابنة الشيخ مشرعة، لا أعرف كيف، ربما غمرتني كلمة منفلتة من حلق أحد المقربين من الشيخ أو أني حدست ذلك أو أني توقعت قبولا ما. كانت الخطبة يسيرة، تكفّل بطقوسها وترتيباتها أحد الإخوة. وانتهى بي المطاف وسط فضاء يتسع لوليمة فاخرة. أُغلق بابي، وكاد ينفرج عقال الجحيم الذي داخلني طويلا، لكن المفاجأة أدهشتني؛ فقد تبين لي أن العروس لا تتجاوز في مطلق الأحوال سنّ العاشرة. لم أستطع تفهّم هذا الوضع، ما الذي حدث؟ كيف عقدت زواجي على طفلة كهذه، تملكني الصمت والقلق. عند الصباح، سألتُ الشيخ على انفراد، فردّ بيقين ظاهر: «ما تخوله لك نعمة الشريعة هو الحلال البين الذي لا يداخله أي جدال» أشرقت نفسي، على ما بها من مضض، فلبيت فتوى الشيخ. وضعت فتاتي على فخذي، وصرت أداعبها تقبيلا وعناقا حتى انفرط كلّ حياء منها. انطلقت، بعدها، على هدي المباح أفضّ ختم فرجها.

هذا هو دربي على هديه البين، لا يحتاج إلى التفكير أو التدبّر. كلّ شيء خضته في علاقتي بالشيخ هو بسيط واضح. يوما ما، وفي متاهة التوثب والعنفوان الوقح لعبيد الكفر، أسرّ لنا الشيخ بأننا أجناد الله على الأرض. غادرنا جميعا مسكن الشيخ، تحمّلنا وزرنا، وحملنا أثقالنا. كنت مع زوجتي الصغيرة، نبحث في مواطن التخفي عن مكمن يشملنا في صمت. استحوذ عليّ وعلى الإخوة شوق جارف إلى موعدنا الأخير، حيث نلج بوابة الخلاص سالكين طريق الفوز العظيم. كلّ شيء سيعود إلى أصله الطاهر. انتهى بي المطاف، بعد تشوف وانتظار، إلى موعدي. سكنت نفسي، وارتحتُ. عندما دلفت المسجد اليوم، كان وداعي الأخير صوت شيخي يهذّب بكلماته الساخطة عوالم الزيغ والغرور. بعدها بساعات، سنكشف لهم آيات الجحيم؛ سينفجر جزء من هذا العالم الدنس.