كعشبة  بحرية تلفظها جوف البحر فنفاها إلى رمال الشاطىء تتقلب على جنبيها ما بين لظى الشمس ولظى الرمال كسمكة طازجة تتقلب فى زيت حار؛تٌمتص روحها شيئاً فشيئاً يتملكها اليباس فتفقد وهجها وتتفتت إلى رماد تذروه نسمة بحرية إلى فاه البحر الفاغر فيبتلعه ويعود إلى موطنه……..أموت

كعصفور صغير فوق غصن شجرة متخم بالحلم امتطى صهوة الريح وعلى حين غِرة من إشتعال جموحها طرحته صخراً فتكسرت جناحاه فظل يحبو إلى أن آوى إلى جذع الشجرة فأودع روحه بجوارها وتحلل جسده الصغير إلى رماد تقتاته الشجرة ويعود إلى موطنه……..أموت

كزهر يتيم فى حديقة إحدى البيوت خرج أصحابه فى إجازة طويلة وسقط سهواً من حسبانهم فظل وحيداً تلطمه الشمس على وجنتيه بلفحها فطأطأ الرأس ذابلاً؛تُرتشف روحه قطرة قطرة إلى أن سقط على تربته حَزناً وريقات وعود يابس تفتت إلى رماد يتواشج مع تربته ويعود إلى موطنه…….أموت

لا تسألى حزنى عن تفاصيله فالخوض فى التفاصيل أشد إيلاماً من وقع الحزن ذاته على النفس.
فحزنى لم يولد قبل التاريخ وكيف يولد وقد كان بذرة ابتدروها فى تربة قلبى وكانوا الفلاح الماهر فترعرع ونما فى كنفهم؛لبلابة الحزن تزحف شيئاً فشيئاً من القلب إلى أن تتوغل فى الرأس فتستوطنه.

كم أنت عامر بالحزن يا رأسى.

سمكة نهرية انتزعوها من بين كفوف النهر وأودعوها فى مستنقع وأوحوا إليها أنها بحيرة عذبة ماتلبث أن تتنفس الماء الآسن فتذبل إختناقاً؛تحاول مراراً القفز خارج المستنقع وفى كل مرة يعيدونها ويفرغون من حقائب ألسنتهم تلك المقولة اليتيمة عليها أن تتجمل بعقد من الصبر حول عنقها واستحال عقد الصبر إلى حبل مشنقتها يزداد إحكاماً وإغلاقاً ليشج عنقها المرمرى؛ربما تجدى النظرية الدارونية فى التحول فتتحول السمكة إلى ضفدعة؛يمضى الوقت حثيثاً فلا هى تتحول ضفدعة ولا عقد الصبر ينحل لو لِماماً ولا تنفرط حباته فيكون الفكاك؛تموت صبراً تموت إختناقاً وتتحلل إلى رماد ولكن لا يعود إلى موطنه بل رماد فى منفى……..وأموت

على ضفاف الموت أفنيت خمسة عشر ربيعاً وأٌزهقت فى كفى روح حلم تلو روح وتخضب فى عينى قمر تلو قمر واحترق فى صدرى نجم تلو نجم.

على حافة الموت أقف أفتش عن عوالم يضوع عطر الحياة من ردائها فتمد يد الأقدار لى صراطاً من نصال حامية فأمشى حافية القدمين لأتعلق بفرع غصة جذعها ضارب فى عمق القلب أتأرجح فى الفراغ الفاحش يثقل جسدى شيئاً فشيئاً تٌنزف روحى قطرة قطرة وعند آخر قطرة أُحكم قبضتى على الفرع حتى يكاد يعتصر فى يدى سأتهاوى لا محالة وسأرتطم بأرض لا أعرفها.

لما الجزع إذن وعندما ستنسكب آخر قطرة من فنجان الروح لن يوخزنى ألم ولن يحترق جفنى من دمعة ولن تتشقق شفتى من تأوهة مالحة ؛مجرد جثة ستتحلل إلى رماد لن يعود إلى موطنه بل رماد فى منفى.

على ذمة الموت وحدها الكتابة تهبنى النزير من أكسجين الحياة …فأنا أكتب كى أعيش.