كنت أعرف طريقى جيداً وأنا طفلة صغيرة وعندما خلعت عنى الأيام رداء الطفولة وألبستنى رداء اليفاع لم أعد أدرى بأى طريق أمضى.

يقولون إن بين العقل والجنون خيط رفيع فلربما أنى أتأرجح على هذا الخيط !

مٌثقلة بالعقل منذ الصغر متكورة داخل شرنقة هدوء منذ قديم الأزل.

كان بصرى دوماً معلقاً بالسماء؛تساؤلات جمة تصطفق داخل عقلى…وماذا بعد هذا الأفق..؟…..وماذا بعد حدود بلدتى؟

كنت أطوى الأفق فى صدرى رغم اتساعه وأسكب الشمس فى عينى رغم بعدها الهائل.

أما الآن أعجز عن طى نفسى داخل حدود نفسى.

أتٌراه جموح الفكر وجموح الخيال من يرمى بنا فى أرض لا أول لها ولا آخر..أرض يغمرها التيه والشرود…تجوبها أرواحنا ذهاباً وإياباً وتعود خالية الوِفاض.

أخبرتك يوماً بأن هناك فى هذا العالم الشاسع المترامى الأطراف روحاً تٌشبهنى أبحث عنها منذ سنوات وأنا على يقين أنها مٌجهدة من البحث عنى فجاء ردك قبل أن يرتد إلى طرفى “أنا من أشبهك”

جاءت الأيام على مضض لتخبرنا “شتان بينى وبينك”.

كثيراً ما نعتنى الأصدقاء بالفرس الجامح يصعب ترويضه..أنا فقط لا أتبع القطيع ولا أهوى العزف فى جوقة؛أهوى العروج إلى الغيم ممتطية بٌراق روحى ليزفرنى الكون من نايه تنهيدة بين الغيوم.

لطالما كنت أتشبث بقناعاتى وأدخل مضمار الحروب وأنا والموت دونها.

ربما يٌخيل إليك أنى امرأة عنود وأنى عندما أقسو فإنى صلدة حادة الطباع؛سأهبك تلك الابتسامة الباهتة التى طالما كنت أرسمها على شفتى لكل من نعتنى بسيدة التناقضات.

أخبرتك كثيراً لا تنظر إلىَّ بعينيك…انظر إلىَّ بقلبك حتى ترانى جيداً.

آه لو تعلم أنى أكثر هشاشة من الزجاج ؛كلمة صغيرة تخدش قلبى.

وآه من ذلك القلب يتسع لحزن العالم أجمع ويعجز عن إحتواء فرحة واحدة وإنى لأحسبه شيخاً ظاعناً فى السن.

لقد فعلت بى الأيام الكثير وتشيخ القلوب قبل الأجساد أحياناً.

وآه من تلك الروح التى تهيم على وجهها فلا تدرى إلى أين تذهب ومن أين تجىء ؟

تلك الروح فى كل روحة ورجعة يتبعثر منها شىء حتى كادت أن تتلاشى.

كم أوصدت الأحلام فى وجهها ألف باب وباب…

وتكسرت فى يدها جِرار الأمل على أرصفة الاغتراب..

وجفت على صدرها سنابل السنوات ليحصدها اليباب..

كل المرافىء تهوى منها حٌطام الأشرعة…

وعلى أجنحة النوارس حزمت كل الأمتعة…

تٌمخر خفافاً وتعود ثقالاً بسلال الخيبة اليانعة…

يحرث اليأس فى صدرها آلاف الحقول…

وتفر فراشاتها إلى دمها لتنطفىء وميضاً ما يلبث أن يزول.

إنا لما طغى التيه حٌملنا على ذات ألواح ودٌسر الهذيان لتكون كل الأرض لنا منافى يسقط فى أحداقها نيازك الخوف فتتناثر شظاياها إبراً تٌوخز جسد تلك الروح فتتجافى جٌنوبها عن المضاجع فتصعد للسماء الثامنة وتهبط إلى الأرض الثامنة وتلهث بين الجهات الخمس.

أحسبنى على شفا حفرة من الجنون.

فياليتنى لم أتعلم القراءة وكنت تلك الأٌمية والتى أقاصى أمانيها سوار ذهبى وثوب مزركش.

وياليت كل أقلامى احترقت فى يدى قبل أن تلفظ الحروف على الورق فتبوح بما تموج به النفس فتصبح مشاعاً لكل العابرين فنتعرى أمامهم..فمنهم من سيسخر ومنهم سيرى روحاً فى أوج الجنون ولا يعلمون أنها روح تائهة تبحث عن مرفأ أمان ولسان صدق وقلب منير يٌوقَد بزيت الوفاء والإخلاص.

يقول مصطفى لطفى المنفلوطى( إن الله قد خلق لكل روح من الأرواح روحاً أخرى تماثلها وتقابلها وتسعد بلقائها وتشقى بفراقها ولكنه قدر أن تضل كل روح عن أختها فى الحياة الأولى فذلك شقاء الدنيا وأن تهتدى إليها فى الحياة الثانية وتلك سعادة الآخرة.
فإن فاتتنى سعادتى بك فى الأرض فسأنتظرها فى علياء السماء.)

فإن فاتتنى سعادتى بك فى الأرض فسأنتظرها فى علياء السماء.