مشهد أول

عاد صاحبنا ذو اللحية الخفيفة من مدينة نصر إلى بيته في التجمُع الخامس يوم الجُمعة كان الوقت مُتأخر شئ ما ،هي زيارة إعتاد عليها مُنذ زواجه و إستقراره بمدينة نصر يبدأ اليوم مُبكراً كعادته يتجه إلى بيت والدته يجلس معها للإفطار هو و زوجته و بناته يُصلي الجُمعة ثُم يعود ليجتمع مع العائلة مرة أُخرى للتسامُر و الحديث و الذكريات التي لا تنتهي يقرأ ما تيسر من القُرآن الكريم و يهديه إلى روح والده يتحسس جُدران الطفولة و الصبا و الشباب يبتسم و هو يرى الرفاق و على وجوهم كبد الحياة و مشقتها بعد ذلك يتوجه بأُسرته إلى بيت حماته لتناول الغذاء و الدردشة و مُتابعة فيلم أو مُباراة مع أهل زوجته ثُم العودة بعد ذلك في ذلك اليوم طلبت منه حماته أن يترُك لها البنات في بيت العائلة فهي تشتاق إليهم على أن يعود إلى أخذهم يوم الغد أو بعده فهُن في فترة الإجازة.

يُقابله كمين عند مدخل التجمُع الخامس يستوقفه ظابط الشُرطة ينظُر له شذراً يُخرج جميع أوراقه السليمة و بطاقته الشخصية يطلب منه الظابط أن يتوقف على جانب الطريق ليعود إليه قائلاً معي إلى القسم يطلب صاحبنا أن يعرف ما هو الأمر يقول له “هتعرف في القسم يا ***”

في القسم يكتشف هو و زوجته بعد تجريدهم من كافة مُتعلقاتهم أن هُناك عريضة من التُهم الموجهة إليهم منها السير في مُظاهرة بدون ترخيص و الإعتداء على قوات الأمن و الجيش و تكدير السلم العام أهم بند في عريضة الإتهام كان التحريض على التصويت على الإستفتاء بلا – صاحبنا لم يكُن يوماً من المُهتمين بأي شيئ له علاقة من قريب أو بعيد بالسياسة هو فقط يعمل و يُصلي إلى الله و يدعو أن يُعينه على تربية بناته الثلاثة – لم يتخيل إلى لحظة أنه قد يدخُل يوماً أحد أقسام الشُرطة بل سيبيت بها هو و زوجته الطبيبة ، مع من يتواجدوا في الأقسام.

مشهد ثاني

الطريق مُزدحم تمُر بسيارتها عبر تلك الحارة الإجبارية في شارع النصر “الأوتوستراد” بمدينة نصر ترى أن هُناك من يختلس الأنظار إلى السيارات بعيون حادة تختفي خلف نظارات سوداء – المسيرة ضخمة إلى حد ما تتوتر أعصابها هي و صديقتها خوفاً ممن حولهم أو خوفاً من التأخير تطلُب منها صديقتها المُسلمة إخفاء الصليب الذي يتدلى من المرآة الأمامية تُخفيه بذعُر واضح تقترب من تلك العيون و هي في غاية الإرتباك يتدافع الدم بعد أن حفز الجهاز العصبي المركزي إفراز الأدرينالين الذي رفع مُعدل ضربات القلب و ضغط الدم و تسبب في إتساع الأوعية الدموية – قلبها الضعيف لن يحتمل حاولت أن تتماسك تذكرت سائق تاكسي المنصورة حاولت أن تبدو هادئة تذكرت كم الكراهية مرت السيارة حتى خبط أحدهم براحتيه على السيارة و هُنا بدأ التفاعل التسلسلي من الإرتباك – هل سننجو هل سننجو.

ضغطت على دواسة البنزين و آلة التنبيه في نفس ذات الوقت و أنطلقت لا تلوي شيئاً كانت ستدهس بعض من أفراد المسيرة لكن مرت بسلام على الرغم من الزحام الواضح – كاد قلبها أن يتوقف أخذت تبكي و تبكي بلا سبب إلا أن توقفت عن البُكاء هي و صديقاتها كلاهُن لا يعنيه الأمر في شيئ هي لم تكُن يوماً مُهتمة بالشأن العام أو بالسياسة في تلك البلد هي فقط تبحث عن الحياة مع زوج و صديق و أخ بعد أن فقدت أبويها في حادث سيارة قديم.

 

مشهد ثالث

لقد مرت عليه أيام طُوال و هو يتمنى أن تنتهي أيام التجنيد إلا إنه  مل من الإنتظار ثلاث سنوات ليس بالوقت القليل و لكن هانت سيعود إلى قريته سيعمل مع والده في قطعة الأرض الصغيرة سينتهي من تشطيب الدور الثاني فوق منزل أبيه و سيكون هذا هو البيت الذي يحتضن فيه حلم المُراهقة الذي أخذ ينمو في هدوء و دفء يليق بهدوء و دفء القُرى المصرية في ريفها الأخضر أخذ يتخيل أنه سيتزوج أخيراً و سيكون له أطفال أخذ يبتسم و يبتسم و هو يشعُر بأنفاس زوجته الحارة في أُذنيه.

أخذه الخيال حتى رأى أنه في العُرس و قد أولم أباه وليمة كُبرى و رأى العروس تتهدى في ثوبها الأبيض و مع الألحان الشعبية ضج الأهل و الأقارب بالرقص و الغناء و الأكل كان كُل شيئ رائع حتى قام عم العروس و رفع بُندقيته عالياً ليُطلق منها عيار تحية للعروسين كاد يتخيل نفسه و هو يقول له توقف لا داعي لا داعي إلا إن صوته ضاع مع صوت الإنفجار الشديد لا يدري أهو يحلُم أم لا كان الصوت شديد و كان هُناك طعم مالح بين شفتيه و كان هُناك أصوات أنين من حوله.

أزاح سيادة العقيد نظارته الشمسية و هو ينظُر لتلك الأشلاء المُلقاة على الأرض و هو يقول “متخليش حد يا بني يقرب من المكان لحد ما البهوات بتوع المُخابرات يجيوا”