كان الشاب محمود عبد الفتاح يستقيظ مُبكراً لأداء فريضة الفجر في الجامع تلك العادة التي أورثها إياه أبوه رحمةُ الله عليه و بعد ذلك يتجه إلى كُشك الجرائد القابع على بُعد خطوات قليلة من القهوة التي لا تتوقف عن العمل إلا في حالات نادرة حدوث ما أن يستقر على تلك القهوة حتى يأتي له جرسون الصباح بالشيشة و الشاي المظبوط دائماً ما يُكرر محمود أن الشاي نعمة لأنه يُساعد الكائنات الحية على التعاطي و التعامل مع الحياة لم يكُن الجو بنفس ذات البرودة التي كان يُعانيها محمود أيام خدمته في الجيش كانوا دائماً ما يقولون لهم أنتم في مصنع الرجال و أنتم حُماة الوطن و لكنه لم يكُن مُقتنع بأي من تلك الأيدولوجيات السخيفة و العقيدة العسكرية القائمة على السُخرة و الإستعباد إلا إنه كان مُطيع بشكل مُمل للغاية لأنه لم يكُن يستطيع رشوة أحد صف الظُباط الجشعيين الذين لا يتوقفون عن الطلبات أو يعرف أي شخص ذو منصب عالي ليمنحه توصية تُساعده عند قائد الكتيبة.

لم يُتقن ضرب النار أو الأشتباك مع أي عدو كُل ما أتقنه هو الوقوف وحيداً أمام شاليه مُغلق في ليالي الشتاء الباردة أو القيام بأعمال التنظيف و الكنس و الترتيب في أيام الصيف القائظ الحار إلا إنه و مع ذلك كان يملُك القُدرة على تمضية الوقت و نسيان كُل تلك الأيام التي تمُر ببُطء كما أستطاع أن ينسى أحلام المُراهقة و حُب الظهور بينما هو يعمل في مطعم فول و طعمية أثناء فترات الإعدادية و الثانوية تذكر كيف أستطاع أن ينسى نظرة زميل له في المدرسة كان يشتري بعض الساندويشتات بينما هو يمسح أركان المطعم, النظرة كانت دونية إلى حد بعيد لكنه أستطاع التعامُل مع الأمر بخلفيته الدينية, تذكر محمود كيف أستطاع أن ينسى تلك الفتاة التي أحبته بقدر أكبر مما أحبها هو بكثير فقد وطد نفسه مُنذ بداية أنتشار هرمونات الذكورة في جسده أن الحُب و العشق أمور ممنوعة و رفاهية لا يستطيع أن يتحملها, لا يدري لماذا رآها الآن و هي سيدة تحمل طفليها الصغار إلى سيارتها التي أشتراها لها زوجها كي يتهرب من توصيل الصغار إلى المدرسة أو الحضانة هو أيضاً لا يدري لماذا تذكر في هذا الوقت أنه أصبح يبلُغ من العُمر الخامسة و الثلاثون, أبتسم في سُخرية و هو يسحب نفس عميق من الحجر قبل أن تنطفئ جمرات الفحم و أشار على الجرسون أن يستبدل هذا الشاي بشاي ساخن لأنه أصبح بارد زي المية.

جلس محمود يُمارس طقوسه الصباحية المُعتادة بينما الألوان تتغير من حوله فترى النور يُعانق الظلام بهدوء كزوجيين حميين لا يُريدا أن يسرق الوقت منهم شهوات العناق و التلاحم فتح الجريدة اليومية التي يقتنيها كعادة ورثها عن أبوه أخذ يقرأ في كُل شيئ حتى صفحة الوفيات أطلع عليها لا يدري لماذا يفعل ذلك فهو يرى كُل ما يقرأه أنه محض هُراء و كلام جرايد إلا إن الإدمان كان أقوى منه بمراحل كبيرة فلم يتوقف يوماً عن تدخين الشيشة مع كوب الشاي أو قراءة الجريدة الحكومية بكُل ما بها من أكاذيب من كثرة ترديدها أصبحت أكاذيب صادقة.

أتجه محمود إلى محطة الأتوبيس بعد أن أتفق مع الجرسون على أن الحساب قريباً للغاية فقد تبقى قليل على بداية الشهر و أصر على أن يعده بأنه سيكون هُناك بقشيش سخي يُعوضه عن هذا التأخير – لم يُعقب الجرسون فهو يثق في كلام محمود ثقة عمياء كان يرى فيه بقايا ذلك الشاب التي تموت بداخله بلا أحلام بلا طموح بلا غد أبتسم له قائلاً لا تقلق يا محمود بيه كُله مية سنة و تتعدل و قهقه و أنصرف أخذ محمود يتمنى أن يكون سعيد الحظ و يركب الأتوبيس أبو رُبع جنيه ليستطيع الحصول على ساندويتش طعمية ساخنة في مُنتصف اليوم يُساعده على الإستمرار حياً حتى يعود إلى البيت و لكن الحظ لم يكُن به رحمياً هذا اليوم فقد أستقل الأتوبيس الأخضر أبو جنيه كامل دفعه للسائق و هو يبتسم قائلاً صباح الفُل يا عم عبده داعبه عم عبده قائلاً اليوم اللي مش بشوفك فيه على المحطة يا أُستاذ محمود بزعل أوي.

جلس محمود يُردد أذكار الصباح و يدعو الله و يستغفره و يستغفر لأبيه الراحل و بدا كأنه يتحدث إلى نفسه ربنا يرحمك يا حج عبد الفتاح صحيح أنت عُمرك ما حجيت و لا زُرت بيت الله من أصله بس الأمانة أنت كُنت راجل مُحترم يا رب تكون مبسوط في الجنة يا حج و أكيد ربنا هيسقط عنك الفريضة دي أو إن شاء الرحمن هأقضيها أنا عنك يا حج – كان أبوه قصة عظيمة لن تتكرر في تلك الأيام من الإستقامة و الأمانة و النقاء البشري النادر.

أخذ محمود يمشي بسُرعة شديدة حتى وصل إلى العمل مُبكراً كعادته وقع في دفتر الحضور صباحاً أمام فرد الأمن العجوز الجالس أمامه و الذي لم ينسى أن يدعو له ربنا يباركلك يا محمود يا بني في رزقك و في بيتك و في عيشتك أبقى أدعيلي يا محمود ربنا يمد في عُمري لحد ما أروح العُمرة دي خلاص و الله يا محمود هانت أوي كُلها ألف جنيه و أبقى كملت تمنها – العُمرة بقت غالية أوي يا محمود – تعرف يا محمود أبويا الله يرحمه حج سنة 85 و بخمس تلاف جنيه بس و رجع معاه حجات ياما ده وزع هدوم على كُل الحارة يا أخي, ابتسم له محمود قائلاً ماتخفش يا عم فضل اللي بيدور على ربنا – ربنا بيلاقيه و أنت قربت تقبض الجمعية و إن شاء الله تروح و تتبسط بس متنسانش في الدعوات.

دخل محمود إلى المبنى و قرأ كثيراً في القُرآن حتى بدأ الموظفين في التوافد و العمل في الحركة كان كالعادة يجتهد في عمله مُتحملاً سخافات المُديرين أو الموظفين بعقود دائمة فهو كان من العمالة المؤقتة لأنه بلا واسطة – كُلما دخل مكتب لينتهي من بعض الأوراق وجد الأحاديث السياسية لا تنتهي حتى أنه أصبح يكره كُل تلك الأحاديث يتمنى لو يستطيع أن يقتني موبيل بسماعات مثل هذا الذي تقتنيه الآنسة نشوى مُديرة مكتب الرئيس لعله يستطيع الإستماع إلى آيات الذكر الحكيم بدلاً لهذه الأحاديث التافهة, مُنذ أن قامت الهوجة الأولى و الكلام لا ينقطع هو صحيح أستبشر خير لما الإخوان مسكوا الحُكم و قال البلد هتنضف بقى و كُله هيشتغل بجد و الموظفين هيتظبطوا و يبطلوا يجيبوافي سيرة بعض طوول ما هُما قاعدين إلا إنه لم يلمُس أي تغيرُ في أي شيئ لدرجة إنه حس إن مُبارك كان إخوان و بيضحك على الناس.

و بعد كده لما شالوا الإخوان قالك بس البلد هتتظبط بقى و الكلام اللي بنقرأه في الجرايد ده هينتهي و الأمن هيرجع إلا إنه مفيش حاجة حصلت وجعه قلبه و هو بيفتكر البنت الغلبانة نوال اللي طلعوا عليها أغتصبوها و رموها رمية الكلاب لحد ما ماتت قبل الإسعاف ما تيجي – إسعاف إيه بس يا عم اللي هتيجي لواحدة زي نوال – دخل مكتب الأستاذ أنس لقاه بيسلم عليه كويس و بيسأله عن أخباره أستغرب أوي من الموضوع ده يعني من إمتى الأستاذ أنس بيسأل على حد و أتعينت و لا لسه يا حودة – الله يخرب بيوتهم زي ما خربوا البلد عبيد البيادة ولاد الكلب.

الجوع كافر أوي و محمود عمال يُغض بصره على الأكل اللي داخل للموظفين قعد بيتخيل بقى لما يروح البيت و الحاجة هتبقى عاملة ليهم شوية عدس إنما إيه ملوكي بس يا سلام لو تعمل معاهم شوية شعرية كمان مع شوية بصل أخضر من بتاع زمان ده – لقى واحد بيقوله تعالى كُل يا محمود أضرب الساندويتش ده من كوك دوور – أعتذر بأدب مُعتاد و راح مكتبه و قعد يقلب في الورق يشوف إيه اللي ناقص لحد مع عم أحمد جه قاله البيه الكبير عاوزك.

وصل لمكتب الريس و هو بيقول فيه إيه يا ربي سأله شوية أسئلة كده مُعتادة يعني عن أخباره و أخبار الشُغل و بعدين فاجئه بسؤال غريب أوي يا محمود أنت رأيك إيه في اللي حصل ثورة دي و لا أنقلاب, محمود أرتبك و حاول يقوله يا سعادة البيه أنا ماليش في السياسة أصلاً إلا إن الريس أتعدل في مكتبه و قاله بلاش لعب عيال و شُغل صياعة عليا يا محمود سياسة إيه اللي إنت مالكش فيها أنت فاكرني مش عارفك يعني.

 

 

محمود أرتبك أكتر و كان هيعيط و قاله و الله يا بيه أنا ماليش في أي حاجة من الحجات دي و لا أعرف أصلاً عن السياسة أي حاجة – يا سلام أومال الجرايد اللي بتقراها دي بتقراها ليه – أنت مش بتصلي الفرض بفرضه في الجامع اللي جنب الشركة أنت مش مشترك في جمعية رسالة اللي هي أخوانية أصلاً – أنا بقى عاوز أعرف مين بيمولك و طالب منك إيه.

لأول مرة محمود يتكلم من زمان أوي أوي – قاله حضرتك عارف أنا عندي كام سنة أنا عندي 35 سنة و مش متجوز و عايش مع أُمي و أُختي الصُغيرة داخل جمعية بنُص مُرتبي عشان نعرف نجهزها أُختى اللي مكملتش في الجامعة عشان مش معانا فلوس نعلمها و مرمية بتشتغل في بوتيك في المنطقة عندنا و الباقي أُمي بتصرف بيه على البيت – مسألتش نفسك أنا ليه مش متجوز عشان مفيش شقة و لا جهاز و لا حتى واحدة ترضى بيا – و حضرتك جاي تكلمني في سياسة و أنا مُنتمي لمين و لا الجرايد و الصلاة بقت تُهمة دلوقتي يا سعادة البيه.

أوعى تكون فاكر إن الشوية بتوعك دول هيخشوا عليا – البلد كُلها في حالة تقشُف و لازم الناس تراعي الحالة الأقتصادية و على العموم أنت حويط و مفيش دليل عليك بس أنا لسه شايفك خارج من مكتب الأستاذ أنس و كُلنا عارفين إنه إخواني بس ده مش دليل خلي بالك بقى أنت العيون كُلها محطوطة عليك.

الانتظار في ظل هذا الجوع كان أمر حتمي ما يوجد في جيبه لا يتجاوز ثمن تذكرة أتوبيس الهيئة بأي حال من الأحوال ظهر الأتوبيس كان زحمة أوي أوي إلا إن محمود بجسده النحيل قدر يتشعبط على الباب و يندس فيه المُشكلة كانت في الشيخ الكبير اللي قعد يجري ورا الأتوبيس و مسك في الباب بس ملحقش يُنط فيه فوقع و أتجرجر على الأرض حاسب يا أسطى حاسب يا أسطى – فيه إيه يا أفندي على المسا مالك بتزعق ليه – يا عم الراجل وقع على الأرض طب و أنا أعمله إيه هوا اللي مش بيعرف يُنط و بعدين ما الأتوبيسات ورايا فاضية كتيرة أنتوا اللي عاملين زحمة بالأونطة.

و هو في الأوتوبيس سمع مُناقشة حامية خالص بين أتنين واحد بيقول ده إنقلاب عسكري و التاني بيقوله دي ثورة شعبية عينه دمعت و هوا بيفتكر نوال اللي ماتت و لقى نفسه بيقولها و يا ترى إنتي رأيك إيه يا نوال.