لم يرها من قبل و هو أيضاً لن يراها لأنهما أبعد ما يكونا عن بعضهما هو يعيش في القارة السمراء و هي تعيش في القارة العجوز و بالتحديد في أرض الضباب.

تعرف عليها من خلال كلماتها كان فقط مُجرد قارئ يبحث بشغفه الدائم عبر المُدونات المُتعددة عن أي شيئ يقرأه كان موسوعي القراءة و الثقافة إلا إن أهم ما كان يُميزه عن باقي أقرانه من القُراء أنه كان مُرهف الإحساس و لكن فقط على تلك الشبكة العنكبوتية أما في الخارج – في أرض الواقع الباردة كان مُجرد آلة تستيقظ و تذهب إلى العمل مُبكراً كي يستطيع أن يكسب رزقه الذي يتوزع على البيت و الكُتب التي طالما آثارت العديد و العديد من الخلافات مع زوجته كانت أحلى أوقاته و هو يُراقف ذلك الملاك البرئ نائم في سريره الخشبي المُزين بأشرطة مُلونة و يتدلى من سقفه بعض ألعاب بلاستيكية مصنوعة في الصين.

تصادف أن قرأ لها تدوينة واحدة أحس بها تحفُر في أعماقه بشدة كتب تعليقاً كان الوحيد الذي ردت عليه من بين مئات التعليقات التي وردت إليها على تلك التدوينة تعليقه كان عميق إلي هذا الحد الذي أشعرها بسعادة غامرة أن هُناك من وصله هذا الإحساس الدافئ التي عبرت عنه بصدق تخيلته أحد فُرسان أوربا الوسطى و تخيلها أميرة عربية أصيلة تتحدث بكلمات فصيحة ساحرة رأى فيها ذلك الحُلم الذي لم يستطع يوماً أن يحلُم به و رأته ذلك الرجُل الذي لا يتكرر في العُمر كثيراً.

بدأت تكتُب في شغف و بوحي أقوى و أعمق من ذي قبل و بدأ يقرأ و يتلقى الكلمات كزهرة وحيدة في صحراء جرداء تتلقى قطرات من الماء لم تحصل عليها من ذي قبل كانت كلماتها ترسم أمامه قلاع و قصور و أراضي خضراء و أشجار ذات ظلال وارفة و كانت تعليقاته و ردوده تمنحها الطاقة و تُفجر بداخلها ينابيع الإبداع المُتناهي لم يسع يوماً أن يعرف من هي و لم تسع يوماً أن تعرف من هو خلف الأسماء المُستعارة هُم كتلك العنقاءِ تحت الرماد.

كتب ذات يوم “و لما كُنت أقرأ و أقرأ دون أن أشعُر دون أن تُطهرني تلك القراءات من عذابات الواقع و غموض المُستقبل دون أن تُصاحبني إلى أعلى إلي حيثُ أنتمي إلى عالم خاص مواز بعيد عن كُل تلك التعقيدات و المشاكل الحياتية كُنت على مشارف بلوغ الحد الذي سأتوقف معه عن القراءة أو الإلتفات إلى سحر الكلمات وجدتها هي – وحدها تكُتب كما لو كانت تكتُب لي أنا وحدي كانت مثل تلك الواحة التي رأيتُها و أنا على مشارف الهلاك في صحراء قاحلة تُمثل هذا العالم المُوحش الذي أعيشه”

لم يكُن يُدرك أنها تُتابع مُدونته التي بها فقط قُصاصات صغيرة من كلامه فهو لا يكتُب بغزارة أو بفوضى هو يكتُب فقط حينما يستطيع أن يُحرك أصابعه على تلك اللوحة السحرية التي يراها أحياناً ترسم له ملامح الحياة التي أرادها ملامح المُجتمع الذي كان يود لو ينتمي له قرأت هي كلماته الأخيرة أدركت أنها لها أبتسمت في حنية فائقة و تسائلت ألهذا الحد أنا قادرة على الإلهام و التغيير ألهذا الحد هُناك من يتأثر بكلمات و بحروفي.

استعدت في المساء لتلك الوجبة من الكلمات الدسمة أضافت الكثير من الأحاسيس الصادقة إلى كلماتها أسرفت قليلاً في إستعمال المُحسنات اللفظية حتى بدت تلك الكلمات كفاتنة ترتدي الرداء الأحمر في حانة فرنسية تنتظر من الحاضرين أن يسمحوا لها بإبراز مفاتنها في الرقصة القادمة مع راقص مُحترف يستطيع أن يُخرج ما بداخلها من إثارة كتبت ” فارسي الحبيب كم هي مُظلمة و باردة تلك الليالي التي أنت بعيد فيها عن واحتك – آه لو تستمع لأصوات النخيل العذبة و هي تتسائل عن سر غيابك لو تعرف كم هي ظمآنة تلك الينابيع لعذوبة كلماتك آه لو تُدرك أن حتى البلابل هُنا ما تزال تشدو بأشعار صاغتها لك و لحضورك”

كان يتجه في طريقه و هو يتألم بشدة و صمت من منظر هذا الطريق الضيق يتسائل عن ماهية هؤلاء الأشخاص الذين يضعون كُل تلك القمامة في الشارع – نِفر بشدة من رائحة المجاري الطافحة – تلوث سمعه و بصره بما يكفي من إشارات بذيئة و هو يُكافح حتى وصل إلى ميدان فيكتوريا و هو يتسائل ” العربية دي رايحة أول عباس”