رحيل نيلسون مانديلا قبل أيام جعل ذاكرتى تسترجع حوارا قصيرا دار بينى وبين والدى – السلفي – خلال زيارته الأخيرة لى بسجن برج العرب بداية ابريل عام 2007 .
الزيارة التى لم تتكرر وكانت هى المرة الأخيرة التى أراه فيها أو أرى أيا من أفراد عائلتى قبل أن تسلمنى إدارة مباحث أمن الدولة بالإسكندرية إليهم يدا بيد بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات ونصف فى منتصف نوفمبر عام 2010 كان غرضها الرئيسي مساومتى على مواقفى التى حكم على بالسجن لأربع سنوات من أجل تمسكى بها وأعلانى عن ذالك .
والدى لم يكن يأبه لما أخبرته به عن وضعى المتردى داخل السجن ، حيث كانت إدارته تضعنى فى زنزانة حبس إنفرادى بعنبر شديد الحراسة والذى هو مخصص لفئتين لم أكن أنتمى لأى منهما وهما “المحكوم عليهم بالاعدام” و”الموقع عليهم جزاءات تأديبية” داخل السجن .
فالإدارة ممثلة فى المأمور ورئيس وضباط المباحث كانوا يتعاملون معى منذ اليوم الأول وكأنه منوط بهم الأخذ بثأر المجتمع – الذى شعر بالإهانة عندما عبرت عن رأي رآه خارجا عن سياقه وخطوطه الحمراء – منى ، فلم يكتفوا بتأدية دورهم الطبيعى المنحصر فى تنفيذ الحكم القضائى الموقع ضدى والذى يقضي بإيداعى بالسجن كالمسجونين الآخرين المحكوم عليهم بعقوبة تسلب منهم حريتهم لفترة من الزمن ، ولكن كانوا يعبرون من خلال ممارسات غير إنسانية عن مشاعرهم الشخصية تجاهى وتجاه ما فعلت ؛ تمثل ذالك فى إيداعى بزنزانة لا تحتوى على دورة مياه ولا يسمح لى بمغادرتها حتى للاستحمام وخالية مما يضيء ظلامها ليلا .
كنت طوال تلك الفترة – والتى دامت لخمسة وستين يوما – انتظر أن يبادر أى شخص إلى زيارتى كى أطلعه على تلك التفاصيل الموجعه آملا فى أن يساهم ذالك فى ممارسة ضغوط على ادارة السجن وقطاع مصلحة السجون وتتدخل لتحسين وضعى بنقلى لعنبر آخر كباقي العنابر التى يشغلها السجناء المحكوم عليهم بالسجن ، وتخيلت أن زيارة والدى هى الفرصة السانحة لإيصال هذه الرسالة الى محاميي – الذين لم يكن لديهم علم فى هذا التوقيت بمكان إحتجازى – أو حتى لأى من الجهات المتعاطفة والمساندة والمتعاونة ، غير أن اللهجة التى تحدث الى بها والدى جعلتنى أفقد الأمل تماما !!!!.
كان والدى قد إستهل حديثه معى بعد أن حل الجندى الذى رافقنى من العنبر إلى غرفة الزيارة قيدا كان قد وضعه فى يداي على باب زنزانتى دون سبب واضح ومفهوم ودون أن يعير والدى الأمر أدنى إهتمام يذكر، إستهله بتنبيهى إلى أن هذه قد تكون آخر مرة أراه فيها ان لم أمتثل لما يطلبه منى !!.
كان طلب والدى – والذى يبدو أنه قد صيغ فى ذهنه جيدا قبل ساعات من توجهه لزيارتى – يتمثل فى أن أبادر بالإعلان عن توبتى وتبرأى من المقالات التى كتبتها وكانت سببا فى دخولى السجن لإحتوائها على ما رأت فيه جامعة الأزهر والنيابة العامة والمحكمة والمدعين بالحق المدنى إزدراءا وتحقيرا للإسلام وإهانة للرئيس المصرى (السابق) مبارك .
أجبته موضحا أن قناعتى بصحة موقفى جنبا إلى جنب مع إيمانى الراسخ بحريتى وبحقي المطلق فى التعبير عن رأيي دون قيود يدفعنى إلى التمسك بموقفى والثبات عليه خاصة أننى إتخذته وأنا مدرك تمام الإدراك لعواقبه وتبعاته ، وهو موقف موجه بالأساس ضد القيم الاجتماعية السطحية المحقرة للحريات والمحرضة على إنتهاكها وأيضا هو موجه ضد القوانين المقيدة للحريات فى مصر ، والتى خاطرت – عن طيب خاطر – من أجل تحديها والتمرد عليها ، معبرا له – فى ذات السياق – بحدة تتلائم والموقف عن رفضي الشديد للمساومة على مواقفى وقناعاتى ، وأن زيارته لى غير مرحب بها من جانبي إن كانت مشروطة بإتخاذ مواقف بعينها لا تتوافق وقناعاتى وما أؤمن به ، وأنه إن أصر على ذالك فلن أكون راغبا فى أن أرى وجهه أو وجه من يتفق معه فى هذا الموقف مرة ثانية .
حديث والدى معى بلهجة إتسمت بالغضب والحدة والتجهم المصحوبين بسيل من التهديد والوعيد الموزعان الموزعان بين الدنيا والآخرة ، لم يمنعه من أن يتسائل أمامي وبصوت مرتفع عن الدافع الذى يجعل شاب فى مقتبل العمر يغامر بأربع سنوات من عمره من أجل قضية لا يرى أنها تستحق المخاطرة أو التضحية !!.
لم يكن تساؤل والدى غريبا على شخصيته التى أعرفها ، وأحفظ خصائصها جيدا ، وهو نفسه الذى أتذكر كيف كان وجهه تعلوه خليط من ملامح الخوف والرعب والفزع وهو يقوم – بعصبية بالغة – بإحراق ورقة من جريدة يومية دخلت الى بيتنا كمغلف لبعض مشتريات السوق لمجرد أن صورة صديقه الراحل “يحيي مصطفى شحرور” وخبر الحكم بإعدامه على خلفية ادانته فى قضية تنظيم طلائع الفتح فى تسعينيات القرن الماضى تحتل مساحة منها !! .
كانت مخاوفه وهو يقوم بإحراق الصورة قد بلغت حدا هيستيريا ، فقد كان والدى يعتقد أنه من المحتمل أن تقتحم قوة من ضباط مباحث أمن الدولة شقتنا الصغيرة ويفتشونها جيدا ومن ثم يعثرون على تلك الوريقة التى كان والدى يعتقد جازما أنها قد تكون سببا فى القبض عليه وتعذيبه والتنكيل به ، ويجدر بالذكر هنا أن الراحل ” يحيي شحرور” كان أحد من تركوا أثرا كبيرا فى والدى وساهم فى تغيير مجرى حياته تماما من النقيض إلى النقيض ، فهو الذى أقنعه بإطلاق لحيته والإلتزام بالمنهج السلفي وإلزام والدتى بإرتداء النقاب وغيرها من “الخيارات” المتشددة ، ورغم كل هذا لم يكن لديه أدنى إستعداد كى يدفع الثمن ذاته الذى دفعه هذا الرجل الذى ضحى بحياته من أجل ما يؤمن به ، بل تخلى عنه والرعب يمتلكه من أن يطاله مصير كمصيره معبرا عن ذالك بإحراق تلك الوريقة !!!.
فكرت وقتها أن شخصا مثله يتصرف بهذا القدر من الهلع لمجرد أنه يخشى أن يلحقه مصير طال صديقا له مؤمن بنفس ما يؤمن ويعتقد به لا أعتقد أنه قد يفهم معنى أن تحارب من أجل ما تؤمن به وتقدم ما تستطيع من أجله ، وكان من المنطقى جدا أن يأتى إلى فى السجن ويساومنى على موقفى معتقدا أن مسعاه المتمثل فى دفعى فى الإتجاه الذى يريده سيكلل بالنجاح ؛ مواقفه اللينة التى أشرت اليها قبلا جعلته عاجزا تماما عن أن يتخيل – مجرد تخيل – وجود من يتخذ موقفا صلبا داعما لما يعتقده ويراه صحيحا ويؤمن به ، ويتمسك به على الرغم من كل شىء .
وقبل ان يغادر الرجل متوعدا إياى بعدم زيارته لى مرة اخرى كرر أمامى تعبيره عن حسرته عن تلك السنوات الأربع التى ستضيع من عمرى داخل السجن ومكررا تساؤله عن جدوى أو هدف ذلك فى لهجة من لا يبدو أنه ينتظر إجابه ممن يخاطبه ، فأجبته بأن ما يحدث لى لا يساوى شيئا إن قورن بما بذله وضحى به آخرين من أجل ما يؤمنون به ، وذكرت فى السياق ذاته إسم مانديلا مقارنا سنواته الطويلة التى قضاها فى سجون نظام بلاده العنصرى السابق بالعدد الهزيل من السنوات التى حكم بها على ، غير متعمدا لأن أقارن نفسي به ، فلست أهلا لذالك بالطبع ، فقط كنت أحاول لفت نظره الى أن العالم لا يحتوى على جبناء فقط مثله ينفعلون و يمزقون ورقة هزيلة خشية أن ينكل بهم ، لكن ردى أثارة الى حد لم أستوعبه وجعله يصرخ في وجهى -بطريقة جعلت جميع من هم فى قاعة الزيارة من حراس وزوار ومسجونين يحولون أنظارهم نحونا – قائلا : “ملقتش غير الكافر ده تشبه نفسك بيه” !!!!
عندها أطلق الحارس صفارته معلنا عن انتهاء مدة الزيارة ، وليته ظهرى عائدا الى زنزانتى ، ولم أر وجهه مرة أخرى إلى أن غادرت السجن .