تتقلب الأجواء هذه السنوات كثيرا ، ربما لأني أحسها ، ربما لأني لم أعد اتقن إلا الشعور بتقلبات الجو ، تقلبات ترهقني منذ سنين ، أحس معها أن هناك عظاما هزيلة في طريقها إلى الرحيل .
أذكر السهرات البهلوانية التي كانت تميزني ، تميز أصدقائي و رفاق دربي
“ سعيد ، محمد فال ، العتيق ، محمود ، المختار ، ”
هؤلاء هم عتبات حياتي ، محطات شبابي ، من قبل كنت أحس ببعض العنفوان الذي يتصارع مع حقيقتي ككهل ضعيف حين ألتقي أحدهم ، حين نسير في الشوارع الضيقة وبعضنا يسند الآخر ونحن نحاول تذكر حماقاتنا القديمة ، حتى تذكرها نعجز عنه أحيانا ، كنا نتبادل القصص القديمة ونحن نضحك ، كان لكل منا صفة تميزه ، وأشياء يتقنها ، كان سعيد الذي مات منذ عشرين عاما إثر مشاكل كلوية ـ تعاملت معه برعونة يتقن النكات فيداعبنا جميعا ، يلقب كلا منا بلقب مضحك ، ” بوجناح / مليزم أحبيب / أقرشي / الديكراش / ، وأنا / المحكن ” ، ـ

 طبعا لن تطلبوا مني أن أوزع الألقاب على اصحابها ـ حسب سعيد ـ ، لأن ذلك ليس من شأنكم كما تعلمون ـ هذا هو سعيد ” المشعور ” عليه رحمة من الله ورضوان ،
جميعهم كانو أشياء مهمة في حياتي ، لكن الرقم الأول والأهم فيها كانت تحتله زهرة حياتي ” لالة ” ،،،، نعم، هي الآن زهرة تصارع الشيخوخة مثلي تماما ، لكن رغم كل الأزهار الشابة التي التي تنثر عبيرها على أرصفة الطرقات كنت لا أرى إلا زهرة واحدة ، لا أرى إلا هي، قد تقولون أنها ذابلة ، لو قلتموها لقلت ـ جازما ـ : أنتم لستم سوى مبتدئين في علم الأزهار ، إنها تتفتح كل يوم أمام ناظري ، نعم .. أراها تستند كل يوم على الجدار مغالبة آلام الظهر وأراها تتوكأ على عصاها وتمسك باليسرى حرقفتها ، وماذا في ذالك ؟؟؟؟!!! لقد كانت عادتها منذ عرفتها ، كانت تعشق عصاها وكانت تتوكأ عليها ايضا ، لقد عرفتها ذات شباب قبل اي لحظة متوكأة على تلك العصا ، لقد كانت سببا في إلهامي ، لست أذكر الكثير ،،، أعذروني فغريب على شخص في سني أن يتكلم عن الأزهار ،،، لكني أخشى أن تظنوا أني مجنون ، لأنكم ستكونون مخطئين ببساطة ، لم أعد أهتم بشيء الآن ، لكني مصر على على أن لا تصفوا زهرتي بالذبول ، حتى لو كنتم تظنونها تستحق ذلك ،
“محمد فال” ، أو” اقرشي ” كان نحيفا ورشيقا جدا ، سريع الحركة ، كان يوقعنا في المشاكل ـ ونحن أطفال ـ ثم تنجيه رجلاه وسرعة جريه ….. كيف تسألني ، كيف ؟! ، إنه سريع جدا وخفيف الخطوات ـ
مشكلة هذا الجيل أنهم لا يفهمون ـ لذالك لقبه سعيد بـ …. لا ، الحمد لله اني لم أقلها ، لا يجوز تلقيب رجل مات منذ سنين ، ألم أقل لكم أني لن أوزع الألقاب ؟! نعم يجب علي المحافظة على خصوصيات اصدقائي ، مات محمد فال في الخمسينات من عمره في حادث سير ، هو محظوظ جدا لأنه ـ على الأقل ـ لم يمت جراء السل .
“العتيق” أو “أمليزم أحبيب ” ، المسكين مات جراء السل ، أخشى أن يكون كل ذلك دعوات سعيد الذي كان يصمه بالبخل ،،،،،، لا لم يكن بخيلا أبدا ، لقد كانت حوارات نارية بين الاصدقاء والقارسة أحيانا ـ كهذا الحر ، لا أقصد كهذا الحر ـ ،
رحم الله محمود ، لقد كسرت جناحه ونحن نتسلق شجرات الطلح ، لطالما كان ضعيفا هشا ، أصيب بأمراض في صباه وكانت عظامه ضعيفة جدا ، وقد التوى جناحه بعد ذلك الكسر ، كان من أكثر الناس لطفا وطيبة وقد احزنني كثيرا وفاته في العام الماضي ، كان آخر الجميع موتا ، وكانت صداقتي به في شيخوختي أعمق ، رحمه الله كان سيموت منذ عقود لو لم ينقذه “المختار “،،،، “المختار” ، لقد حمله لمسافات طويلة على كتفه ، لقد ضاعا ذات مرة في اشتداد الحر وأصيبا بعطش شديد ، أغمي على محمود ، فحمله المختار على ظهره ومشى به على غير هدى ، تفاصيل ذالك لا أذكرها جيدا ، لكني أعرف أن بعض الجمالة وجدوا جثة المختار وقد خط على الارض” يوجد شخص آخر ” ثم غطى الجملة بدراعته، وجدو ا “محمود ” ملقى على وجهه في حفرة مظللة بـ “دراعة” في ما يشبه خيمة أعدها له ديـكـراش …. لا .. أقصد ” المختار “، رحم الله الجميع ،،، لقد سامحت سعيدا ، وجميعهم أيضا أظنهم سامحوه ، لقد تغيرت حياتنا بعده ، كلما فقدنا أحدنا تتغير الحياة والآن أفكر كثيرا وأخشى من التفكير ، و أتذكر ، نعم أنا مؤمن تماما ، لكني إنسان ، إنه قضاء الله فعلا ، لا راد له ، لكني أحس .مهما كان ما سيحدث فأظن أن من حقي أن أجزم لكم أني أتمنى أن أكون التالي ، لا شك أن ذلك سيكون مؤلما للالة .وتلك أنانية ـ شيئا ما ـ مني ، لكني أفضل لها أن تتألم مائة مرة على أن أتصور حياتي بدونها .
……….. هيا يا أصدقائي الصغار ليذهب الجميع ، أنتهت قصة اليوم ، يبدو أن “لا لة” قد وصلت وهناك أشياء سأبحثها معها ، فل تسمحوا لي ببعض الخصوصية . .. من فضلكم !! . “
ــــــــــ 2007 ـــــــــــــــــ