الستار مغلق .. يخرج من وراءه شاب في منتصف الثلاثينيات .. يوجه كلامه للجمهور:

( النهاردة الصبح فتحت الفيس بوك، لقيت واحد بعتلي طلب صداقة؛ قبلتها .. دخلت بعدها على صفحته لقيت أصدقائه بيقولوا إنه مات .. أرخم ميت شفته في حياتي .. كان عايز يفهمني مثلا إن صداقتي كانت آخر أمنياته، ومش عايز حاجة من الدنيا بعد كده؟!!! .. على كده ليلة لما مات مسك الورقة إللي كتب فيها أحلامه وهو صغير .. ( يقلد مسك الورقة والقلم ليضع علامة ” صح ” في نهاية كل جملة ):

ـ أتخرج من الجامعة

ـ أشتغل

ـ أسافر

ـ أتجوز وأخلف

ـ أجيب عربية

ـ اتصور مع محمد منير وأحمد خالد توفيق

ـ أعرف ستات كتير من ورا مراتي

ـ انتقم من العيال إللي كانت بتضربني في المدرسة

ـ أبعت طلب صداقة لـ ( مراد راشد )

وخلاص ( بفرح الانتهاء من عمل شاق ) .. يموت هو مستريح ( يشهق ويغمض عينيه ويدلدل رأسه مدعيا الموت ).

ولا جايز كان قاصد يرخم بجد؟!!! .. فعلا مفيش حاجة تتغابى بيها على حد أكتر من إنك تبعت طلب صداقة لواحد وتموت بعدها .. يعني لو كان عيان بمرض خطير أو ناوي ينتحر يقرر إن موته لازم يعمل عاهة مستديمة في واحد .. طيب إشمعنى أنا؟!!! .. أنا لا أعرفه ولا عمري سمعت بيه أصلا ؛ يعمل معايا كده ليه؟!!! .. كان ممكن سيادته يتفضل يموت على طول أو يسلي نفسه بأي حاجة تانية وهو بينتحر .. طب لو كان الموت جاله فجأة يا ترى عمل إيه؟!!! .. أكيد قال لملاك الموت ـ لو فيه حاجة كده يعني ـ ” لحظة بعد إذن حضرتك ” وضغط على إرسال طلب الصداقة، وبعد كده قاله وهو مبتسم بارتياح: اتفضل أنا جاي معاك .. أو يمكن فضل يعافر معاه ( يمد ذراعه مختنقا كأن أحدا يمنعه من الضغط بالماوس على إرسال طلب صداقة ): ” إوعى .. مستحيل تاخدني إلا لما أبعت طلب صداقة لـ ( مراد ) .. سيبني ” .. وبعد كده خلاص ( يشهق ويتهاوى ذراعه ويهمد جسده ويغمض عينيه ويدلدل رأسه مدعيا الموت ) .. يموت وهو مستريح .

لكن ليه مافترضش إنه كان عايزني أنقذه؟!!! .. لو ده صحيح .. ( يضحك بسخرية ): ابن الهبلة ده يعرف عني إيه عشان يفترض ده؟!!! ).

يفتح الستار

المسرح مقسم لثلاثة أجزاء دون أي فواصل:

في أقصى اليمين امرأة في منتصف الخمسينيات ترتدي ملابس البيت، وتجلس على كرسي أنتريه .. أمامها طاولة عليها بعض الكتب وتليفون .. المرأة تمسك بلعبتين ( كلب وقطة )، وطوال الوقت تضمهما إلى بعضهما في أوضاع جنسية مختلفة .. تجعل القطة نائمة والكلب فوقها .. تجعل الكلب يركب القطة من الخلف مع حركة الممارسة .. طوال الوقت.

في أقصى اليسار شاب آخر في منتصف الثلاثينيات جالس على طاولة مقهى بمفرده، يمسك بحبل ويصنع منه مشنقة ثم يفكها ويصنعها من جديد ثم يفكها ثانية .. طوال الوقت.

في المنتصف جهاز كومبيوتر وتليفون، وسرير صغير وكرسي يتوجه إليه ( مراد ) فور فتح الستار.

يجلس ( مراد ) على الكرسي أمام شاشة الكومبيوتر ويقرأ باستغراب شديد:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية ) …

ينهض ( مراد ) من أمام المكتب وهو ينظر إلى الشاشة بضيق وحيرة…

يخاطب نفسه:

( إحساس غبي جدا إنك تقعد عشان تكتب حاجة كلامها محفور في دماغك بوضوح، وبعد ماتكتب كام جملة كل شيء يتمسح من ذهنك ويضيع )…

يعود للنظر إلى شاشة الكومبيوتر ويقرأ نفس الجمل:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية ) …

( بمرارة متهكمة ):

( بقالي 3 ايام قاعد قدام الشاشة أعصر في دماغي بحاول أفتكر الكلام إللي ضاع مش قادر ..  المشكلة مش إني مش فاكر بقية الكلام .. المشكلة إني مش قادر أسترجع الأفكار إللي خلت الكلام ده يتشكل في دماغي )…

يقرأ مجددا من الشاشة:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية ) …

يعود مخاطبا نفسه:

( الجمل القليلة دي مش مساعداني لأني لقيت نفسي فجأة مش فاهمها .. 3 ايام وأنا مبخرجش من البيت ولا بكلم حد .. قاعد قدام الشاشة بفكر في حل لغز من أربع جمل .. أربع جمل مش قادر أفسرها ولا قادر أتجاهلها  كأنها تعويذة أو شفرة أو اشتغالة غامضة كتبها واحد غيري .. الغريب كمان وإللي مزود خنقتي ببشاعة إني مش قادر أسيبها وارجعلها تاني بعد فترة زي ما انا متعود في كل مرة أحس إن ذهني اتحجر ومش قادر أكمّل كتابة .. فيه حاجة مجهولة في الأربع جمل دي بتجبرني على القعاد قدامها والتفكير فيها طول الوقت .. حاجة تقيلة حبساني جواها ومنعاني أسيب الصفحة دي من غير ما أفهمها وأكملها ) …

يتمطى بإرهاق ويتنهد وينفخ في زهق ثم يجلس بجوار التليفون ويطلب رقما .. يرن التليفون في الجزء الأيمن من المسرح؛ تترك المرأة الخمسينية الكلب والقطة وترد:

ـ آلو

ـ أيوة يا منال .. إزيك

ـ إزيك إنت  يا مراد عامل إيه ؟

ـ تمام .. معلش بقى بقالي كام يوم مشغول جدا ومش قادر أنزل أجيلك

ـ مالك انت تعبان ؟!!!

ـ لأ ليه ؟!

ـ ما انت كنت عندي امبارح؛ انت نسيت ؟!

ـ ( بدهشة قلقة ) أنا كنت عندك امبارح ؟!

ـ أيوة يا بني .. فيه إيه مالك .. لا حول ولا قوة إلا بالله

ـ ( يجاريها كاتما فزعه ) : يا شيخة أنا بهزر معاكي

ـ بتهزر ؟! .. صدقني أنا والله بقيت خايفة عليك جدا

ـ من إيه بس ؟

ـ حاسة إن مخك معدش مظبوط وامبارح كانت حالتك صعبة جدا

ـ صعبة إزاي فهميني بس واحدة واحدة

ـ يعني مش فاكر انت عملت إيه امبارح ؟!

يترك ( مراد ) السماعة بجوار التليفون ويتوجه إلى الجزء الذي تجلس فيه ( منال ) .. تترك ( منال ) السماعة بجوار التليفون وتأخذ الكلب والقطة وتواصل ما كانت تفعله بينما بهما بينما ( مراد ) يقف أمامها .. يمسك بالكتب التي على الطاولة أمامها واحدا واحدا، ويقرأ وهو يبتسم عنوانه بصوت مرتفع ساخر:

( أفضل الطرق لتخيل عائلة ) .. ( أجمل الوصفات للعيش بدون أصدقاء ) .. ( الأساليب الصحيحة لتمضية العمر مع الذكريات المؤلمة ) .. ( نصائح للإقامة الطويلة وسط الجثث ).

ينظر ( مراد ) إلى ( منال ) ويقول لها:

( على فكرة فيه كتاب جديد نزل السوق لازم تشتريه .. ( أنجح الوسائل للاعتذار إلى الحياة والموت ).

يترك ( مراد ) أخته ويعود إلى الجزء الخاص به في منتصف المسرح، ثم يمسك بسماعة التليفون كما كان .. تترك ( منال ) الكلب والقطة، وتمسك بسماعة تليفونها ثانية …

ـ معلش يا منال أنا جايز فعلا أعصابي تعبانة اليومين دول.

ـ خد بالك من نفسك وربنا يهديك.

ـ مع السلامة.

ـ مع السلامة.

تضع ( منال ) السماعة، وتعود لما كانت تفعله بالكلب والقطة .. ( مراد ) بعد أن وضع السماعة مكانها بذهول ورعب:

( بقى أنا كنت عند أختي امبارح وقلتلها كده؟!!! )

ينهض ليدور حول نفسه بخطوات مرتعشة:

( أختي اتجننت ولا أنا إللي في غيبوبة ومش داري بعمل إيه؟!!! )

يضحك بخوف ..  يقترب من الشاشة، ويقرأ مجددا:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية .. يعرفون أن ابتسامات الغرباء التي تأكل غفلتك .. لن تصمد طويلا داخل بيوتهم )

يكرر الكلمات الجديدة التي أضيفت بدهشة:

( أن ابتسامات الغرباء التي تأكل غفلتك .. لن تصمد طويلا داخل بيوتهم )

يكلم نفسه:

( الكلام ده اتكتب إمتى ؟! .. أنا سايب الصفحة لغاية ( العودة إلى الوسائد بذاكرة نقية ) .. الكومبيوتر بيكتب لوحده ؟!!! .. كأن الصفحة انتهزت انشغالي مع أختي في التليفون وأضافت كلمات جديدة على الكلمات القديمة إللي لسه مش قادر أفهمها )

ينهار على الكرسي وينظر لأسفل واضعا رأسه بين يديه ويكرر الجمل بغضب وفزع:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية .. يعرفون أن ابتسامات الغرباء التي تأكل غفلتك .. لن تصمد طويلا داخل بيوتهم )

الشاب الثلاثيني الجالس على طاولة مقهى في أقصى يسار المسرح؛ يترك الحبل الذي لا يتوقف عن صنع مشنقة به وفكها ثم يمسك بموبايل ويتصل بـ ( مراد ) في منتصف المسرح…

يرن موبايل ( مراد )

مراد: أيوة

صديقه في أقصى يسار المسرح: إزيك النهاردة عامل إيه ؟

ـ أنا كويس يا ( حازم ) .. بتسأل ليه ؟

ـ أصلك مكنتش مظبوط خالص امبارح في القهوة…

ـ انت بتقول إيه ؟! .. أنا بقالي 3 أيام مخرجتـ.. إيه إللي حصل امبارح يا ( حازم ) أصلي مش فاكر…

ـ مش فاكر إزاي؟! .. دا إللي عملته امبارح ميتوصفش…

يترك ( مراد ) الموبايل، ويتوجه إلى أقصى يسار المسرح ليقف أمام صديقه ( حازم ) الذي ترك موبايله على طاولة المقهى وأخذ الحبل ليواصل ما كان يفعله به ثم يقول له ضاحكا بفخر واعتزاز:

ـ انا عايز اعترفلك بحاجة .. وانت قاعد معايا بفكر في امك .. بشتمك انا واصحابي في غيابك وبنتريق عليك .. بطننا بتوجعنا وعنينا بتدمع وأنفاسنا بتتقطع من كتر الضحك عليك .. كل كل حاجة بأقولهالك كدب واشتغالة .. أحيانا بنقلدك انا واصحابي ونموت من الضحك عليك أكتر .. باستدرجك من غير ما تاخد بالك عشان تكشف لي حياتك .. خصوصياتك هي الكوميديا الأساسية إللي منقدرش نعيش من غيرها انا واصحابي .. باستغل أي فرصة عشان أحكي للناس عنك: الجيران والبواب والبقال وسواقين التاكسات وبتاع الجرايد والحلاق وجرسونات الكافيهات والمطاعم .. لو عرفت بنقول عليك إيه هتعمل في نفسك الصح بالحبل إللي في إيدك ده .. أنا مش حاسس بوجودك أصلا .. ( ينفجر في بكاء حاد ) عشان كده أرجوك متحطنيش في دماغك، ومتجبش سيرتي مع حد.

يعود ( مراد ) إلى مكانه في منتصف المسرح، ويمسك بموبايله بينما ( حازم ) يترك الحبل ويمسك بموبايله هو الآخر   

مراد: انت متأكد إن انا قلت لك كده امبارح؟!!!

حازم: طبعا متأكد .. إنت ازاي ناسي؟!!! .. أنا نفسي أعرف بس مالك .. لو فيه عندك مشكلة صارحني واحنا نشوف لها حل مع بعض…

ـ لا أبدا مفيش مشكلة .. أنا آسف يا ( حازم )، أنا بس دماغي مشغولة من فترة ومش مركز … ما تقلقش .. عموما لو خرجت النهاردة ها اتصل بيك…

ـ ماشي…

ـ سلام

ـ سلام

يترك ( حازم ) الموبايل، ويمسك بالحبل ليواصل ما كان يفعله ..

مراد ( بعصبية وتوتر وضحك طفولي ):

( مش معقول طبعا أختي وصاحبي اتفقوا عليا .. بالتأكيد أنا روحت لأختي وقابلت صاحبي امبارح وقلتلهم كل الكلام الغريب ده .. حتى لو الكلام ده مش غريب، ودايما كان نفسي أقوله لهم من زمان وده كان مستحيل طبعا .. اشمعنى امبارح اتكلمت معاهم بصراحة كده )…

يضحك أكثر بقوة وخوف ثم يصمت ويجلس ناظرا في الأرض بفزع شديد…

يتجه فجأة لشاشة الكومبيوتر ويقرأ:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية .. يعرفون أن ابتسامات الغرباء التي تأكل غفلتك .. ستسقط من جيوبهم نقطة نقطة وهم عائدون إلى المخابيء .. يعرفون أن وجهك الذي يشبه مؤخرة بطة ميتة .. سيضيع حتما من عيون الصيادين .. أثناء انشغالهم اليومي بمقاومة أسنان كلابهم ).

مراد ( برعب بالغ وأنفاس مقطوعة وهو يتلفت حوله كأنه يبحث عن شبح ):

( فيه حد معايا .. نسخة مني أنا مش شايفها بتخرج وبتزور أختي وتقابل صاحبي وتكتب بدالي )…

يقرأ مجددا من الشاشة:

( نعم .. هناك خبراء في الحياة .. يعرفون أن الحماقات الباهرة .. من السهل طمس الثقوب التي عبرت منها، والعودة إلى الوسائد بذاكرة نقية .. يعرفون أن ابتسامات الغرباء التي تأكل غفلتك .. ستسقط من جيوبهم نقطة نقطة وهم عائدون إلى المخابيء  .. يعرفون أن وجهك الذي يشبه مؤخرة بطة ميتة .. سيضيع حتما من عيون الصيادين .. أثناء انشغالهم اليومي بمقاومة أسنان كلابهم ).

يتجه إلى السرير منهكا بشدة وذاهلا بخوف عظيم ويتمدد ويغلق عينيه.

تترك ( منال ) الكلب والقطة وتخلع ملابسها فتكشف عن ( بدلة وكرافتة ) ترتديها تحت ثياب البيت .. تتجه إلى أقصى يسار المسرح وتقول لـ ( حازم ):

( أي بني، انهض من مضجعك، واصنع أمرا حكيما .. اجعل للآلهة عبيدا يخدمونهم ويقومون بأوّدهم ).

يترك ( حازم ) الحبل ويقف ليخلع ملابسه فيكشف عن فستان يرتديه أسفل ثيابه العادية

يقول لـ ( منال ):

( إن الكائنات التي ارتأيتِ خلقها ستوجد، وسوف نصنعها على شبه الآلهة .. اغرفي حفنة من طين من فوق مياه الأعماق، واعطها للحرفيين الإلهيين ليعجنوا الطين ويكثفوه .. وبعد ذلك قومي انتِ بتشكيل الأعضاء بمعونة ننماخ أمنا الأرض .. عندها ستقف إلى جانبك ربات الولادة، وتقدرين للمولود الجديد يا أماه مصيره، وتعلق ننماخ عليه صورة الآلهة .. إنه الإنسان ).

 يمسك ( حازم )، و( منال ) بأيدي بعضهما .. يتجها إلى منتصف المسرح أمام الشاب النائم، ويرقصان كعاشقين برومانسية حامية .. بعد قليل ينهض ( مراد ) ويقف لينظر إليهما، ثم يبدأ في البحث بتوتر عن شيء ما داخل ملابسه .. في النهاية يخرج منها طائرة ورقية صغيرة ملونة ويجري بها ليحاول الرقص معهما لكنهما يتفاديانه ويبتعدان عنه أثناء رقصهما كلما اقترب .. يظل يحاول فيجد نفسه يرقص وحده بالطائرة الورقية، وهو يسعى للحاق بهما بينما يراوغانه مع استمرارهما في الرقص حتى يجلسا في مقدمة المسرح، وفي المنتصف تماما متعانقين بقوة ( حازم بالفستان، ومنال بالبدلة )، وعلى وجهيهما سعادة التحول من الشوق الرومانسي إلى الاشباع الجنسي .. يدور ( مراد ) بتردد وقلق حول ( حازم )، و( منال ) الجالسين متعانقين في منتصف المسرح .. يوجه حديثه إلى كل منهما بالتبادل بينما الحروف تضطرب على شفتيه وهما لا يلتفتان له:

ـ ممكن تحبيني وتفكري فيا طول الوقت .. أنا مش عايز آخد الدرس يا أستاذ .. ماما إحنا ما اتكلمناش مع بعض خالص .. لازم تنفذ أوامري لإنك ابني .. ياريت تيجي معايا البيت ونقعد قعدة حلوة .. سيبني في حالي يا بابا .. انتي فاكرة احنا اتجوزنا ليه، صح؟ .. طالما إننا شقيقين لازم نقضي وقت طويل مع بعض قبل ما نندم .. لو مكبرتيش ها أحبك أكتر وأجيبلك لعب كتير قوي .. انت بجد إيه؟

 يبدأ في الجري بسرعة حولهما بالطائرة الورقية ثم يقف منهكا ورائهما .. يخرج مسدسا من جيبه ويصوبه نحوهما وهما لا يريناه .. يُسمع صوت رصاصة لكن يبدو أنها انطلقت من مكان آخر مجهول غير المسدس الذي يمسك به الشاب إذ لا تتغير وضعية أخته وصاحبه بينما يسقط الشاب أرضا كأن الرصاصة الغامضة قد أصابته هو.

ستار

يخرج ( مراد ) من وراء الستار ويوجه كلامه للجمهور:

( امبارح رحت اتعشيت في أحسن مطعم في البلد وبعدها قعدت أضحك و أغني وأرقص للصبح .. كان عندي مناسبة سعيدة جدا لازم احتفل بيها .. تعرفوا هي إيه؟ .. فاكرين الشخص إللي بعتلي طلب صداقة ومات بعدها ؟ .. امبارح عرفت مات إزاي .. مش بس عرفت سبب موته، ولكن الأجمل إن السبب ده كان حادثة عربية .. يعني مكنش عيان بمرض خطير، ولا مات فجأة من غير سبب واضح .. بذمتكم مش خبر رائع يستاهل الاحتفال .. ساعات تحس لما حد يموت على الفيس بوك إن اصحابه إللي عارفين سبب وفاته بيتعمدوا إنهم ما يذكروش السبب ده .. مش عشان حاجة غير بس لأنهم متأكدين إن فيه ناس مستنية تعرف سبب الوفاة وهي بتتقطع من الرعب .. ناس متعرفش الميت بس عايشة في فزع من أول ما عرفت إن فيه حد كان بيستخدم الفيس بوك ومات .. كأن إللي بيستخدم الفيس بوك المفروض ما يموتش .. ممكن الواحد يقول لنفسه وهو قاعد قدام الفيس بوك لما يقرأ خبر وفاة حد:

( يا نهار اسود .. دا اتضح إنك ممكن تكون مشترك في الفيس بوك ومع ذلك تموت .. وأنا مشترك في الفيس بوك .. يعني ممكن أموت زيه .. بس أكيد فيه سبب )…

وبمناسبة سبب الوفاة تلاقي أصدقاء الميت متفقين مع بعض إن كل واحد فيهم يدخل يكتب كل شوية:

( الله يرحمك .. هاتوحشني يا صاحبي .. كأنك كنت بتودعني في آخر لقاء بينا )…

وكلام كتير من النوع ده، وكل واحد من جواه بيضحك على كل إللي ها يموتوا من الخوف عشان نفسهم يعرفوا صاحبهم مات إزاي .. موت صاحبهم اتحول بالنسبة لهم للعبة ممتعة خصوصا لما يفضلوا يكرروا كتابة جملة زي:

( مع السلامة يا صديقي )

فواحد يفقد أعصابه ويكتبلهم تعليق:

( ماااااات إزااااااااااااي؟! )

فيضحكوا أكتر ويقرروا يزوّدوا التسلية ويكتبوا بالتبادل:

( أكيد انت في مكان أفضل يا أعز الناس )

وطبعا بقية الجملة إللي ماتكتبتش:

( وابن الكلب إللي عايز يعرف انت مت إزاي هنسيبها تاكله )…

أصدقاء الميت لما يزهقوا من اللعبة تلاقيه واحد منهم في الآخر كتب كلمتين:

( حادثة عربية )

وساعتها كل إللي كانوا خايفين ومرعوبين، وطبعا بعد ما يلعنوا بينهم وبين نفسهم ملة إلللي جاب أبو صحاب الميت؛ هياخدوا نَفَسهم ويطيروا من الفرح ، ويبدأوا يعيدوا قراية كل كلمة نعي في الميت ده من أول وجديد بس المرة دي بمنتهى اللذة والاستمتاع، وبعد كده يخرجوا يحتفلوا زيي .. نصيحة صغيرة .. لما تيجي تحتفل خليك في مكان قريب من حد خبير في الحياة عشان يلحقك لو جرالك حاجة ).

 يشير ( مراد ) بتحية وداع وهو يخرج إلى وراء الستار