عام 1517 ميلادي، كانت جيوش الامبراطورية العثمانية الفتية آنذاك، قد توغلت بعيدا في قلب القارة الأوروبية.

غير بعيد من مقدمة تلك الجيوش، كان مسلمو الأندلس، الذين فقدوا الوطن وباتوا مهددين في عقيدتهم في انتظار النجدة من جيوش السلطان العثماني المتوجة بالانتصارات.

رسائل متبادلة بين سليم الأول سلطان العثمانيين القوي، ونظيره المملوكي السلطان الغوري، قائد مصر، عن ترتيبات وجهود مشتركة لنجدة المسلمين في الأندلس.

توجس وشكوك متبادلة بين أكبر وأقوى دولتين في الشرق وقتئذ، ولكنها لم تصل أبدا لحد الشك في عقد النية على خدمة الإسلام والمسلمين.

غير أنه ولسبب مجهول، غير السلطان العثماني وجهته، وبدلا من مواصلة التقدم غربا لنجدة مسلمي الأندلس، قرر توجيه جحافل جيوشه جنوبا، نحو الشام ومصر.

وقعت معركة مرج دابق في حلب، وهُزِمَ جيش مصر المملوكية، وقُتٍلَ السلطان العجوز قنصوه الغوري، ولم يفلح خليفته، طومان باي، رغم شجاعته وصدق عزيمته، في صد الغزاة العثمانيين.

منذ ذلك التاريخ أسدل العثمانيون على مصر ستارا حديديا، وعزلوها عن العالم لأكثر من ثلاثة قرون، ولم تعرف قدرا نسبيا من الاستقلالية إلا مع وصول محمد علي للحكم عام 1805، قبل أن ينتهي أخر أثر لذلك للتبعية لتركيا ، بإعلان فرض الحماية على مصر عام 1914.

تلك قرون قد خلت، أو حسبناها كذلك، حتى أتت موجة الانتفاضات العربية، أو ما عرف باسم “الربيع العربي” لتجد المنطقة وفي قلبها مصر، نفسها مرة أخرى أمام مخالب العثمانيين الجدد، وهذه المرة مجددا تحت عباءة “الخلافة” أيضا، بفعل صعود تيارات اليمين الديني في الدول التي مر بها الربيع العربي.

كان الدور التركي واضحا وجليا في الحالة الليبية، ومشاركا وداعما في الحالة السورية، وحاضنا ومرشدا في الحالة المصرية.

ألقى الأتراك بثقلهم خلف الإخوان في مصر، دعما سياسيا بترتيب واستضافة اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان. وبالقيام بدور العراب لدى دوائر صنع القرار في واشنطن لإقناعها وطمأنتها بإمكانية الرهان على الإخوان وضمان مصالحهم معها في مصر والمنطقة.

وعلاقات اقتصادية واسعة، ظاهرها المساعدة، وباطنها خدمة الاقتصاد التركي المتنامي.

كانت أحلام الأتراك تنمو وتصعد مع كل يوم يمر على حكم الإخوان في مصر، فهي بالنسبة لهم الثمرة الكبرى في عناقيد الربيع العربي، وفي نظرهم لم يبق سوى سقوط سوريا، وغزة في حكم التابعة لهم بوجود حماس، ولبنان السني سينضم إليهم، وصولا لمصر في الضفة الجنوبية من المتوسط، والامتداد غربا لحدود الجزائر.

جاء تغيير الثالث من يوليو في مصر،  ليحدث أثر الصاعقة في أنقرة، صدمة لا تقل أثرا عن وقوف جيوش محمد علي باشا على أسوار الأستانةعام 1840، قبل أن تتدخل الدول الغربية وقتئذ لنجدة آل عثمان، من قفزة ذلك الألباني الطموح.

حلم الخلافة يتبخر مجددا، ولذا جاء رد الفعل التركي على إزاحة الإخوان عن حكم مصر عنيفا ومستفزا وفجا مؤتمرات ومظاهرات وتحركات دولية شرقا وغربا، ودعم بالمال وأسلحة تتدفق وتصريحات استفزازية، خاصة من رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان.

لذا لم يكن مستغربا، وإن كان متأخرا بعض الشيئ، قرار مصر سحب سفيرها من أنقرة، وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع تركيا.

القرار المصري, جاء مفاجئا، وموجعا للأتراك. باعث المفاجأة أن النظام الذي يرونه هشا في مصر، لم يكن متوقعا أن يقدم على مثل هذه الخطوة الكبيرة في هذا التوقيت.

أما مصادر الوجع فهي كثيرة، ففضلا عن أحلام التوسع التركي، تصب العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل واضح في مصلحة تركيا.

حصلت تركيا على مدار سنوات على تسهيلات ومناطق صناعية حرة في مصر، وباتت لاعبا في قطاعات اقتصادية مهمة، منها صناعة النسيج المصرية العريقة.

ويميل ميزان التبادل التجاري بقوة لصالح تركيا، التي تبلغ عائدات صادراتها لمصر، ضعف واردتها منها.

وفي عام حكم الإخوان، حصل الأتراك على تسهيلات أكبر، فلم تعد وارداتهم إلى أفريقيا ومناطق أخرى تمر عبر قناة السويس، فكان يكفي نقلها بحرا لأحد الموانئ المصرية على المتوسط، ومنه تواصل رحلتها برا، لأقرب ميناء على البحر الأحمر، وهو ما قلل كثيرا من تكاليف النقل والشحن.

بعيدا عن الخوض في التفاصيل، فإن تركيا، وليست مصر، هي الطرف الأكثر استفادة من علاقات جيدة مع مصر، لدواعي اقتصادية بالأساس.

ورغم ما تبدو عليه المرحلة الحالية من توتر، فإن العلاقات المتوترة على ضفتي المتوسط بين أكثر الدول  تشابها في المنطقة، لا تبدو مرشحة للتدهور أو مزيد من التوتر على المدى البعيد، والأرجح أن تعود للهدوء، تدريجيا مع اكتمال مراحل خارطة المستقبل في مصر.