عُرض القرار 181 لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، من الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت فى 29 نوفمبر 1947. وقد نص القرار بانهاء الانتداب البريطانى على فلسطين، وتقسيمها إلى ثلاثة كيانات جديدة، بحيث تتكون فلسطين التاريخية من “دولتين”، إحداهما عربية والثانية يهودية، بالإضافة إلى وجود نظام دولى خاص لمدينة القدس. وكان النص على قيام دولة عربية فى فلسطين، وقتها، يعد أمراً جيداً، حيث إن فلسطين، كدولة مستقلة، لم تكن كذلك يوماً فى التاريخ، ولكن أجزاء منها كانت ولايات فى الدولة العثمانية. وكان النص على قيام دولة يهودية، هو أسمى ما تطالب به العصابات الصهيونية فى فلسطين، وكان التقسيم يؤدى إلى أن تكون منطقة الضفة الغربية كلها فلسطينية ومنطقة غزة وشريط صغير على البحر المتوسط يصل إلى القرب من مدينة تل أبيب، التى أنشأها اليهود سنة 1909، وجزء صغير فى الشمال من فلسطين التاريخية. أما المنطقة التى كان من المفترض أن تُشكل أرض الدولة اليهودية الجديدة، فقد شكلت أغلب صحراء النقب، وشريط فاصل بين الضفة الغربية والبحر المتوسط وجزء جنوب لبنان وغرب سورية والأردن فى الشمال!

وكان اليهود قد بدأوا فى استيطان فلسطين منذ سنة 1878، عندما أقاموا مستوطنة بتاح تكفا (مدينة إسرائيلية اليوم)، وليس فقط مع قرار التقسيم أو وعد بلفور! وكانوا قد كونوا جيش الهاجانا عام 1920، وهى نواة لجيش الدفاع الإسرائيلى، التى تأسست للدفاع عن مصالح اليهود فى فلسطين، وشارك منها الكثيرون فى الحرب العالمية الثانية، حيث تدربوا واكتسبوا قدرة القتال التكنولوجى وإمكاناته! وقد تكونت الكثير من المؤسسات اليهودية فى فترة الانتداب البريطانى على فلسطين من سنة 1920 إلى سنة 1948، عندما كان العرب يختلفون معاً طيلة الوقت على مصالح وقتية! لقد عمل اليهود من أجل الوصول إلى الهدف: هدف الدولة عندما كان العرب مختلفين على أشياء هامشية، مثل خلافات السلطة بين الجماعات والأفراد المختلفين وكذلك العائلات القبلية والمدنية، بينما كان أغلبهم تحت الاحتلال!

وعندما كان التصويت على القرار 181، سُئل قائد الجماعة اليهودية فى فلسطين وقتها عن رأيه، وكان يعرف بخلافات العرب، ويعرف أيضاً بثقافة العرب والنظام العالمى الجديد، ويعرف بألاعيب السياسة وغيرها؛ أقول سُئل ديفيد بن جوريون، حول موقفه من القرار 181، وما إذا كان سيقبل أو يرفض: أكد على موافقة اليهود على هذا القرار، حيث حلل المحللون فيما بعد رؤية بن جوريون، التى كان أساسها، هو التالى:
لقد كان اليهود يريدون ابتلاع كل فلسطين، ولكنهم كانوا يعرفون أين القوة، ومفاتيحها، وأن الدول الكبرى هى من بيدها الأمر، وبالتالى كان بن جوروين يريد أن يُظهر موافقة اليهود على قرار التقسيم، حتى يُظهر حُسن النية، ولأنه كان يعرف أن العرب يسيئون تقدير قوتهم ويظنون أن قوى العصبيات القبلية يمكن أن تنتصر، وأنهم سيرفضون قرار التقسيم، ويظهرون على أنهم لا يرضون بالقرار الدولى، وبالتالى يظهرون على أنهم أهل حرب ورافضين للشرعية الدولية وسبباً فى كل ما سيحدث بعدها!! والرافض، لابد له من أن يقوم بعمل يعبر عن رفضه، وسيكون عمل عنف، كإعلان الحرب، وهنا، تظهر قوة اليهود ليبتلعوا كل شىء! لقد كان بن جوريون واثقا أن العرب برفضهم إنما يساعدونه على ابتلاع فلسطين كلها، وهذا ما حدث، حيث انتصر اليهود فى الحرب، التى أعلنها العرب على الدولة اليهودية الحديثة النشأة، بالقوة تارة وبالحيلة تارة أخرى، ودون أسلحة فاسدة بالجيوش العربية، كما أثبت الحكم الصادر من المحاكم المصرية سنة 1953!!

وفى مؤتمر باندونج، وافق الرئيس الراحل عبد الناصر على قرار التقسيم، وهو أمر واضح فى قرارات المؤتمر التى وقع عليها كل المشاركين وقتها! وقال الرئيس عبد الناصر لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد حرب 1967، كما جاء فى مذكرات أبو إياد، أن على الفلسطينيين الاعتراف بالأمر الواقع والمطالبة فقط بالضفة والقطاع، ولكن كانت كلها “فرص ضائعة” إلى أن جاء الرئيس ياسر عرفات ورضى بما لم يرض به قبل ذلك فى أوسلو!

واليوم، انعقد لقاء السلام بين محمود عباس ونتانياهو تحت رعاية أوباما، وفى وجود الرئيس مبارك والملك عبد الله ملك الأردن، ونعرف أنه يتم فى ظل ظروف سيئة للغاية، ونتوقع له أسوأ التوقعات. ولكن، هل نؤيد نظرية بن جوريون، ونقول بفشل المؤتمر ونسب ونلعن ونؤيد عمليات سيتحجج بها الإسرائيليون عند الفشل؟ هل نعلن أننا نرفض السلام بهذا الشكل؟ هل أدركنا شكله كى نرفضه؟ لما نريد دوماً أن نلعب لصالح إسرائيل، ونؤكد على رجاحة عقل زُعمائها التاريخيين والحاليين؟!!

أطالب جميع مواطنى العرب، بعدم تأييد نظرية بن جوريون، ومنح السلام فرصة، فإن لم يتحقق، نشير بأصابع الاتهام إلى من لا يريد السلام عن حق!

شريف حافظ
أستاذ علوم سياسية