أخذت السيارة البيجو 404 اللبني التي أحضرها لي أبي من السعودية في الثمانينيات داخل علبة ملونة عليها كلمات يابانية .. مشّيتها بيدي على الأسفلت طوال شارع البحر من وراء قصر الثقافة وحتى جامعة المنصورة .. بدأت المشوار صباحا وكان من الطبيعي أن ينتهي في الليل .. أمام بوابة الجامعة تجمع حشد هائل من الشباب صغير السن: الذين ينتظرون فتياتهم، والذين ينتظرون الفرص للتعرف على بنات جديدات، وجميعهم يحاولون إذابة الانتظار بحكايات متحدية، صاخبة عن بطولاتهم وطموحاتهم العاطفية .. وقفت بينهم أقلّب في ذاكرة الأسماء على الموبايل، وأمثّل إعطاء رنات لفتاتي كي استعجل حضورها، رغم علمي أنها الآن تنتظرني داخل الجامعة تحت لافتة ( كلية التجارة ) .. انتظرت حتى انتبه أكثر من شاب لي، وسمحت لأحدهم بتلصص مبتسم على شاشة موبايلي فبادلته ابتسامة الشركاء في الخبرة .. دخلت من البوابة حيث يواجهني طريقان: واحد يؤدي لحفلة كبيرة لا أعرف مناسبتها لكن أصوات الموسيقى والغناء وهياج الجمهور تطاردني وأنا أسير في الطريق الآخر نحو شوارع الجامعة .. وجدت نفسي فجأة وسط سلالم وممرات المدرجات والأبنية الإدارية .. كل الحجرات متلاحمة وتؤدي إلى بعضها؛ منها المظلم تماما، ومنها المضاء بخفوت .. الحجرة الوحيدة ذات النور القوي فيها مكتب يجلس وراءه شقيق صاحب محل الموبايلات على ناصية شارعي، كان يأكل ساندويتش كبدة .. نهض من مكانه على الفور ليصافحني بفرح ويقبلني دون أن تلمس شفتاه خديَّ؛ لكنني أمسكت برأسه وقبلته بقوة في فمه كي أثبت له أنني لست متقززا من آثار الكبدة .. لم أسأله ما الذي جاء به إلى الجامعة، وماذا يعمل هنا .. تركته معاودا رحلة صعود السلالم ونزولها، والمشي في الممرات المتشابكة، والدخول والخروج من أبواب الحجرات المتداخلة وأنا لا أعرف متى سأصل إلى شوارع الجامعة الواسعة .. فجأة وجدت ابن عم خطيب شقيقتي السابق يقف أمامي صامتا، وملامحه الريفية ناعسة ومجهدة للغاية .. نظرته الجامدة تسألني أن أعطيه أي فلوس لكنني لم أهتم بمجرد التفكير في الأمر، وتركته لأجد نفسي نازلا لسلالم بيت قديم متهدم .. عرفت أنني صرت قريبا بعدما رأيت أضواء شاحبة لشارع تلامس بتردد الحوائط والدرجات .. نظرت في الساعة؛ كان ميعادنا الثامنة والنصف والآن التاسعة إلا ربع .. هل حدث كل هذا في ربع ساعة فقط ؟! .. خرجت إلى الشارع فوجدته حارة مظلمة إلا من نور ضعيف لمحل يبعد أمتار قليلة .. رأيت ابنتي وقد كبرت عشرين عاما تستقبلني بنظرة عتاب على تأخري .. وجدتها ترتدي فستان مثيرا، وشعرها مسترسلا برقة وتضع مكياجا ساحرا، وتحمل بين ذراعيها زوجتي النائمة، التي صغرت خمسة وثلاثين سنة .. ابتسمت لابنتي وتحسست الغطاء الذي يلف جسد زوجتي الصغير لأطمئن من ثقله حيث كان الجو باردا جدا