رغم كل ما حدث في مصر من إرهاصات بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 التي بدت وكأنها تمهد لحياة مليئة بالحرية والديمقراطية وحرية الفكر والمعتقد، ورغم اكتشاف معظم المصريين لحقيقة الإخوان والسلفيين وتجار الدين، ورغم دفاع كثير من علماء الأزهـر عن حرية العقيدة فقط حين تجتمع في جملة واحدة مع الإرهاب والإرهابين ، ورغم ثورة علماء الأزهــر على الاخوان والسلفيين وتجار الدين واكتشافهم فجأة أنهم خوارج هذا الزمان وأنهم خارجون عن الملة وأكثر عداء للإسلام ، ورغم أن شيخ الأزهر السابق كان سببا في اعتقالي في عام 2008 بسبب كتابة مقال عن الإرهاب الذي تعاني منه مصر الآن ومطالبتي إياه بطبع كتب وكتيبات لتدريسها على طلاب الأزهر لحمايتهم من فكر الوهابية القذر.. رغم كل هذا إلا أن هناك سقف للحرية عند هؤلاء، هناك سقف لا يمكن لأحدهم أن يتخطاه، فيما يبدو أن سقف حرية العقيدة الذي يسيطر على علماء الأزهر يرتبط ارتباطا وثيقا بسقف الحريات العامة داخل الدولة، بمعنى أن علماء الأزهر لو أفتوا صراحة بأن الحرية المطلقة في الدين والمعتقد والممارسة هي من  تشريعات الإسلام التى نزل بها القرآن الكريم فإن هذه الفتوى ستجبر السلطة الحاكمة التي تسطر دستورا يحكم البلاد والعباد بأن يؤكدوا على الحرية المطلقة في الفكر والابداع تأسيا بمظلة الحرية الأكبر والأعم والأشمل التي فرضها ورسمها وأقرها الإسلام ، لذلك أتصور أن عدم النطق بفتوى رسمية من الأزهــر تجعل حرية العقيدة لكل إنسان أمرا بديهيا ليس من سطلة الدولة أو أي من مؤسساتها مراقبته أو محاسبته أو التدخل فيه هي مسألة لها بعد سياسي يرتبط ارتباطا وثيقا بالدستور الذي يصيغ العلاقة بين المواطن وبين تلك  المؤسسات ، لدرجة تجعل من حق الدولة محاسبة ومراقبة المواطن على ما يفعله حتى داخل جدران بيته ، وهذا يعيدنا  لمثل ما فعله معي شيخ الأزهر السابق حين حقق معي بسبب مقالات كنت اكتبها  في بيتي بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، وكلف نفسه عناء إرسال محامي من مكتبه من القاهرة للتحقيق معي في محافظتي الشرقية لكي يحصل مني على إقرار بعدم كتابة مقالات مرة أخرى ثم فوض أمن الدولة لاعتقالي حين لم يُفلح في منعى من الكتابة.

وللأسف الشديد لم تفلح ثورة يناير في إحداث صحوة حقيقية داخل الأزهــر، ولم تفلح في تحريك الثوابت التراثية البالية من عقول معظم علماء الأزهــر الذين يتحدثون أحيانا عن سماحة الإسلام ودعمه لحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية ثم يفتون اليوم بالحجر على الناس في اختيار عقيدتهم وممارسة شعائرهم حتى داخل بيوتهم، رغم إيمانهم النظري بأن الاسلام كفل حرية الكفر.

وربنا جل وعلا يقول في سورة العنكبوت في آيتين متتاليتين ((يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ  كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) العنكبوت : 56 ، 57 ، وفي هذه الآيات إعجاز عظيم جدا وخطاب لعباد الله جل وعلا أن أرض الله واسعة للعبادة ، وبعدها مباشرة الحديث عن الموت وأن المرجع إلى الله وليس هناك أي تفويض أو فرصة لأي سلطة دينية بشرية يمكن فرضها على الناس داخل الدولة ، ولكن المرجع إلى الله هو الذي يحكم بين العباد ، وهنا بيان لأولى الألباب أن الله سبحانه وتعالى جعل أرضه كلها لعباده ، ومن حقهم التحرك والسعي والهجرة إلى أي مكان فيها إذا تعرضوا للظلم والاضطهاد ويؤكد هذا قوله جل وعلا (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)النساء:97 ، إذن لا مجال لتبرير موقف من يدعي أنه كان مستضعفا في قومه ولم يستطع ممارسة عقيدته وشعائره ولا تبرير لمن منعه واضطهده ايضا لأن يفعل ذلك . فيا مشايخ الأزهــر إما أن تكونوا مع شرع الله فى إطلاقه لحرية العبادة ، وإما أن تعلنوا أنكم مع شريعة القهر والاستبداد والاستعباد ،وشريعة البخاريون والحنابلة والوهابيون ، لأن شرع الله جل وعلا لا يجمتع ولا يتفق أبدا أبدا مع شريعة البخاري وابن جنبل وابن عبد الوهاب…..

 

رابط المقال بعنوان (معنى الإرهاب)

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=150907