أيمن عبد الرسول

تابعت الجدل الذي أثاره بعض حماة السنة حول مطالبة الأستاذ أحمد ماهر المحامي بمراجعة صحيح البخاري لاحتوائه على أحاديث تشوه المصحف العثماني، وكانت حجج المدافعين عن إبقاء البخاري على ما هو عليه مثار إعجاب المعلقين وتم تعريض الرجل الذي طالب بمراجعته لتشهير فج، من معلقين هم أجهل ما يكونون بما قاله المحامي الشريف، الذي تجاوزت غيرته على الإسلام، حدود المحافظين على مقاعد الاسترزاق على مائدة التراث، وحماة السنة بغشم يليق بمن يدافع عن أكل عيشه، المهم قال أحدهم إن البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، ويرجع إيمان المصريين بهذه المقولة الباطلة مبنًى ومعنًى، إلى قولهم حين يخطئ في رواية: يعني غلطنا في البخاري!!
هل يعلمون، وهم يعلمون ويضللون، أن البخاري ليس كذلك، بل وكان من الممكن أن لا يوجد صحيحه معتمدًا لدى أهل السنة، لولا خطيئة الإمام مالك الذي قيل في حقه “لا يُفتَى ومالك في المدينة”. وسأقول لكم لماذا قيلت عنه هذه العبارة، وما خطيئته، رغم أني هنا لا أقصد الخطيئة إلا بمعنى رمزي يتبينه اللبيب في حينه، وهو ما يعرف في علم البلاغة بالمدح الذي يشبه الذم، وتعالوا معي إلى هناك، وما أدراك ما هناك، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف حدثت الواقعة التي جعلته متفردًا بالفتوى عن غيره إذا حضر المدينة مفتيًا!!
رُوي أن امرأة بالمدينة في زمن مالك غسَّلت امرأة فالتصقت يدها بفرجها فتحيَّر الناس في أمرها: هل تُقطع يد الغاسلة أم فرج الميتة؟ فاستُفتي مالك في ذلك فقال:سلوها ماذا قالت لما وضعت يدها عليها؟ فسألوها فقالت: قلت: طالما عصى هذا الفرج ربه، فقال مالك: هذا قذف، اجلدوها ثمانين تتخلص يدها، فجلدوها ذلك فخلصت يدها. فمن ثم قيل: لا يُفتى ومالك في المدينة.
هذه هي الحكاية، وأما الخطيئة فلنبدأ من أول تأليفه “الموطأ” يُروى في سبب تأليف الموطأ أن المنصور لما حج اجتمع بالإمام مالك وسمع منه الحديث والفقه وأعجب به، فطلب منه أن يدوِّن في كتاب ما ثبت عنده صحيحـًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسائل العلم، وطلب أن يوطئه للناس، أي يجعله سهل التناول، فاستجاب الإمام مالك لطلب المنصور، وصنَّف كتابه العظيم الموطأ.
عني الإمام مالك بالموطأ عناية فائقة حتى قالوا: إنه مكث فيه أربعين سنة ينقحه ويهذبه، وقد أخذه عنه الأوزاعي في أربعين يومـًا، فقال مالك: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يومـًا، ما أقل ما تفقهون فيه.
وأما خطيئته سامح الله سماحته أنه لما حجَّ الخليفة هارون الرشيد سمع الموطأ من الإمام مالك، فرغب أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على العمل بما جاء به، فأجابه الإمام مالك رحمه الله: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختلفوا في الفروع وتفرَّقوا في البلاد، وكلٌّ مصيب، فعدل الرشيد عن ذلك. (رواه أبو نعيم في الحلية)، وقال ابن كثير: وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها.
كان من الممكن لو اغتر الفقيه مالك بعلمه كما يغتر المدعون من علماء هذه الأيام بما استقروا إليه أن يعتمد الموطأ كتاب الحديث الوحيد للمذهب السني الذي قد فضله الشافعي على كل ما صُنِّف في الحديث إلى وقته، حيث قال: ما على أديم الأرض بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك!
وإذا علمنا وبعض العلم مدهش أن الإمام مالك إمام دار الهجرة توفي بالمدينة عام 179هـ، وأن البخاري ولد في عام 194 هـ، أي بعد وفاة الإمام بـ15 عامًا، وأضف إلى ذلك أنه بدأ في جمع صحيحه وعمره ست عشرة سنة، وانتهى من جمعه وعمره ثمان وثلاثون سنة، أي تقريبًا في سنة 232 هـ، وتوفي سنة 256 هـ.!!
بعملية حسابية بسيطة جمع البخاري الذين يدعون أنه أصح كتاب، وهم يخرصون، صحيحه في 22 عامًا وجمع مالك موطأه في أربعين عامًا وهو الأقرب إلى ديار النبوة في المدينة، والأقرب إلى صحيح الروايات ولو اعتمد كتابه لكفى الله المؤمنين شر الجدال والمزايدة والافتعال، قال ابن حجر في “مقدمة فتح الباري”: “إن عدد ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار 2602 عنوان”.
وجملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة حديث وعشرون حديثـًا، المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثـًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر حديثـًا، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون حديثـًا، وقد جمع الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ما في النسخ المختلفة، فبلغت أحاديث الموطأ (1852) حديثـًا.
فلماذا نستنكر أن الـ750 حديثًا الزائدة في البخاري منها أحاديث موضوعة وغير صحيحة وتشوه المصحف وتروي أشياء مخجلة تفرد بها البخاري وتابعه مسلم، ما هذه المزايدات؟ أليس حديث الغرانيق مصححًا في البخاري، ولن أوضح أكثر من ذلك وعلى القارئ المهتم البحث عن هذا الحديث الذي بنى عليه سلمان رشدي روايته التي هددت حياته “آيات شيطانية”!!
وفي النهاية أقول لعلماء الأزهر الشريف الذي بدأ كمنارة للمذهب الفاطمي الشيعي، أن الحق أحق أن يتبع ولا يغرنك ما يقولونه عن فوات الأوان في مراجعة تراثنا الإسلامي، وأنه ليس من المعقول أن يكشف فسلاً ما غاب عن علماء الأمة الذين يبدون الآن محصورين في جبهة جهلاء- لا علماء ولا يفقهون- الأزهر والعلم والأزهر منهم براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، اتقوا الله في دينكم ودنياكم ولا تشتروا لغوا الحديث بثمن بخس.. بدلاً من مطاردة المثقفين في المحاكم، نقِّحوا تراثنا وإن كان هذا عبئًا ثقيلاً عليكم وهو كذلك فلا تتصدوا لمن يحاول فعل ذلك.. وربنا أمر بالستر وما خفي كان أفزع!
هم يعلمون ونحن نعلم، هم يتخرصون ونحن نتحداهم، هم يحافظون على أكل عيشهم ونحن نحافظ على نزاهة إسلامنا، علماء ليسوا بعلماء، ونحن فقط مسلمون فرض الله علينا أن نفكر ونتفقه في ديننا حتى لا يغشنا من يدَّعي أنه منا وهو يدعي الوصاية والعلم علينا، البخاري ليس أصح كتاب بعد كتاب الله، ولكنهم وصفوه كذلك اعتمادًا على خطيئة الإمام مالك!!
[email protected]