تحاصرنا الوحدانية في كل شئوننا، أو إن شئت الدقة الواحدية في السلوك والتفكير والفهم والتبرير ولا تعرف هل هي استراحة الذهن العاجز عن الاختيار، أم هي حيلة البحث عن يقين مريح ويلخص الدنيا في واحديات تكرارية تكفينا شر العقل والفهم والتفسير؟
الصراع في العالم بين الله والشيطان، والذكر والأنثى، والشرق والغرب واحد ضد واحد ولا تعددية إلا في الضديات فتنكشف مهاوي الوحدة القاتلة، والواحدية مرتبطة بالهُوية في ذات النسق المنحل المختل في آن، فكل الطرق تؤدي إلى روما مع أن هناك أكثر من روما فأي روما تقصد؟
والمدهش أننا نتورط في هذه التبسيطات المخلَّة والتي لا تحترم تعقد الواقع وتشابك الأسباب والمصري القديم مسئول في صورة إخناتون (بالمناسبة ليس وحده) عن إفشاء سر التوحيد الذي لم تعرف البشرية قبله صراعات عقائدية، فلكل قوم رب ولا يحارب قوم قومًا آخرين لنصرة رب واحد! ما علينا، بل قل علينا أن نفكر بحرية في سبل ومضار الإفلات من الواحدية التي تعكر تعدُّديات حياتنا، ربما نحاول فك شفرة الذهنية الواحدية التي نلخصها في جملة (إما… أو) ولا سبيل لـ(ربما) فيها من خلال نماذج بسيطة في حياتنا المعقدة، فالغزالي لمن يهتم بالفلسفة متهم بأنه ضرب الفلسفة في مقتل، وابن رشد أحياها، الأول بكتاب (تهافت الفلاسفة)، والثاني سدد له الضربة القاضية بكتاب (تهافت التهافت) هل يعرف بعضكم أن الخلاف الرهيب بينهما في التكفير؟
نعم الغزالي فتح باب تكفير الفلاسفة في سبع مسائل وابن رشد الذي لم يكن عبقريًّا في الفقه بالمناسبة كفَّرهم في ثلاث مسائل فقط.. عمل أوكازيون ليس أكثر وجاء بعده من يزيد في التكفير!!
الحقيقة أن هذا تبسيط مدرسي مُخل لن نتعرض له الآن ولكن يقول الناس إن أزمة الأنابيب في برّ مصر سببها سحب مصانع الحلويات للأنابيب من أجل حلاوة مولد النبي!! والله ما هي نكتة.. تخيل! ولا كأن الناس زادت في العدد والاستهلاك ولا هناك سعار من التجار لرفع الثمن ولا أي حاجة ثانية غير مولد النبي، بالمناسبة يرى السلف الصالح أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة!!
كل الكوارث التي تحيط بنا مصدرها واحد وإن اختلفت المسميات فإذا مس القوم ضرّ والقوم هنا تعبير عن المواطنين يقول المؤمن هو عقاب من الله، ويقول المؤمن بالناس ورب الناس هذا اختبار إلهي (تحوير في الهدف لا يضر أحدًا ولكنه يعبر عن ذهنية قائله)، بينما الملحد يرد الأمر إلى تحكم الدين والرؤى الغيبية في أذهان الناس هذا إن رأى للناس أذهانًا!! وهكذا دواليك مع أن قليلاً من الفلسفة يشفي الجميع، الفلسفة.. الأمر الغامض عند الناس الذي غالبًا ما يوصف بالكفر والعياذ بالله ويتَّهم مرتكبها (أي ذو التفكير الفلسفي) بالسفسطة من قبل جهلاء ولكنهم يلخصون الحياة في واحديات ولأستاذنا العملاق الراحل محمود أمين العالم مقال محوري عنوانه (بلاش فلسفة!!) ينتقد فيه هذه الجملة الحمقاء ويقول إنها سر مآسينا ولكنه للأسف اختصر مآسينا في جملة واحدة أيضًا..!
مع العلم أن أول درس في الفلسفة في الكتاب المقرر بالثانوية في مناهج التفكير ويقول إن هناك أربعة مناهج للتفكير:
1- التفكير الخرافي
2- التفكير الديني
3- التفكير الفلسفي
4- التفكير العلمي
الأول يرد الأشياء إلى قوى غيبية ويحاول علاج مشكلاته باللجوء إلى استرضاء ظواهر غيبية لأنه لا يفكر في أبعد من ذلك.
والثاني (الديني) يخطو بالتفسير الخرافي خطوة أوسع قليلاً، مثل غضب الآلهة والعقاب والثواب الإلهي ويحدد ملامح تفكيره بالدين الواحد الذي يتبعه لا فرق بين دين بشري أو وحيَوِي.
أما الثالث، أي المنهج الفلسفي فيسأل عن العلل البعيدة ويضع الاحتمالات الواقعية والعملية والمثالية ويمرِّن الذهن على التساؤل بعيد المدى حتى ينتج نظرية حول المسألة/ الإشكال.
أما التفكير العلمي فهو المنهج العملي الواقعي التقريري الذي يبحث الظواهر من أجل الوصول إلى حلول علمية قابلة للتطبيق الواقعي.
من بين هذه المناهج يبدو التقارب الشديد بين المنهجين الخرافي والديني لأنهما بنات أفكار عصر الطفولة البشرية، والفلسفة هي أم العلوم فهي مدخل هام للتفكير العلمي، وكان المثال الذي يشرح الاختلاف بين المناهج المختلفة، عبارة عن (إذا سقط إطار- يعني برواز- من على الحائط فكيف يفسر كل منهج من هذه المناهج سقوط البرواز- الإطار يعني؟)
ومن الواضح أن الإجابات في بلدنا الغالية مصر مع اختلاف مناهج التفكير إن ربنا عايز كدة!!
ولا عزاء للمنهج العلمي والنصر للواحدية.
في النهاية أتذكر مقولة رائعة لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ طبعًا في أصداء السيرة الذاتية نصُّها: (سألت الشيخ عبد ربه التائه: كيف ترانا نخرج من الأزمة التي نحن فيها؟ فقال: إذا خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإذا خرجنا هالكين فهو العدل)!
وبين الرحمة والعدل تدور رحى الجهالة لتطحن كل من يحاول الخروج من دوائر الاستهلاك المجاني للعقل ومحنة كل من يحاول البحث عن إجابات متعددة عن سؤال واحد.. فإلهنا واحد، وحاكمنا واحد وحزبنا واحد ووطننا واحد وحِّدوا الواحد الذي تستوجب وحدانيته تعددية كل ما سواه! .