دون تجاهل الخيط الرفيع الفاصل بين النفسي والإيماني، يلح السؤال-بقسوة:

  لماذا يبدو المتدينون واثقون بأنفسهم لهذا الحد؟

الإجابة مختمرة في ذهني نوعا ما، لكن إجلائها لفظيا، يبدو أمرا معقدا نوعا ما أيضا.

والنقطة التي أنطلق منها، ليس التشكيك ولا الذم في الإيماني وما يتبعه سلوكيا. بل التمعن في الجدار الواهي الذي يفصل بين قابلية الصفة الإيمانية للتحول إلى عرض نفسي.

أتحدث عن علاقة التمثل التي تحدث بين الأب وابنه والتلميذ ومدرسه والمرؤوس ومديره، وهي نقطة خطيرة ما لم ينتبه إليها المؤمن/السائر، يسبغ على نفسه من صفات مولاه..يصير رأيه صوابا مطلقا، ويتعامل بأبوية فوقية نوعا ما.

الإيمان مدهش..مدهش جدا.

بعد الوضوء دوما أحسني نقيا أكثر من أي مخلوق أرضي، بعد الصلاة دوما أحسني ممشوق القوام عريض الصدر أتنفس هواء نقيا، بعد قراءة القرآن أحسني أتكلم بلهجة تقطر كبرياء مغلفا، وتتسم بتوازن غريب. أحس أن الأرضي الصغير الضعيف، يتحول لإله صغير على مستوى الصفة البشرية.
ولابد أن هناك علاقة ما، تضفي على السلوك البيولوجي (صلاة ووضوءا وقراءة لكلام تعتقد مقدسا)، مسحة سيكولوجية بعينها. وهو ما أميل للتفرقة فيه بين الأثر كناتج عن التجلي الإلهي في الحالة الإيمانية، وبين الأثر كناتج نفسي لممارسة بيولوجية ذات طبائع معينة..أي أفرق بين التجلي النوراني، والاستلهام البشري لحالة بعينها واستنزالها وفق قانون صارم تقريبا (الصلاة=ثقة، مثلا).

 هناك شيء ما وفق المتعارف عليه إيمانيا، يحل على المؤمن في ممارسته إيمانه، أو فلنقل في تماهيه مع إيمانه وذوبانه فيه، هناك بركات تحل، وسمت ما يتغشى المؤمن (النور والاطمئنان والفراسة والقوة والثقة) وهي معان أكدت عليها أحاديث نبوية شريفة، كلها تتجاذب المؤمن روحا وجسدا، حين يتماهى في إيمانه.وسؤالي هنا، كيف يتنحى الحد الفاصل بين ربانية التجلي-وفق المنصوص الإيماني- ليفسح المجال أمام درجة من الاستعلاء النفسي؟

أعيد فكرتي مرة أخرى: أنا أنطلق من افتراض أن الطاعة والإيمان تضع لمسة ما على الإنسان، لمسة من عزة وشموخ وثقة واطمئنان..فكيف ب”الصفة” في (إيمانية) وعائها تستحيل إلى “سلوك” في (بشرية) ظهوره؟كيف تتحول العزة-بالله- إلى “استعلاء” على خلق الله؟ كيف يثق السلفي-مثلا- أنه على الصواب وأن الباقين مجرد أطفال طائشين ضلوا في الطريق؟

وكيف يتحول إطمئنانك إلى جانب الله، إلى اعتبار أن الآخرين في خطر محدق، لأنهم فقط ليسوا على نفس طريقك ولم يمسسهم الاجتباء الإلهي الذي يحاديك؟

أرتد إلى المصطلح الصوفي هنا..

السائر..أو المؤمن المجتهد في الإيمانية والعبودية، كأنما يسير على خط بعينه في “الطريق إلى الله”..هذا السائر دوما ما تعتريه نكبات وعثرات في الطريق، وبمقدار ما يقطع من أشواط، سليم النية، بمقدار ما تكون درجته.

هنا، كيف يتحول السائر في نصف الطريق، ويحيد عن القصد الإلهي، فيصبح هو “الإله” إلا قليلا..وكيف يستحيل رصيد التجلي الإلهي فيه، من نورانية وكشف واستقراء للأمور والحوادث والمستقبل، بغتة، إلى مجرد صفة أرضية كائنة فيه أصلا؟كيف يعزو الفضل الإلهي فيه، إلى الصفة الأرضية في ذاته، فيصير متألها متعاليا؟

كيف يحيد في منتصف الطريق، فيتمثل إلهه نفسيا، ويعتقد-لاشعوريا- أنه معبر عنه بدرجة ما أونه متحدث رسمي باسم الله، وأنه تحت رعاية جلالة الملك! لكنه في الوقت ذاته ينشق وينفصل ويستقل عن جلالته!

 كيف يصير ملكيا أكثر من الملك؟ وكيف يثور ويغضب لأجل حد إلهي منتهك، بينما الله نفسه-ربما- لا يقع الأمر عنده نفس الموقع( ففي العلم الإلهي ووفق الصورة التي رسمتها لنا الأحاديث والسير عن ذات الحق، لا يمكن الإحاطة ب”رد فعله” حيال الخاطيء العاصي، فربما يتوب عليه وربما يحبه وربما يخسف به، كل الاحتمالات قائمة )

هنا أسأل بوضوح: كيف يحيد المؤمن/السائر عن النور الإلهي، فيصير مجرد طفل أحمق، يمسك عصا مدرسه ويقلده في غيابه، دون أن يكون قد ألم بالدرس!