كان تقليدًا راسخًا.. ذلك الساري الطويل، الذي يعلوه علم مصر، ومن حوله طابور المدرسة، وثلاثة من التلاميذ يرتدون إشارات حمراء، وقبعة عسكرية اسمهم الشرطة المدرسية، وكنا نردد معًا: “بلادي.. بلادي.. بلادي.. لكِ حبي وفؤادي.. وكنا نخطئ دومًا في جملة “كم لنيلك من أيادي” نقولها في الجموع كم لـ”نيلس” ولا نعرف كيف يكون للنيل أيادٍ.. وهل تطولنا إن نطقنا بها، وكذا لم نكن نعرف من “نيلس” هذا؟!
صديقنا رضا كان يكره بشدة تحية العلم، ويرى فيها نوعًا من التعسف الممل، ولماذا نستيقظ مبكرًا – كل يوم – لنضيع الوقت في طابور الصباح المدرسي، ونستمع إلى الإذاعة المدرسية، القرآن، أخبار الصباح، حكمة اليوم، وغيرها من التقاليع، في رأي رضا..
ثم نختمها بصوت طبلة ضخمة تعزف لحنًا موحدًا، مكونًا من إيقاعين لا ثالث لهما، وعليها ترديد النشيد، ونردد وراء شباب الجيل الصاعد من ممثلي الشرطة المدرسية – رغم عدم وجود حرامية مدرسيين – اللهم إلا مدرسي الدروس الخصوصية الذين يمنحون الكل دروسًا في الخيانة من خارج المنهج بما فيهم تلاميذ الشرطة المدرسية!!
ما علينا، كنا نردد في البداية قولاً نصه: يا شباب الجيل الصاعد، يا رجال مصر، هذا علمها يرفرف علينا، فحيوا معًا.. تحيا جمهورية مصر العربية – ثلاث مرات – ثم يعود موكب الثلاث مكللاً بشبه مارشات عسكرية.
وعلى دقات الطبول ننصرف إلى فصولنا نعد الحصص، حتى موعد الفسحة، ثم موعد الانصراف إلا أن رضا تطرَّف في رفض تحية العلم، كان يتعمَّد عدم ترديد النشيد الوطني، ويحرص على الهرب من وقت الطابور الصباحي.
ثم دخل الإعدادية وفي الثانوية العامة أفتى بعدما ظهرت لحيته، بأن تحية العلم.. كفر.. صرخنا فيه.. إزاي يا رضا.. قال.. تحية العلم حرام لأنها شرك بالله، تُجِلّ غير الله.. سألناه.. طب والوطن ماله يا رضا فأفتى بأن الإسلام.. وطن ومصر صنم، وعلينا عدم تعظيم الصنم وإحياء الإسلام؟ وبعد سنوات طوال.. ونحن نحيي علم مصر الذي يرفرف في فناء المدرسة، ودخلنا الجامعة، وتفرَّقت بنا السبل في الجامعة، تحرَّر رضا من تحية العلم، وأصبح قياديًا في جماعة إسلامية.
والتقينا في جامعة الإسكندرية.. كان الزمان اللئيم سار إلى يسار الشطط، وقد تبيَّنت في محنتي أن شر الأمور الوسط، وكانت تحية العلم تجرى في دمي.. علم مصر المدنية، ونشيد قومي عدت به إلى سيد درويش “قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك”.. وبينما مصر تنادي على العبد لله، والإسلام ينادي رضا.. التقينا في مشهد واحد.. والضابط خلف مكتبه صورة السيد الرئيس، وعلم مصر على مكتبه، وآية “ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ” خلفه أيضًا.
كان رضا يتزعم جماعة مهمتها العكننة علينا، وأنا ضمن جماعة الفيلسوف بآداب الإسكندرية.. جماعتنا تقيم حفلاً بمناسبة يوم الطالب العالمي وجماعته تصرّ على إيقاف الحفلة لأنها معصية لله، وتجمع الشرور !!
عرفت رضا أمام الضابط المسؤول عن حل الأزمة في إدارة الجامعة.. ولم يعرفني.. وفي النهاية قرر الضابط تأجيل الحفل للأسبوع المقبل لا إلغاءه.. وحذر رضا من التعرّض لنا.. وخرجنا. سألت رضا: هو الغناء حرام؟!
قال مستنكرًا: كل عمل يُلهي عن ذكر الله باطل.. قلت: ذكر الله هو مواقيت الصلاة.. والغناء في غير أوقات الصلاة حلال.. خصوصًا إذا كنا سنغني في حب الوطن.. أغاني الفاجومي والشيخ إمام.
رد غاضبًا: لا تقل شيخًا.. ولا إمامًا..
سألته: طب الشيخ سيد درويش.
بنفس اليقين رد: حرام عليك يا أخي.
سألته: طب والنشيد الوطني.
رد: أنا طول عمري باكره النشيد الوطني.. وتحية العلم.. وألجمني سؤاله.. أعطني مبررًا واحدًا يجعلنا نحيي علم بلد لا يحمي بنيه من اللصوص بل يحمي المفسدين من حماته.. بلد يطالبنا دومًا بالعطاء، ولا يمنحنا سوى سحب الغطاء يا أخي.. الإيمان بالوطن كفر صريح.. يجب مقاومته.. فالوطن أرض الله الواسعة، والإسلام هو الوطن.. وتركني وانصرف.
مرت السنون.. ورأيت اسمي على قائمة اغتيالات جماعة إسلامية.. كان رضا أحد قادتها.. وتم القبض عليه.. وبينما كنا نردد تحيا جمهورية مصر العربية والنشيد الوطني.. كانت مديرة التعليم قبل العالي بأكاديمية الفنون في الكونسرفتوار تجبر التلاميذ والتلميذات مسلمين وأقباطًا على ترديد أسماء الله الحسنى بدلاً من النشيد الوطني في تحية الصباح.. وألغت تحية العلم.. لم أرها.. لأسألها.. هل تعرفين رضا؟!
[email protected]