بالنسبة لي أصبح كتاب ( العالم ) لـ ( خوان مياس ) ـ ترجمة: شيرين عصمت من الكتب التي سأتذكرها وأعود إليها باستمرار وأتحدث عنها مع الآخرين واستشهد بفقرات وعبارات منها في كتاباتي .. أصبح من ضمن الكتب القليلة التي قال ( أورهان باموق ) أننا نقع في حبها طوال حياتنا .. الأهم في تصوري أن كتاب ( العالم ) سيظل مصدر إلهام دائم، وستظل نتائج وجوده في ( عالمي ) مؤثرة ربما خاصة في الأوقات التي لا أفكر فيه أو أعيد قراءته أثناءها .. إنه من نوعية الكتب التي تشعرك بأمان خاص نادرا ما تصادفه في كتب أخرى، ليس بفضل التطابق المذهل الذي قد تصادفه أحيانا بين أفكار ومشاعر ومشاهد وأحداث وأحلام وهواجس وانفعالات في حياة ( خوان مياس ) وحياتك فحسب أو بالأحرى تفاصيلك الضائعة أو المنسية التي أعاد ( مياس ) تذكيرك بها، بل وأيضا بسب الشغف بالوعي الفريد الحاد داخل حروب الحواس الذي تجده عند ( مياس ) .. مراقبة الخيال الطفولي والتصورات الغريبة، الشرسة والاندماج مع ألعاب التمني والمخاوف وهي تفكك الأوهام وتعيد تشكيل وتشريح كوابيسها ببراعة تدعم ما يمكن أن تعنيه الكتابة بالنسبة لك .. ( العالم ) كتاب يدفعك لاقتفاء أثر ( خوان مياس ) طوال الوقت .. كأنك تكتشف طرقا مجهولة في حياتك ظهرت فجأة مع أنك كنت على علم تام بوجودها.

( أتذكر ملمس شراشف السرير .. شديدة البرودة كالكفن. عندما أدخل بينها بستين في المائة من جسدي .. 30% أو 40% لحمي، و5% بيجامتي. أتذكر برودة الملاعق والشوك حتى عندما تهدأ وقت ملامستها للأيدي. أتذكر عدم الاحساس بالأقدام التي كانت تبدو كأنها أقدام تعويضية من الثلج وضعتا في نهاية الأرجل. أتذكر تورم الأطراف المؤلم ـ يايللا ـ الذي يبدأ يخز في وسط فصل اللغة الفرنسية أو الرياضيات. وأتذكر أنه إذا أدركتك رغبة في الهرش ستشعر بارتياح على الفور، لكن ستتجاوب هذه الرغبة في الحال مع السبب المؤدي لها مضاعفة الاحساس بالحكة. أتذكر أنني تعلمت هذه الكلمة .. الحكة .. في عمر سخيف، من كثرة قراءتها في نشرات تلك الكريمات التي لا تنفع لأي شيء. أتذكر ـ خاصة ـ أن البرد لا يأتي من أي مكان وبالتالي لا يوجد طريقة لإيقافه .. فهو يشكل جزءا من الجو ومن الحياة .. فشرط الحياة كان البرودة، مثل شرط الليل كان الظلام. كانت الأرض باردة، السقف، درابزين السلم، كانت الحوائط باردة، كانت المراتب باردة، وكان حديد الأسرة بارد، كانت حافة سلطانية المرحاض متجمدة وحنفية الحوض، وباستمرار كانت المداعبات متجمدة. وتلك البرودة هي نفسها اليوم .. وبالرغم من التدفئة، إلا أنه تلوح بعض أيام الشتاء وتفجر في الهواء الرغبة في تدوين الذكريات .. فإذا شعر أحد بالبرد وهو طفل فإنه سيظل يشعر به طوال حياته )

طبيعي جدا أن يتملكك الفرح تجاه ذلك التوحد الاستثنائي بينك وبين أحد يتحدث عن البرد بهذه الطريقة .. ليس فقط لأنه يصف بمنتهى الدقة والإلمام التام سيرتك الشخصية مع البرد، ولكنه ـ بنوع من المفاجآت التي لا تحدث كثيرا ـ يضع يده ببساطة على يقين خاص وحميمي جدا طالما ظللت مشغولا به عن علاقة البرد بالذكريات وتدوينها .. السر الغريب، الملغز الذي لا يتاح إلا للقليلين ربما عن الكيفية المبهمة التي يكون فيها البرد من أقوى المحرضات على استعادة الماضي وتوثيقه، والتنقيب في تراكماته المتشابكة .. هل في الأمر صلة بحالة الانكماش والسكون والوحدة التي ترافق دائما الشعور بالبرد، وتبقي الفرد داخل ما يشبه كوخ حريري مخصص للقدرة الطفولية على استرجاع وتفحص الأشياء بحس يزاوج بين البراءة والحدة اللاهية؟

( صورة أخرى للشاطيء .. أذهب إلى الرمال وحدي، راكضا بين الأجساد المستلقية تحت الشمس. أحد هذه الأجساد شد انتباهي، فهو يخص رجلا مرتديا بنطلونا وقميصا ابيض، ويلبس حذاء ابيض أيضا، من الأحذية التي لها مشبك، ويغطي وجهه بقبعة من نفس اللون. هو نائم. مكثت أنظر له، مندهشا. أثناء ذلك يأتي قليل من الهواء الذي يحرك من فوقه القبعة وأرى ملامحه .. هو أبي. لكنه بالأخص هو رجل. أخرج راكضا، مذعورا، إلى حيث أجد أمي، لم أقل لها إن بابا كان هناك على بعد أمتار منا، كأننا لا نخصه أو هو لا يخصنا. لا أعرف ماذا يفعل هناك )

لحظة أخرى أعرفها تماما، تحدث فجأة وبلا تمهيد وتنتهي بشكل خاطف دون أن تستغرق وقتا طويلا .. كأنه يتم انتزاعك خارج المكان والزمان ثم تعود فجأة غريبا بالكامل عن أقرب البشر إليك فتصطدم بغفلة قاسية، مرحة ربما في نفس الوقت بانعدام الصلة أو فقدان الذاكرة الذي يحكم كليا وجودك مع المحيطين، وأحيانا كثيرة يمتد ذلك الإيهام ليغيب إدراكك عن نفسك فلا تعرف من أنت وما الذي تفعله في ذلك المكان، وما الذي جاء بك إلى تلك اللحظة .. في الطفولة يكون الأمر أقوى حيث الصدمة أكثر عريا ووضوحا، وبالتالي قد تكون لهذا السبب أكثر قابلية للتثبيت في نقطة ما داخل الذاكرة كأحد الركائز أو المنابع الهامة لطبيعة الخيال الذي سيصاحبك طوال عمرك.

( رأيت التوتر الجنسي الذي يوجد في المكان كأنني أنا الذي أعانيه .. كأنني كنت في نفس الوقت الرجل والمرأة. كنت أقترب منها .. اقترب جنسيا من الفتاة ـ بدون أي شك ـ لكن شخصية الرواية لم تقترب مخيبة أمل القاريء بهذه الطريقة .. الذي انتظر أن يفعلها. أدركت أنها خديعة استراتيجية وأن الأدب .. كما سأقرؤه لسنوات بعد ذلك .. كان انتظارا مخيبا للآمال ( نفس التعريف الذي منحه بيرجسون للفكاهة )

خيبة الأمل قد تكون تعريفا آخر للكشف عن السياقات المحتملة المطموسة للمحسوس .. حيث يجب على أحد ما أن يكشف عنها في الوقت المناسب، وحينما يفعل ذلك فهو يصنع شيئا يشبه إشعال المتناقضات أو تغيير الاتجاهات الراسخة لحركة الصور والقرارات الواقفة وراء صياغة الحدث وتفسيراته .. الفكاهة التي لا تنتج إلا عن إضاءة ظل مهم لخدعة متوارية في الفهم وفي زوايا البصر، حيث تتحول الحياة والموت إلى حلم يقظة شاسع غارق في المجاز، بينما الخيال يحرص على جعل الظنون تتفادى الاستقرار حتى في قمة سعيها للنجاة.