في رمضان تصفّد الشياطين، ولم يقل العفاريت، لا لأن العفاريت التي “تتنطط” أمام وجوهنا ليل نهار في رمضان عفاريت خرجت بكفالة، ولكن ألا تعلمون أن العفريت رتبة جنِّية تشبه العقيد الذي هو على وش عميد، وأنه حسبما ذكرت مصادرنا تحت الأرض، فإن العفاريت أقل رتبة من المارد، وهو الذي يشبه اللواء عدم اللامؤاخذة، ولا علاقة لما سبق بأي تلميحات خاصة بوزارة الداخلية الساهرة والقائمة بمطاردة الشياطين المجاهرين بالإفطار في نهار رمضان، وكأنها، أي الداخلية، تتبع طالبان في مصر، أو تحوَّلت إلى جيش من الملائكة يطارد جماعات من الشياطين التي لم تصفّد في رمضان!
“ولاد الأبالسة” الذين لم تطُلهم كلبشات رمضان تراهم في كل حين أمامك، كسائقي الميكروباص ساعة ما قبل الإفطار، وحوادث الطرق الدائرية، ومشاجرات أصحاب السيارات لحظة عودة كل الصائمين مرة واحدة إلى بيوتهم قبيل أذان المغرب بربع الساعة، والسادة الأساقفة الذين رفضوا النفاق الكنسي السنوي المدعو بمائدة الوحدة الوطنية، والسادة المرشحين لمجلس الشعب الذين يستغلون الشهر الكريم في موائد إفطار سياسية وهم الذين لم يفعلوها مطلقًا وهم ليسوا مرشحين، والحزب الوطني الذي وزّع “شنط” رمضان تحقيقًا للكفالة الاجتماعية، والفاسدين المفسدين الذين يخلّصون مصالح السادة المواطنين برشوة ربما تزيد عن رشاوى طول العام تحت عنوان “كل سنة وانت طيب” وكأنها كلمة السر الرمضانية لقابلية الرشوة، ومائدة الرحمن السنوية للجماعة المحظورة التي تنتظر موافقة الأمن، وموائد تتكلَّف حسب إحصاء الجهاز المركزي للإحصاء 55 مليون جنيه مصري سنويًّا، ويتحول رمضان إلى مناسبة سنوية للتظاهر بالوحدة الوطنية، والتظاهر بحب الفقراء الذين يسرقون طول العام وينالون الفتات عبر الشهر المبارك ثم يختفون بعده مباشرة، وكان الفقراء في بلدي بعثة موسمية يكوِّنون أنفسهم في رمضان ويخزِّنون خلاله كل احتياجات العام، وزيادة أعداد المتسولين، والكل يسألك الإخراج من الزكاة، التي لا تعرف في بلدنا من يستحقها ممن يسرق أموالها.
“ولاد الأبالسة” تعبير مجازي، ابتكره المصريون للتعبير عن الذين يخترقون الطبيعي بنعومة لا تليق ببني آدمين، ومنها أن يتم تهريب متهمين صدر بحقهم حكم بالسجن بعد صدور الحكم بثلاثة أيام، فيقول الناس المندهشون مما حدث: يا ولاد الأبالسة!
وإذا عدنا إليهم في رمضان وجدناهم يمرحون فسادًا وإفسادًا في الأرض، مستعينين بالعفاريت، من الإنس الذين يمارسون كل المخالفات الدينية والقانونية ويمارسون كل الموبقات ويقولون لك بمنتهى البجاحة: اللهم إني صائم!
المدهش أن حالة النفاق الديني تزداد في رمضان، وكأنها حالة تربُّص بمن يزايد عليك أيضًا، والمصري الأصيل سيد من يزايد على نفسه أحيانًا، إنها سمة مصرية وتراث العفاريت رعاة الفساد في مصر أكثر من التراث المصري القديم، والكل لا يعمل نهارًا لأنه عدم اللامؤاخذة صايم!
لست واعظًا دينيًّا ولا حتى صحفيًّا، ولكنني مواطن مصري يحاول وضع يده على مصادر عفرتة المصريين الذين أضحت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، يحاكمون بعضهم بعضًا وهم تحت مظلة نفس التهم، وتطالهم كل أنواع الجرائم في حق مواطنيهم وفي حق أنفسهم، ويحاكمون فساد العفاريت الكبار بفساد يليق بحجمهم كأبالسة صغار، على وش ترقية، هل أصبحت قاسيًا لهذه الدرجة، فليكن! فأنا مصري أيضًا أشرب من نفس المياه الملوثة التي أضحت مهدَّدة بالمنع، وأتنفس هواءً عطنًا تشبِّعه روائح العشوائيات وحكايات الجن والعفاريت، وآكل أغذية مسرطنة ولا أبالي، ولا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، ولا سلطان لي على مقدَّرات مستقبل أبنائي، وكأني أكتب ما أكتب تبرؤًا من حساب عسير سوف يقوم به أولادنا الذين لم يكرمهم الزمان بأن يصبحوا ولاد أبالسة، فنحن للأسف من الذين عندهم علم من الكتاب، بالمعنى المجازي، لأننا لسنا مفسري قرآن، ولا مفتين!
كلمة عفريت لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة في سياق قصة سليمان مع ملكة سبأ، في قوله تعالى: “قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ”.
من خلال هذه الآيات نكتشف الفرق بين العفريت الجنِّي، وبين الذي عنده علم من الكتاب، وبغض الطرف عن التفسيرات التراثية، حول من هو الذي عنده علم وغيرها من التفاسير المرتبطة بزمانها ومكانها، لنا كلمة تدَّعي أن الصراع بين العفريت والعالم في بلادنا الجميلة لم يزل يتصاعد والكاسب طبعًا، هو الذي عنده علم من الكتاب، لا العفريت الخارق للنظم والطبيعة، والقوانين الذي يستخدم خوارقه لخدمة مالكه، لأن قدراته تتضاءل أمام العالِم، أي عالِم وخصوصًا العالِم ببواطن الأمور، والذين قالوا: ما عفريت إلا بني آدم، بس من “ولاد الأبالسة” وقانا الله وإياكم شرهم وكل رمضان وهم منطلقون فاسدون ومفسدون تحسدهم الشياطين!
[email protected]