“ما علينا!!”.. قالها عم عبود للمرة العاشرة أو يزيد خلال حواره الطويل معي قبل أن يستأنف الكركرة في أرجيلته التي صنعها بشكل بدائي من عبوة بلاستيكية لمنظف شهير وبقايا من خراطيم الري الرفيعة.. ولم يشتر لها سوى الحجر..”ده بقا ماليش فيه.. بس يتعمل والله انما فين الراس يا باشمهندس؟؟..

الراجل مننا لو ما كانش يعرف يتصرف هايبقى عدم المؤاخذة ركوبة.. ربنا يكفينا شر الرجالة الركايب.. ما علينا!!” .. يعتدل عبود ليلملم عباءته الجوخ التي كانت محور وصلة من وصلاته الوصفية والفلسفية –نسبيا- خلال الليلة الشتوية الباردة التي بدا أنها أكثر من مجرد ليلة لا هدف لها.. وأنها.. “ما علينا”.. يدس عبود العباءة ليغطي بها أصابع قدميه ويستهل وصلة جديدة بسعلة عميقة تخللت شعبا هوائية سدها غبار ما يقرب من سبعين سنة عاشها الرجل وأحرقتها عادات التدخين الغريبة..

“انا لو احتكمت سيادتك على مليوم جنيه.. اول حاجة هاشتريها مدفع رشاش مكنة.. ومش هاقوللك بقا هاطخ رئيس الجمهورية.. لا!! اول حد هاطخه المرة والعيال.. انا عندي ست عيال.. هابندقهم كلك هم والمرة.. يا باشا اللي يغتنى بيبقى عايز يخلص من الفقر.. واللي فات كله فقر.. ما علينا!!”.. لا أتعجب كثيرا من سير الحديث.. فلو كنت أتوقع منه شيئا لشاركت فيه.. لكنني قصرت دوري على تأمل عم عبود وطريقته المستفزة في إدارة حواره من طرفه وحده.. وكيف أنه يصل بنهاية كل عبارة إلى نهاية تجعل كل ما قيل قبلها عبثا.. وتجعل كل الكلام سيان.. وكل المختلفات متساوية في أنها جميعا “ما علينا!!”..

“عارف جنابك.. أبويا كان يقول.. دايما والله يا باشمهندس.. كان يقول شورة المرة تخرب الدار سنة لو صحت.. شوف لو صحت تخرب الدار سنة.. شوف بقا جنابك لو خلفت معاها ولا مالت.. تبقى الدنيا خربت يا محمدي.. انما كان الله الوكيل راجل ركوبة هو راخر.. يزرع ويقلع طول الزرعة وبعد ما يضم الغلة يشونها في البيت وما يستجريش يبيع من الغلة قدح.. أمال ايه؟؟؟ كانت المرة تطينه.. ما علينا!!”..

أسرح بنظري بعيدا وبسمعي أبعد وأترك لعبود ساحة الكلام والاستماع معا.. أنظر إلى القمر المكتمل بوجهه المثير للاكتئاب وهو يزحف مزاحما سحبا كثيفة ويحاول الإطلال علينا.. وأسمع في داخلي صوتا يضحك ضحكة مريرة.. ماذا يا عبود الكلب لو كتبت مذكراتي على مذهبك العبثي المبتكر.. ستكون أضخم سيرة ذاتية تحت نفس العنوان لا فوق