يبدو أننا في أردن اليوم نعيش حالة سياسية غريبة من نوعها وربما هي حالة ستصبح موضع دراسة وتحليل أكاديمي في المستقبل لجميع الدارسين والمحللين في العالم.

يعرف الأردنيون جميعا أنه لم تأت حكومة إلى الأردن لتنفيذ سياستها الخاصة ولا مسؤول في أي موقع إقتصادي أو إداري أو تشريعي يملك أجندته الخاصة التي كتبها أو درسها أو آمن بها. وزراء معروفون بإتجاهاتهم السياسية أو الحزبية ينضمون فجأة للحكومة فإذا بهم على النقيض المطلق. نقابيون ومهنيون على سوية عالية من الثقافة والجرأة ومغموسون في العمل العام يصبحون فجأة مدجنين وينتهي تاريخهم النضالي على مذبح الوظيفة أو المنصب. كتاب صحفيون وشعراء كانت مقالاتهم وقصائدهم تلهب الشارع بنقد الحكومات تتحول أقلامهم للتغنى بعشق الحكومة وتنقلب الألوان أمام أعينهم من أسود إلى وردي وزهري وفوشي وفجأة تصبح الأمور أمام الجميع أكثر من رائعة وتنقلب العيوب إلى حسنات. رؤساء حكومات صرحوا وبكل سذاجة أنهم أتوا وذهبوا دون أن يعرفوا لم آتوا ولم ذهبوا. هل هو سحر المنصب أم أنه حول في عيون الفكر أو خراب في بوصلة الإتجاهات.

ليس من المستغرب أن يسعى رجل أعمال أو مقاول أو أي إنسان لمنصب أو جاه ليسهل له جني ثروة سرعان ما سيورثها لمن لا يعرفون التصرف فيها. ليس من المستغرب شراء أي ذمة أو ضمير فبريق المال والجاه يغري أيا كان. الكل يعلم أن ثروات البلد لم يستول عليها أو استغلها رئيس واحد أو مسؤول واحد. أي منهم لم تزد ثروته إلا ببضعة ملايين والنادرون منهم إنتهت أرصدتهم – حتى الآن – بخانة المليارات وهذا ليس حجم الخسارة الحقيقية. قد يظهر سمسار هنا أو سمسار هناك إلا أنهم في النهاية لا يزيدون عن كونهم سماسرة.

يبدو للمراقب أنه لا المسؤول يعرف ولا المواطن يعرف. كل منهم يخاطب الآخر من وراء برقع كالذي يوضع على جانبي رأس الدابة فيحدد لها إتجاه سيرها. يتخاطب الجميع بصيغة المبني للمجهول. تتحاور الأطراف بصورة (الكلام إلك واسمعي يا جارة). نتملق ونوهم أنفسنا أننا نقول الحقيقة وفي حقيقة الأمر فالجميع يعرفون جيدا من هي الجارة، والمبني للمجهول هو معلوم للجميع. قد يكون ما يمنع المواجهة هو الخوف على الوطن إنما يجب أن نصل لمرحلة تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية. يخطيء من يعتقد أن العشائر (في الجيبة الصغيرة). مخطيء من يعتقد أنه يمكن السيطرة على كل هذه المجاميع بصنع مشايخ جديدة ومخاتير جدد. ربما كان هذا يصلح في وقت ما حين لم تكن هناك جامعات وطائرات وإنترنت. مخطيء من لا زال يعتقد أنه يمكن حجب التواصل بين الشعوب بحجب الإنترنت أو حظر طباعة كتاب أو صحيفة. ونخطيء أيضا إن استمرينا في تسمية الأمور بغير مسمياتها الحقيقية. الآن في العشائر جامعيون ومثقفون رجالا ونساء على سوية عالية من المعرفة. لم تعد قيادة الجماهير وتوجيهها ممكن بالطرق التقليدية القديمة. دول وهيئات أجنبية تتعامل معنا وكأننا لا زلنا مجاميع بشرية غوغائية وهذا يثبت أنهم لم يقرأوا الشعوب جيدا. وزراء ومسؤولون يعينون في مناصب ودوائر غاية في الأهمية يتبين لاحقا أنهم ليسوا من الشعب ولم يكونوا أبدا من صلب بنائه. يستخدمون عبارات غريبة ويفكرون ويعملون بطريقة أغرب.

قديما قالوا من لا يأت معك فتعال معه. يجب على المسؤولين أن يأتوا مع الشعب لا ضده. وكلنا نعرف شعرة معاوية الّـتي حافظ على أن لا تنقطع. يجب أن يفهم المسؤولون ويعوا أن الجماهير لم تعد تغريهم مشاريع وهمية أو زيادات هزيلة في الرواتب يلتهمها غول لا يشبع من إرتفاعات الأسعار والضرائب. إن حدثت المواجهة فالخاسر الأكبر هو الوطن. اللعب على وتر الوقت فيه ضرر لجميع الأطراف لكن دروس التاريخ تعلمنا بأن الشعب دائما هو من ينتصر. نعم لا بد من وقوع ضحايا ولا بد من صنع بعض الشهداء إنما في النهاية لا يصح إلا الصحيح.

وليد السبول

[email protected]