جاءنى حمارى أخيراً ثائراً يزيد وينهق ويرعد قائلاً :” إسمع .. إنى مصمم هذه المرة تصميماً أكيداً، ومصر إصراراً تاماً، وإياك أن تثبط عزيمتى أو تحاول منعى، أو تتدخل فى شئونى، أو تعرقل مشروعاتى أن تفسد تفكيرى، أو تبرد حماستى .. أو تكتم شعورى أو تطفئ لهيبى … أو ..”

تلك الكلمات التى سمعها ” الحكيم ” حين جاءه الحمار مقرراً أن يشتغل بالسياسية ، فما كان من الحكيم إلا أن رحب به قائلاً:” ومن قال لك إنى معارض ” وبعد حوار لم يدم طويلا إلا وقد وجد الحكيم الحمار يطلب منه أن يساهم فى الحركة السياسية بنصيب وطلب منه أن يأخذ بمشورته فى الإنضمام إلى حزب يراه مناسباً لطبيعة ” الحمير ” موجهاً إليه سؤلاً :” ما هو فى نظرك الحزب الذى يتفق مع مبادئى ؟ ” . فما كان من الحكيم إلا أن طلب منه أن يعرف مبادئه والتى أوجزها فى العمل لمصلحة الغير وإنكار المصلحة الشخصية … وهذه هى طبيعة ” الحمير ” ذلك هو المأثور عن بنى جنسهم

منذ أن ظهروا على الأرض فعملهم وجهدهم لما فيه خير للآخرين، دونما مصلحة خاصة فلم يعرف عن ” الحمير ” أنهم سرقوا مثل ” القطط ” أو تنعموا كما تتنعم ” الخيول “، وما أجمل التعبير حين قال ” الحمار ” للحكيم ” حياتنا هى العمل للغير، والنفع العام ، حتى أن بنى البشر وصفوا من يكد ويجد بأنه ” حمار شغل “.

وبما أن الحكيم كان يعلم أن بنى البشر اعتادوا على التقاعس و” النوم فى العسل ” أجاب على الحمار بأنه إذا أراد أن ينضم إلى حزب من أحزاب بنى البشر فلابد أن يستعمل كلمة ” لا ” قبل كل مبدء من مبادئة حتى يكون مثلهم وهذا هو الشرط الأساسى للإنضمام للحزب ، فما كان من الحمار إلا أن رد عليه قائلاً:” ما فائدة الحزب إذا كانت مبادئة ” لا للعمل ، لا للإنتاج ،ولا ولا ” ودار الحوار بينه وبين الحمار إلى أن وصل إلى ” طبيعة بنى البشر ” الذين يخدمون السياسية ، الذين يتعاملون بالمثل الشعبى القائل:” من تزوج أمى قلت له يا عمى ” ، فقد صور هذا الحكيم الأم بأنها ” الحكومة أو السلطة ” وهذا ما يحدث فى أيامنا الحالية وخاصة بعد الثورة فنجد بنى البشر يخرجون من الحزب الذى خلا من السلطان  ليدخلوا أفواجاً فى الحزب الذى لمع فيه الصولجان – على حد وصف الحكيم – .

ما بين حوار الحمار والحكيم إستوقفتنى عبارات وجهها الحمار إلى الحكيم بعد أن وصف له حال البشر المشتغلين بالسياسية ” والمطبلين ” للسلطان حين قال له :” بينى وبينك .. ألا تظن أن حال بنى البشر يجب أن يصلح ؟”. واستمر الحوار إلى تساؤل هام ما أحوجنا إلى إجابة عليه الآن وخاصة بعدما ظن البعض أن الثورة قد إستقرت بين أيادى غنى لها ” المغنواتيه “  تسلم …ال.. أ..ي..د..ى “” ليبقى السؤال مطروحاً على الجميع دونما استثناء وهو ” من الذى يصلح ؟” أهو المجتمع الذى يصلح الحكومة، أم الحكومة التى تصلح المجتمع ؟ وما أروع سؤال الحكيم للحمار حين سئله فى هذا الصدد قائلاً :” لن أجيب عليك قبل أن تجيبنى ” هل البيضة من الفرخة أم الفرخة من البيضة ” .

وجد الحكيم نفسه فى مأزق بعدما ” غلب حماره ” وأنهى حواره مع الحمار بمحاولة نصحه بأن يترك السياسية ولا يشتغل بها وإلا ما إستحق أن يكون ” حمار ” فإنه لن يستطيع أن يؤثر فى بنى البشر بمبادئ ” الحمير ” ولكنهم هم الذين سيؤثرون فيه بمبادئهم .