أحتاج أولا لأن أذكّرك بقصة ( كان اسمه جيروم )، التي أعطيتها لي عندما كنا صبيين وطلبت مني قراءتها .. كانت إحدى قصص شخصية ( مارتان ميلان ) التي أبدعها الرسام والمؤلف الفرنسي ( كريستيان جودار )، وتحكي عن ( جيروم ) صديق ( مارتان ) الذي كان مهووسا منذ الطفولة بتقليده، وبعد أن كبر الصديقان وحقق ( مارتان ) حلمه بالعمل كطيار أراد ( جيروم ) أن يكون مثله، لكنه حينما أراد أن يجرّب الطيران سقطت به الطائرة ومات.

الآن دعني أعيد عليك التاريخ هذه المرة بطريقتي: كنا صديقين مقربين جدا، وكانت لكل منا شخصيته المستقلة .. جمعنا في طفولتنا الشغف الطبيعي بالحكايات الخيالية والكوميكس وأفلام الكارتون .. لكن طريقتك في التحدث عنها، وفي وصف حبك وتعلقك بها كانت تثير إعجابي وحماسي في نفس الوقت .. كان من العادي أيضا أن نتشارك الاهتمام في بدايات المراهقة بالروايات البوليسية والرعب والخيال العلمي، كما تشاركنا في محاولة كتابة قصص مشابهة لتلك التي كنا نقرأها بنهم بالغ .. أتذكر أنه بينما كنت أكتب في تلك الفترة ما يمكن اعتباره نسخا مقلدة لتلك الحكايات؛ كنت يا صديقي ـ حتى مع تأثرك البديهي بأساليب مؤلفيها في الكتابة ـ كنت تكتب قصصا مختلفة عن أحداث ومشاهد وشخصيات تنتمي إلى حياتك .. لم يكن عدم قدرتي على التحرر من محاكاة موضوعات الغموض والإثارة والعنف في كتاباتي يمثل مشكلة بالنسبة لي .. كنت أفكر دائما وأؤكد لنفسي بأنني وأنت في النهاية نعتبر الكتابة هواية تشبه أي هواية أخرى كجمع الطوابع ولعب الكرة والغناء أثناء التمشية ليلا.

جئتني بفرح هائل ذات يوم ومعك نسخة من جريدة ( المساء )؛ فوجدت قصة قصيرة منشورة لك في صفحتها الأدبية بجوار صورتك مع تقديم جميل من بعض الأدباء والنقاد .. لم نكن قد تجاوزنا السادسة عشر وخلال السنوات الماضية كنا لانزال نقرأ نفس الكتب، ويُسمع كل منا للآخر قصته التي كتبها .. صحيح أن هواية الكتابة مؤخرا بدأ إلحاحها يخفت عندي تدريجيا لكنني كنت لازلت أكتب .. صحيح أيضا أن هواية الكتابة عندك أصبحت تطغى على كل الهوايات الأخرى؛ لكنني لم أكن أتوقع صراحة أن يصل الأمر إلى نشر قصة قصيرة لك وفي جريدة كهذه مع صورة وإشادة من كتّاب .. أعطيتك بالطبع التهنئة التي كنت تنتظرها، وأخذت نسخة الجريدة إلى البيت .. بعد أن قرأت أمي قصتك والمكتوب عنها ابتسمت، وقالت لي إن قصصي مثل قصصك وأنها لا تقل عنها أبدا .. لا يمكنني نسيان آلام الندم التي شعرت بها حينما أخبرتك ياصديقي في اليوم التالي بما قالته أمي .. كان هناك جحيما في داخلي أقوى من قدرتي على تحمّل كتمانه جعلني أتسرع بمنتهى الغباء والحماقة؛ فكانت النتيجة أنك ابتسمت بهدوء ولم ترد بكلمة واحدة .. أردت أن تقول لي أن هذا هو واجب الأم: تطيب خاطر ابنها وتسانده في لحظات كهذه.

لسبب أو لآخر بدأت في الذهاب معك إلى الندوات التي تواظب على حضورها وشراء نوعية الكتب التي تهتم بها .. كانت قراءاتك قد تجاوزت الأدب البوليسي والرعب والخيال العلمي، لكنني بعد وقت قصير أصابني ملل قاتل من حضور الندوات فامتنعت عنها بينما لم أتوقف عن شراء الكتب، وبحرص تام على أن تتعدى قراءاتي حدود ما تقرأه أنت .. كنت أذهب أحيانا إلى بائع الجرائد وأسأله: ( هل عندك أي شيء في أي شيء؟ )؛ فيحدق في وجهي مندهشا ويسألني عن قصدي .. أعيد السؤال عليه بطريقة أخرى: ( هل لديك أي جديد في أي اتجاه؟ )؛ فتتحول دهشته إلى بلاهة ممتزجة بالخوف؛ عندئذ يضطر لأن يقول لي بأن الكتب أمامي، ويمكنني انتقاء ما أريده .. داومت لسنوات طويلة على إنفاق معظم نقودي على شراء كتب في جميع المجالات .. كتب لم أكن أقرأها وإنما كنت أعيرها بفخر كبير لك.

مرت سنوات لم أكتب شيئا .. حاولت ولكنني عجزت حتى عن كتابة قصص تشبه التي كنت أكتبها في الماضي .. ذات ليلة كان النوم بعيدا فيها بقسوة نهضت من السرير، ووجدت نفسي أكتب شيئا يشبه: ( سيأخذ العالم إلى حجرته .. سيكون عاريا بين يديه .. أما أنا فمخصي ) .. هذه المرة ترددت قليلا قبل أن أخبرك بهذه الكلمات .. كنت أريد فقط أن أعرفك بأنني لازلت أكتب، وبحماقتي التقليدية طلبت منك قبل القراءة ألا تعتبر أنك الشخص المقصود بها .. ابتسمت يا صديقي كالعادة، وبالطبع تعرفت على قدرات جديدة لغبائي خاصة حينما قلت لي بأنها كتابة جميلة جدا والضحكات تتدافع بامتنان من عينيك.

بعد موت جدتي نشرت على ( الفيس بوك ) نصا قصيرا عن حياتها وعن علاقتي بتفاصيل عالمها القديم الذي لم يعد باقيا منه سوى ذكريات حنونة تزيد عند استعادتها من شراسة الفراق .. أنت تركت ( لايك ) تحت سطوري ولم تكتب تعليقا .. لم يكن بصري في حاجة لبذل أي مجهود كي يشاهد الابتسامة الواسعة لتلك الـ ( لايك ) بوضوح .. ولم لا؟!! .. كانت أفكاري ومشاعري عن جدتي في تلك السطور القليلة مصاغة بكلمات وتعبيرات منتزعة من نصوصك التي كتبتها عن موتاك .. لحظتها تساءلت بيني وبين نفسي وبرغبة عنيفة في الحصول على إجابة حاسمة: هل ينبغي أن أواظب طوال حياتي على تقديم تلك الهدايا لكلأدعم إيمانك بأنني مغفل خارق؟!.

هل تتذكر تلك الليلة التي كنت فيها في بيتك وقرأت لي إحدى قصصك، وأعجبك جدا تحليلي لها؟ .. كنت قد أصدرت عدة كتب وعملت في الصحافة، ونُشرت لك الكثير من القصص القصيرة والقصائد والمقالات النقدية، وحصلت على جوائز وترجمات، كما بدأ أحد المخرجين في تحويل إحدى قصصك إلى فيلم روائي قصير .. يومها شعرت بحق أنك صادق، وأن تناولي للقصة كان مهما فعلا .. خرجت من عندك، وطوال الطريق إلى بيتي ظل ذهني قابضا باعتزاز على كل حرف قلته عن قصتك متوسلاله كي لا يهرب .. فور دخولي من باب الشقة أسرعت إلى القلم والورقة لأدون التحليل الذي أعجبك .. قضيت الليل وأيام وأسابيع لا أتذكر عددها أعيد قراءته مستعيدا رد فعلك .. طلبت منك في لقاءنا التالي نسخة من تلك القصة التي لم تنشرها بعد، فوعدتني بأنك ستعطيها لي لكنك لم تنفذ وعدك أبدا.

ذات يوم نشرت أنت قصيدة على الفيس بوك .. كانت جميلة لدرجة أنها دفعتني لكتابة كافة الشتائم المختزنة في روحي ضد الحياة والموت والبشر على شكل جمل قصيرة متراصة تحت بعضها .. نعم كأنها شِعر يا صديقي .. مجرد شتائم أسرعت بحذفها بعد دقائق قليلة قبل أن تقرأها وتبتسم ابتسامتك المعروفة التي لن أراها .. أنا متأكد أنك قرأتها ومتأكد أيضا أنك لاحظت اختفاءها، وأن ابتسامتك تحولت إلى ضحكة سماوية.

أعرف أنك لو كنت حياً الآن وقرأت كل ما سبق لقلت أنه تاريخ كاذب .. أنا معك أن كل ما كتبته الآن ليس صحيحا، ولكن هل تتصور أنني كنت سأنتظر حتى يحدث؟! .. حتى الآن لا أحد يعرف أننا كنا نمشي ونغني ليلا في الطريق المهجور الذي وجدوك في الصباح التالي محترقا ومقيدا في إحدى أشجاره .. أنت الذي دفعتني لإنهاء الأمر في بدايته .. ما كان يجب عليك أبدا أن تعطيني قصة ( كان اسمه جيروم ).