يحتفل المصريون اليوم الموافق 21 سبتمبر من كل عام تقريبا باليوم العالمى للسلام  وهو احتفال قد أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة يومًا مكرّسا لتعزيز مُثل السلام في أوساط الأمم والشعوب وفيما بينها. وعلى أثره تقوم العديد من الفاعليات بمصر للتأكيد على أهمية السلام فى حياة الشعوب -  الذى هو غائب من وجهة نظرى -  فى مصر .

ترتكز تلك المقالة على محورين رئيسين: ما هو السلام , وهل يوجد حقا سلام ؟! و ما هى العلمانية, وكيف تكون العلمانية هى الطريق لبناء السلام ؟

ما هو السلام ؟

بالإطلاع على دراسة حول ( حل النزاعات ) صادرة من برنامج دراسات السلام الدولى بجامعة السلام التابعة للأمم المتحدة, تبين أن هناك عدة تعريفات لمفهوم السلام .

فتعريفات السلام ( كما وردت فى الدراسة المنوه عنها سلفا )

  • السلام هو حالة أو فترة ليس فيها حرب أو إنتهت فيها حرب -  قاموس أكسفورد الإنجليزى
  • السلام هو غياب العنف أو الشر وحلول العدالة  -  ويكبيديا
  • السلام هو عبارة عن محصلة التفاعل ما بين النظام المدنى و العدالة الإجتماعية  – ديفيز , 2009 .
  • السلام هو ليس فقط غياب الحرب بل أيضا حلول الخير للفرد و المجتمع   www.scu.edu
  • السلام هو مبدأ وصفة أخلاقية تقوم على الإستقرار الداخلى و طمأنينة الروح   www.mariam-well.org

وقد نسنتنج من تلك التعريفات أن مفهوم السلام بشكل عام يدور حول حالة أو فترات تعيشها الدول دون خوض حروب سواء على المستوى الخارجى مع الدول الأخرى أو الحروب الأهلية داخلها . و يشمل أيضا غياب فكرة العنف و الذى يكون نتيجة للتطرف والتعصب و الدوجما والذى هو أساس فكرة المقال التى سنوضح بها كيف تقوم العلمانية ببناء السلام.

و قد عرضت تلك الدراسة أيضا مستويات لأساليب التدخل لحل النزاعات و إحلال السلام , و هى بالتوالى تكون ثلاث مستويات , وهى

1-    مرحلة الحفاظ على السلام , و تلك المرحلة تكون عادة أثناء نزاعات مسلحة , تهدف إلى تقليل العنف وتقديم مساعدات إنسانية , و توفير الأمن بتلك المناطق بهدف إدارة النزاع  .

2-    مرحلة صناعة السلام , و هى الجهود التى يقوم بها أطراف النزاع من خلال التحاور والتفاوض والوساطة بين كافة الأطراف بهدف حل النزاع .

3-     مرحلة بناء السلام , المقصود ببناء السلام هو تشييد البنية الأساسية التى تساعد أطراف النزاع على العبور من حالة النزاع الى حالة السلام الإيجابى سواء على مستوى الدول أو على المستوى الداخلى . و بناء السلام يكون مرحلة طويلة المدى يتخذ فيه برامج تعليمية تأخذ على عاتقها تصحيح مفاهيم عدوانية من خلال برامج على التسامح و قبول الأخر ,حقوق الإنسان , الديموقراطية , المجتمع المدنى ,  و تأتى الركيزة الأساسية التى لاغنى عنها فى بناء السلام و هى ”  العلمانية ” .

هل يوجد حقا سلام ؟

و من خلال عرضنا لمفهوم السلام و مراحل إدارة النزاع و إحلال السلام بمصر , يمكن أن نقيس قضية السلام بمصر على المستوى الدولى و الداخلى . فعلى المستوى الدولى مصر بعد معاهدة السلام مع إسرائيل فى عام 1979 تكون قد مرت بالمرحلة الأولى و الثانية والتى أقرت بها السلام وانهت حالة الحرب بين مصر و إسرائيل , و لكن لم أعتقد أن هناك سلام حقيقى بين الشعبين فى مصر و إسرائيل , فالسلام كان على المستوى الدولى فقط دون أن يكون على مستوى الجماهير ويمكن أن نقول بأن مصر لم تمر بالمرحلة الثالثة وهى بناء السلام . وذلك بغض النظر عن الممارسات التى ترتكبها إسرائيل فى حق الفلسطينين .  و أيضا من وجهة نظرى إسرائيل هى الأخرى تعيش فى أصولية دينية ( يهودية ) فإسرائيل ليست دولة علمانية حتى تكون محور لسلام حقيقى فى الشرق الأوسط .

ثم نأتى على المستوى الداخلى وهو الذى محور إهتمامنا فى هذا المقال . ,نود أن نشير أن هناك  الكثير من عمليات القتل و التهجير التى أرتكبها المسلمين فى حق المسيحين التى أدت لقتلهم وتهجيرهم من منازلهم وسرقتهم , و عمليات التهجير التى أرتكبت فى حق البهائيين , بل وعمليات القتل التى أرتكبت فى حق المسلمين الشيعة التى أدت لمقتل حسن شحاته القيادى الشيعى  ( برجاء الرجوع للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية , مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان , موقع الأقباط المتحدون ).

و على ذلك فسواء على المستوى الدولى أو الداخلى . و أهتم فى هذا الشأن بالسلام الداخلى أكثر بإنه لا يوجد سلام حقيقى قد تم بناؤه .  فما زال مفهوم السلام غائبا طالما لا يوجد تسامح و قبول الأخر سواء على المستوى الفكرى أو الدينى والتى يستحيل وجودها مع التعصب و التطرف نتاج ” الأصولية الإسلامية ” متمثلا فى المادة الثانية بالدستور بأن الإسلام دين الدولة .  حيث تمثل المادة الثانية و التى ترسخ لفكرة التعصب والتطرف و الأصولية الإسلامية بأن ( الإسلام هو دين الدولة , و أن مبادىء الشريعة الإسلامية هى المصدر الاساسى للتشريع ) بلاشك ترسخ للتعصب الأصولية الإسلامية فى مصر التى تقوم بدورها فى بناء التطرف و التعصب ويستحيل معها التسامح و قبول الأخر.

 و ماذا عن  العلمانية ؟

فى تعريف العلمانية للدكتور / مراد وهبه, بكتاب ” الأصولية و العلمانية ” عرف العلمانية بإنها ” التفكير النسبى بما هو نسبى و ليس بما هو مطلق ” و معنى ذلك تناول الظواهر الإنسانية والتى هى نسبية بالضرورة بمنظور نسبى وليس بمنظور مطلق .

و ما النسبى و ما المطلق ؟   (المعجم الفلسفى للدكتور / مراد وهبه )

النسبى ( Relativism  ) هو مذهب يقرر أن المعرفة نسبة بين العارف و المعروف .

المطلق ( Absolute  ) و يعتبر كانط هو أول من أدخل مفهوم المطلق فى مجال الفلسفة وذلك فى مفتتح الطبعة الأولى لكتابة ” نقد العقل الخالص “. يقول ” إن العقل محكوم عليه, فى جزء من معرفته, بمواجهة مسائل ليس فى امكانه تجنبها. وهذة المسائل مفروضة عليه بحكم طبيعته, و لكنه عاجز عن الإجابة عنها. و هذة المسائل المطروحة بلا جواب تدور حول مفهوم المطلق سواء أطلقنا عليه لفظ الله أو الدولة. و قصة الفلسفة, فى رأى كانط, هى قصة العجز بل قصة الوهم الذى يأسر الانسان عندما يتصور اقتناص المطلق بطريقة مطلقة. ومن هنا يميز كانط بين حالتين : حالة البحث عن اقتناص المطلق و حالة اقتناص المطلق, وذلك لأن المطلق بمجرد اقتناصه يصبح نسبيا ويتوقف عن أن يكون مستوعبا للواقع برمته.

فالعلمانية هى فكرة فلسفية بالأساس تعتمد على إعمال العقل فى كل الأمور الدنيوية بعيدا عن أى سلطة دينية, سياسية, و إجتماعية , والتى قد تتشابك مع مفهوم التنوير الذى يعنى ألا سلطان على العقل إلا العقل نفسه .

والأساس الإشتقاقى لكلمة العلمانية هو من ” العالم ” و ليس من ” العلم ” و إن كان هذا لا يعنى أن دلالة الكلمة فى تطورها التاريخى مفصولة عن دلالة ” العلم “. فالإهتمام بالعالم وبشؤونه, وبالإنسان بوصفة قلب العالم ومركزه, هو جوهر دعوة ” العلمانية”.

إذن كيف تكون العلمانية هى الطريق لبناء السلام ؟

هذا السؤال تم الإجابة عنه فى سلسلة ( ابن رشد اليوم ) العدد الثانى , بعنوان  ” الأصولية و العلمانية فى الشرق الأوسط “, المحرران  د.مراد وهبه , د. منى أبو سنه.

 و يتناول العدد قضية محددة وهى ” الأصولية و العلمانية “.  فنحن نعيش بالفعل فى ظل أصولية إسلامية قائمة على فرض الفكر بالقوة و الإستناد إلى مفهوم ” الحاكمية ” لله وحدة , أى أن الله هو الذى يحكم من خلال النصوص الدينية وليس البشر هم الذين يحكمون . و الذى صاغ هذا المفهوم ( أبو الأعلى المودودى ) فى الهند , ثم تلقفة المفكر الأصولى ( سيد قطب ) فى مصر , وتعتبر الأصولية بتلك المفهوم هى المنتج الحقيقى للإرهاب و التعصب الذى نعيشة داخل المجتمع المصرى الحالى.

مما يدعونا بالضرورة للعلمانية كبديل للأصولية لبناء السلام . فكما ذكرت د. منى أبو سنه , فى إفتتاحية العدد بأن ما يحدث من أحداث إرهابية هو دليل على أن الأصوليين لا تنفع معهم المواجهة البوليسية أو العسكرية , إذ الأجدى المواجهة بالعقل , أى بالفلسفة . و هى تلك النقطة التى نثيرها فى المقال بأن بعد حفظ و صناعة السلام يجب بناء سلام حقيقى قائم على العلمانية , سواء بناء السلام الدولى بمواجهة الإرهاب الدولى القائم على الفكر الأصولى , أو مواجهة الإرهاب الداخلى القائم على نفس الفكر الذى يشجع على التعصب والتطرف وقتل الأخر المختلف دينيا أو فكريا .

فمشكلة الأصوليين هو تمسكهم الشديد بحرفية النصوص الدينية بغض النظر عن السياق التاريخى لتلك النصوص الدينية . و أن الإسلام يقدم لنا أجوبة عن جميع الأسئلة الهامة الخاصة بالشئون الدنيوية بغض النظر عن الظروف التاريخية.

قتل الشيعة كمثال !

و يمكنا تطبيق منهج المجال الذى يدعو للعلمانية بديلا للأصولية الدينية لبناء السلام بمصر , فبإسترجاع واقعة قتل الشيعة تبين أن قتلهم جاء من رواد المسجد الذى دعا إلى التحريض على قتلهم بإشتراك و إيعاظ من السلفيين. و أثناء عملية قتل الشيعة كان هناك تكبيرات من المواطنين العاديين المحيطين بمنزل الشيعة الذين شاهدوا عملية القتل و أطلقوا التكبيرات !!

 فهذا يدل على العقلية الأصولية التى أمتلكت المطلق الدينى و تريد قتل المطلق الدينى الأخر الذى يعارضها فى التفكير لشعورها بالعجز عن مواجهته فكريا أو شعورها بالتهديد فكريا فى ظل وجودة ! .

 العلمانية و السلام الإيجابى

 و يمكن توصيف الحالة المصرية الأن بأننا نعيش على المستوى الداخلى  حالة ( سلام سلبى ) بالرغم من عمليات القتل و النهب التى يتعرض لها المسيحين بالصعيد , و التهديدات التى يتلقاها الشيعة يوميا بالقتل . و لكن الدعوة يجب أن تكون بإحلال ( السلام الإيجابى ) الذى يأتى من خلال تغيير مناهج التعليم التى تعتمد على كم كبير من فكر أصولى إسلامى , و أيضا مراجعة الخطاب الإعلامى الذى يأخذ نفس النهج بالتفكير الأصولى , و لا ننسى دور المساجد ولا سيما خطبة الجمعة التى تحمل فكر أصولى إسلامى قائم على إحتكار المطلق ونفى الأخر وعدم قبولة وقتله فى أحيان أخرى ( الشيعة كمثال ) .

فالسلام الإيجابى لن يأتى إلا من خلال تطبيق العلمانية التى لا تحتكر المطلق و ترى كل شىء نسبى , التى تفضى بالضرورة للتسامح وقبول الأخر وعدم التعصب و التطرف وبناء السلام .

ففى الدولة العلمانية لا يملك أحد الحقيقة المطلقة فكل شىء يجب أن يطرح فى شكل نسبى, أى يقبل الصواب و الخطأ. وذلك حتى يمكننا التفكير فى كل ما يتعلق بأمورنا الدنيوية على أساس عقلى بعيدا عن المطلق الدينى الذى يستهدف الأخرة بشكل أساسى .

فإذا كان يعتقد المسلمين السنة , الذين قاموا بقتل المسلمين الشيعة , بأن معتقدهم هو نسبى بمعنى إنه قد يكون صح وقد يكون خطأ و يقومون بإرجاء معرفة الحقيقة فى الأخرة , بدلا من أن يقومون بتطبيق معتقدهم المطلق بشكل متطرف وقتل الأخر ونفية , سيكون هناك بالضرورة سلم داخلى و هذا ما ندعو إليه من خلال العلمانية بديلا للأصولية الدينية لبناء السلام .

فالعلمانية هى نمط من التفكير يناهض “الشمولية” الفكرية و “الإطلاقية” العقلية للمؤسسات الدينية, أى لرجال الدين, على عقول البشر حتى فى شئون العلم و الحياة الإجتماعية. وهى مناهضة ” امتلاك الحقيقة المطلقة ” دفاعا عن ” النسبية ” و ” التاريخية ” و ” التعددية ” و “حق الإختلاف ” بل و ” حق الخطأ ” .

 حسن كمال