لست فيلسوفا، ولكن لي فلسفة خاصة، سأحاول إقناعك بها، ولن أنجح.

فلنتفق في البداية أن كل من حولي هم أغبياء، وهذا لا يعني بالضرورة أن أكون أنا ذكيأً، قد أكون أحمقاً طائش الفكر، ولكنهم أغبياء أيضاً، ودعني أؤكد لك أن كل المبادئ والأفكار التي أدعيها وقد تتعارض مع اعتباري أنهم أغبياء، لا تهمني في شيء، فلتذهب كلها للجحيم، وليذهبوا بغبائهم إليه، ولأبقى أنا، أو أذهب معهم، فكل ذلك لا يهم، ما أقوله أيضاًهو ما أراه صوابا، وليس بالضرورة ما أطبقه أنا، فلتأخذ مني كلامي، ولتترك أفعالي لشأنها، فأنا وإن كنت مصيبا ًفإنني أخطئ، ولكن الكلمة إن أصابت.. لا تخطئ ثانيةً!

لدينا صندوق، صندوق كبير، بداخله صندوق آخر أصغر منه، لا يكاد يشغل أي مساحة تذكر، ذلك الصندوق الصغير محكم الإغلاق، به بضعة دبابيس حديدية، وبه صندوق آخر مغلق أيضا، به المزيد من الدبابيس، مما لا يقبل الشك أننا لن نفتح أحد تلك
الصناديق يوما لنجد به دبوس ذهبي، أو ورقة مالية، سنجد ذات الدبابيس الحديدية، قد تطرا عليها بعد التغيرات، فتصدأ مثلا!

دعنا نكرر تلك التجربة ولنضيف للدبابيس الحديدية بعض الطلاء، ستتكرر النتيجة مرة أخرى، لن تجد دبوس ذهبي أو ورقة مالية أو أي شيء ذا قيمة، الدبابيس المطلية، قد يبهت طلائها وقد يبقى كما هو، ولكنها تبقى كما هي.. مجرد دبابيس!

أعلم أن الأمر ممل ولكن لنكررها مرة أخرى، فلنضف نحن الدبابيس الذهبية بالصندوق الأوسط ولنترك الصندوق الأصغر بدبابيسه المطلية كما هو، وسنجد نفس النتيجة، يبقى الذهب في مكانه والحديد في مكانه، حتى ولو خلطناهما معا، سيبقى الذهب ذهباً، وسيبقى الحديد حديداً، وفي كل تلك الحالات لن تجد دبوساً قد خرج من صندوقه!

ذلك هو ما يدور بخاطري بالتحديد عندما يقول أحدهم مبتسما في ثقة : ” فكّر خارج الصندوق! ” محاولا نقل الطاقة الإيجابية والتنمية البشرية والقوة الإنسانية وتلك الأشياء الغريبة للمستمع، وبرغم أن الأفكار هي معالجة لخبرات سابقة وأنها لا تعتمد إلا على كمية خبراتك وسرعة معالجتك لها فإنهم يصرّون أن التفكير خارج الصندوق ممكن وأن من فكّروا خارج الصندوق تذكّر التاريخ أسمائهم وكل تلك الأشياء.

ما أريد قوله أنه لا أحد يفكر خارج الصندوق، وأن الصندوق إذا خرجت منه فإنك ستكون بصندوق آخر! ولا أحد يأتي بجديد، كل فكرة مبنية على خبرة، أو مستوحاه من مشهد ما، قد تجد أحيانا العلاقة وأحيانا لا تجدها، ولكن عدم إيجادك لها لا يعني أبدا أنها غير
موجودة، فقط يعني أنها أعقد من أن يستوعبها عقلك، الذي خلقها أصلا! وإذا كان هناك شيء لابد لنا أن نفكر خارجه فهو تلك الزنزانة اللامنطقية من التقاليد والعادات الفكرية.

تجدهم جميعا يصرخون مؤكدين : ” أنا أفكر إذا أنا موجود ” ، مدّعين أنهم متحررين لا حدود لخيالهم وإبداعهم، وإن وجودهم مرتبط فقط بعملية التفكير التي لا يقومون إلا بها بالطبع، لم يصل هؤلاء لمرحلة إنتاج فكرة كاملة حتى، هم حبيسي فكرة واحدة، تشكل
الثوابت والقناعات والحدود وما إلى ذلك، يصورونها بآلاف الصور فيعتقدون أنها آلاف الأفكار، ولكن في النهاية تكون النتيجة واحدة، وغالبا ما تكون خاطئة، دائما تأتي أفكارهم بما لايخالف قناعاتهم وأقف هنا تحديدا حائرا أمام أهمية التفكير في شيء أنت به
مقتنع سلفاً، من الأكرم أن تبقى على قناعتك بدون أن تفكر فيها تفكيرا لن تأخذ نتيجته على محمل الجد، أنت هنا تهين الفكرة، وتدّعي أو تعتقد فعلا أنك بذلك تكون مُفكراً!

إذا كان وجودي وإعتباري ككائن حي يرتبط لا بتنفسي وتفاعلي مع الطبيعة وإنما بالتفكير، فلا أعتقد أنني موجود، إذا بقيت على أسلوب التفكير ذلك، فإذا كنت أفكر إنطلاقا من قناعات مسبقة لا أعلم صحتها من خطئها فقد تكون قناعة كالحياة أو الوجود نفسها
هي خاطئة، قد يكون ذلك ما نحن فيه هو العدم، وإذا بقيت أفكر معتقدا أنني بداخل صندوق سأخرج منه يوما، فإنني لن أقوم بأي شيء على الإطلاق سوى اختلاق أفكار ما يهمني فيها هو أن تبدو غريبة وغير مألوفة ليتضح بعد ذلك أنني ما زلت بالداخل فأقوم
باختلاق أفكار أخرى، بدون الوصول لأي شيء مفيد أو حقيقي، وبدون الخروج من ذلك الصندوق المزعوم، فإذا كان هناك وجود يرتبط بالتفكير، فسيكون ذلك فقط هو التفكير المنطقي، حيث لا صناديق أصلا.. لنفكر خارجها!