أصدر الأزهر قرارًا يوم الاثنين الماضي يقضي بحظر ارتداء النقاب داخل المعاهد التابعة له غير المختلطة، تاركًا خيار ارتدائه خارج الفصول الدراسية أمراً شخصيًا. بالإضافة للمدن الجامعيّة الحكوميّة. نحن نتفق والقرار، ونطالب بتعميمه على سائر المنشآت الحكوميّة قريبًا.

     لا شك أن حرية كل فرد منا مكفولة، شريطة عدم الاعتداء الماديّ على فرد آخر أو ممتلكاته، وهذا ما يكفل عدم الاعتداء عليك نفسك. هذه هي أسس المجتمعات التي تحترم الفرد، وتقيم له وزنًا، وهذا الفرد هو المنتج والمستهلك والمسؤل الأول والأخير عن رخاء المجتمع ككل، سواء اقتصاديًا، أو سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو ثقافيًا.

     الحقيقة المفجعة أنه لا أحد في مجتمعاتنا العربية والشرقية ككل يؤمن بهذا المبدأ كمفهوم مؤسِس للمجتمع، بل وتتمادى كل أنماط التمييز على أسس دينية وعشائرية وقبلية بشكل همجيّ يجعلنا في أذيال العالم المتحضر، نصبو إليه وننشده، ولكن لا نرتقي بسلوكياتنا وفكرنا إليه.

     النقاب يساوي عندي حرية امرأة اختارت بمحض إرادتها أن تتّشح بالسّواد لأي سبب كان. والتجرّد الكامل من الملابس هو قرار خاص بامرأى اختارت التعرّي. ومن المفترض أن يُكفل إن كُفلت حرية النقاب، تبعًا للمبدأ الذي اتفقنا عليه في الفقرة السّابقة. ولكن، النقاب قد يكون مقبولًا في الشارع حيث لا أنه ليس من اختصاص أي فرد هوية فرد آخر، وقد يكون التجرّد الكامل من الملابس مقبولًا على شاطئ العراة بنفس النهج، مع اعتراضي الكامل على أن التجرّد هو النقيض المقابل للنقاب؛ لأن، والحالة، هذه لا تجوز المقارنة، لأن كلا المرأتين اختارا ما يناسب كل منهن بحرية تامة. أي أنهن اتفقا على مبدأ الحرية، واختلفا في التعبير عنه، وهذا لا مضار منه لأي فرد آخر إطلاقًا.

     ولكن عندما  يستدرجنا التحليل المنطقيّ لأماكن العمل، والدراسة، وسائر الدواوين الحكومية بشكل عام، فإن الأمر لن يكون مقبولًا ولا للمثال الأول ولا للمثال الثاني. ليس فقط لأن أماكن العمل والدراسة وسائر الدواوين الحكومية لهما زي يتوافق ومحيط المكان، ولكن أيضًا لأن النقاب من شأنه أن يخلق تمييزًا واضحًا في المكان بين مسلمة وغير مسلمة، وهو ما لا نرجوه، خاصة في ظل ما نسعى إليه لمسح هذا العصب المتطرّف الذي يميّز على أساس الدين في منطقتنا ذات الأغلبية المسلمة.

     المثار الأهم فيما يتعلّق بقضية النقاب، هو كون المنتقبة تمثل الحكومة في هذا المكان بالذات، إما مُدرّسة، أو ممرّضة، أو طبيبة، أو موظفة، أو طالبة، وهو يتعارض وما ننشده من علمانية الحكومة، هذا أولًا. أمّا ثانيًا، فإن المواطن العادي الذي يتعامل مع دواوين الحكومة الرّسميّة من حقه المشروع أن يرى هيئة الشخص المفوّض من قبل الحكومة للتعامل معه، حتى يكتسب ثقة تسمح بالسير قدمًا في مصالحه كمواطن أو أجنبيّ، بالإضافة لبشاشة مهارات الاتصال من جانب موظف الحكومة، والتي تأتي تعبيرات الوجه (Facial Expressions) واتصال العيون (Eye Contact) على رأس قائمتها. إذن، فمن غير المنطقيّ أن تُعيّن موظفة منتقبة في جهة حكومية، فهذا بالإضافة لكونه اعتداءًا صارخًا على حق المواطن في التعرّف على من يتعامل معه باسم الحكومة، فهو ينقض دور الدولة الذي يجب أن تلعبه في عدم التمييز، بل وحظر عدم التمييز في الدواوين الحكوميّة.

     إذن، فنحن موافقون تمامًا على منع الانتقاب أو الاحتجاب منعًا باتًا في الأماكن التابعة للحكومة للأسباب السابقة. ولكن مع حق الشركات أو المدارس الخاصة أن تتبع ما يحلو لها من سياسات. فالمنع الأول هو منع واجب من الحكومة لعدم التمييز. أمّا حرية أصحاب المنشآت الخاصة في التعامل مع هذه الحالات، فهي ترجع لهم. وعلى سبيل المثال، إذا افتُتح مطعم خاص لا يستقبل إلا المحتجبات، فهذه حرية مالك المطعم، شريطة عدم الاعتداء. وكذلك من حق أي فرد افتتاح ملهى لا يستقبل المحتجبات. الخلاصة مما سبق، أنه يتعيّن على الحكومة عدم ممارسة تمييز ضد فئة معينة لصالح فئة أخرى، لأن ضرر ذلك سيقع على كل المواطنين من الفئة الأولى. أمّا في حالة أصحاب الأعمال الخاصة، فلهم كامل الحرية؛ لأن العمل الخاص قائم على رضاء الطرفين، وإذا استأت أنا شخصيًا من ملهى يميّز بين المصريين والأجانب، لن أرتاده ثانيًا.

     لقد أثرت هذه المقالة بالتحديد بسبب الزّوبعة الأخيرة التي حدثت من جرّاء الفعلة الشّنيعة التي ارتكبها شيخ الأزهر المصريّ الإمام محمد سيد طنطاوي ضد طفلة قيل في الإعلام المصريّ أنها في المدرسة الإعدادية، ثم صرّح الإمام شخصيًا بعد ذاك أنها مقيّدة في الشهادة الابتدائيّة.

     الواقعة باختصار، بحسب شهادة الصحافيّ بالمصريّ اليوم، أنه أثناء زيارة الإمام لفصل دراسيّ بمعهد أزهريّ في ضاحية مدينة نصر (شماليّ شرق القاهرة)، في زيارة روتينيّة مصاحبة لبداية العام الدراسيّ، لقى طالبة في الصف الثاني الاعدادي ترتدي النقاب داخل قاعة الدرس، فانفعل وطالبها بخلعه، واحتد لدرجة أنه خلعه لها، أو أجبرها على خلعه، أو ما شابه، وأضاف: وطلب شيخ الأزهر من الطالبة عدم ارتداء النقاب مرة أخرى طوال حياتها، فقالت إنها ترتديه حتى لا يراها أحد، فرد طنطاوى منفعلاً: “قلت لك إن النقاب لا علاقة له بالإسلام وهو مجرد عادة، وأنا أفهم فى الدين أكتر منك ومن اللى خلفوكى،” بحسب موقع مصراوي.

     ما يعنينا الآن هو إبداء رأي نحسبه متزنًا وسط الآراء الكثيرة التي شجبت وتضامنت وتشاحنت وتباغضت.

     أولًا، من خلال متابعتي للقضية منذ نشرها حتى تصريح الإمام على التلفاز الرّسميّ، أستنبطت صدق الإعلام وكذب الإمام، ليس لسمعة الإعلام المصريّ، فسمعته ليست جديرة بالمصداقيّة على أيّة حال، ولكن لسبب بسيط، أنه لو كان ما حدث هو ما قصّه الإمام فقط،  سواء لبرنامج البيت بيتك أو العاشرة مساءًا الشّهيرين، لا أعتقد أننا كنا سنشهد كل هذه البروباجندا، ولا كنا سنسمع بالحادثة من الأساس. ولكن ما نشره الإعلام وبالذات الصحافيّ الذي كان في صحبة وفد الأزهر للمعهد الأزهريّ، الذي تم زيارته، على الهواء لأمر مُشين، وهو ما يستحق وقفة حازمة إذا كان قد حدث فعليًا.

     ثانيًا، إذا كنا نتفق والقرار، فإننا نرفض رفضًا قاطعًا هذا السّلوك المهين الذي ارتكبه شيخ الأزهر في حق الفتاة، إن وقع منه بالفعل. فهذا تعديًا واضحًا من قبله، ورجل في مكانته لا يصح أن يخرج منه مثل هذا السّلوك المعتدي. ولو كنا في دولة تحترم الفرد لكان من حق الفتاة مقاضاة الإمام أمام قضاء عادل. ولكن هذا ما يحدث في المنطقة، فالقرارت، وإن كانت تصبّ في مصلحة المواطنة وعدم التمييز، تُتخذ بعشوائيّة وأثر رجعيّ مقزز للغاية، وهي إخفاقات مزريّة لا تتعلم الحكومة منها أبدًا. أمّا العقلانيّة، فهي تحتّم علينا ها هنا ألّا ننساق خلف قرارات نساندها، مثل قرار منع النقاب، إذا كانت الطريقة التي تمّت بها القرار مقززة بشكل مخزي. القرار لم يصدر لإيمان الأزهر بالحريّة، ولكن لتغطية شيخ الأزهر إعلاميًا. ولكن نحن وراء مسؤلي هذه البلد حتى يحترموا فرديّتنا واختياراتنا وحقوقنا كأفراد. فقرار كهذا كان يجب أن يصدر قبل بداية العام الدراسيّ، حتى تناقش كل عائلة تصرّ على النقاب موقفها مع ابنتها، وتقرر مصيرها، إما بتحويلها لمدرسة خاصة أو استكمالها للدراسة مع الإذعان للشروط الجديدة. وهو ما حدث أيضًا بعشوائية مع منقبات من سكنى المدينة الجامعيّة بالقاهرة، حيث فوجئن بتطبيق القرار بأثر رجعيّ. أنا مع القرار، وأظن أن كثيرًا بعد توضيحي السّابق يتفق معي، ولكني ضد الطريقة الهوجاء الذي مورس بها القرار.

     ثالثًا، إن السبب الأكثر منطقيّة لرفضنا للنقاب هو ما ذكرناه مسبقًا، ونحن لم نذكر بأيّة حال عن إمكانيّة ارتكاب جرائم نكرة تحت هذا السّتار الأسود، وهو ما يحدث بالفعل؛ لأن الجريمة مسلكًا قد تسلكه المنتقبة والسّافرة على السّواء. بل ولم نكرر ما صرح به هاني هلال، وزير الدولة للتعليم العالي، أن الشباب يتسللون لغرف الفتيات من خلال النقاب، وهذا وارد. ولم نحلل كون النقاب والحجاب على السّواء يفرضان عزلة على المرأة، فهذا شأنها لا شك. ولكن أسباب رفضنا الأوجه للانتقاب أو الاحتجاب داخل الدواوين، والمدارس، والجامعات الحكومية هو ما وضّحناه قبل ذاك، ولا علاقة له بما يمكن أن ترتكبه (أو يرتكبه) إحداهن في حق المجتمع، لأننا بإصدار هذا الحكم المسبق نكون قد وصمنا أخلاقياتهن جميعًا غيبيًا. ولكننا مع إنزال أشد العقوبات صرامةً فيمن تسوّل لها نفسها أو نفسه بارتكاب الجرائم تحت هذا القناع الأسود، فوقتها نكون قد أسدينا لهن حقوقهن كاملةً، وانتهكن هن حرياتنا كاملةً. وأنا أتفق تمامًا وما ذكره وائل.أو على موقع فيسبوك في مقالته لا حرية لأعداء الحرية، أن تطبيق مبادئ الحريات الفرديّة، والمشار لها في الفقرة الثانية من هذا المقال، علي أرض الواقع مسألة مختلفة تمامًا، وتتضمن حسابات لا علاقة لها بالحرية من قريب أو بعيد. وما أقصده إنه لحظة ما ترتبط قضية حقوق الإنسان بالنسبية الأخلاقيّة والثقافيّة داخل مجتمع ما، تعاني فيه فئة من ازدواجيّة ما، تتحول حقوق الإنسان لباب خلفيّ يسمح بمرور أفكار وممارسات مناهضة تمامًا للمبدأ الذي سمح بإحتوائها بداية.”

     أمّا وما ننشده إن تم تفعيل هذا القرار في سائر الدواوين والمدارس الحكومية أن يكون سبب الرّفض مدنيًا قاطعًا، لأيّ من العلل المذكورة سابقًا، سواء التمييز الذي تثيره المنتقبة أو المحتجبة في المكان اللائي يتواجدن فيه، أو الاعتداء المُمارس من قبل الأولى على المواطنين بحيث لا يتعرّفون على هوية المُتعامَل معها. وألّا نغرق في دوّار البحث عن أسانيد شرعيّة تبيح خلع النقاب أو الحجاب على السّواء، فمنع النقاب بالاستناد للدين سيكون مثل فرض الجزية على غير المسلمين بالاستناد لنفس الدين. ولكن أعتقد أنه الأفضل، والأكثر مدنيةً وتحضرًا، أن تكون علّة المنع مدنية بحتة، وليست دينية، وألّا نتشبث بإثبات عدم فرضيته شرعًا، لأن كونه فرضًا من عدمه لا يعنينا مطلقًا، كوننا، والحالة هذه، ننشد دولة علمانيّة تستقي مواد قانونها من دستور وضعيّ يبرز مبدأ المواطنة لا الطائفية، الحرية لا الثيوقراطيّة، والمساواة لا التمييز. ولتكن لنا في فرنسا، التي سبقتنا في هذا المضمار، أسوةً حسنةً، حيث منعت أيّ كل الرموز الدينيًة على السّواء. إذن، ولحدّ الظواهر الطائفيّة البغيضة التي تنشب نيران الفتنة في مصر، نعتقد في منع الرموز الدينيّة في مصر، وأولهما النقاب أو أخواته من الإسدال أو الشادور أو البُرقة، وثانيهما الحجاب، وثالثهما الصّليب، ومن ثمّ أيّ مظهر دينيّ يعوق سير الحياة المدنيّة بشكل متحضر وراقٍ، ويضع حدًا للتمييز، والفتن الطائفيّة، والمشاحنات، والمواجهات التي تقف سببًا، بل أسبابًا مرصوصةً، وحائلًا دون لحاقنا بركب الحضارة العالميّ.

     ما صرحت به الجماعات الإسلامية المتطرفة هو دليل جديد على إرهاب هذه الجماعات الزّاعقة بكل ما ينافي التحضر والمدنيّة، وهو دليل أكيد على أن لا حرية لأعداء الحرية. وإن كنا نحن العلمانيّون قد سلكنا كالعادة الطريق الحضاريّ في مباركة القرار، ولكن رفض الطريقة التي مورس بها. فهم لا يدركون للمنطق مسلكًا، وها هم من جديد يطالبون إخوانهم الإرهابيين (الإسلاميين المصريين) ”بالبدء في دك حصون حكومة فرعون هذا العصر والضرب بيد من حديد على كل العملاء والخونة، في النظام المصري.” إنها دعوة صريحة للإرهاب والتعدي على الأرواح والممتلكات في مسلسل حقير متكرر لا يملكون غيره، ولن يملكوا بأيّة حال؛ لغياب العقل والمنطق في دعاواهم المتخلفة ومقاصدهم الدنيئة.

     ما اندهشت منه حقًا هو سماعي للفظة “الحرية الشخصية” لأول مرة من الإسلاميين. هذا تقدم مذهل، إما في فهمهم الذّاتي للحرية، أو في جهدنا النشِط لنشر قيم الحرية. وعلى كل حال، أرجو أن يتثبّتوا‘ بإذن الله، على هذه الكلمة “طيلة العام،” ولا يقولون عكسها عندما يتم الاعتداء على سافرة سواء بالقول أو الفعل، من قبيل “هي المسؤلة” “ويجب أن تحتشم” إلى آخر هذا الهراء. أود أن يدافعوا عن “الحرية الشخصية” “وحرية الرأي” التي يتشدّقون بها هذه المرة، ولأول مرة ولأخر مرة على الأرجح، كل مرة. ويأخذوا موقفًا مماثلًا بالتضامن مع سافرة في حقها، كما تضامنت أنا اليوم مع منتقبة في حقها.

* الصورة من هذا الموقع.