تمر على العالم خلال هذه الأسابيع من أغسطس، ذكرى عدة أيام مشهودة فى تاريخ البشرية، يجمعها أمر غاية فى الأهمية فيما يتعلق ببناء الدول. ففى يومى 6 ثم 9 أغسطس الماضيين، مرت الذكرى 65 لتفجير كل من مدينتى هيروشيما ونجازاكي، اليابانيتين، بأول وآخر قنابل نووية تستخدم – حتى الآن – ضد البشر، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الأيام الأخيرة فى الحرب العالمية الثانية. وقد مات على إثر هذا الفعل، ما بين 150 ألفاً و246 ألف مواطن يابانى، غير من أصيب وعانى من إصاباته مدى الحياة. وفى يوم 15 أغسطس الماضى، مرت الذكرى 63 على استقلال الهند، فما الذى يمكنه أن يجمع بين تلك الأحداث ككل؟

لقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، مشاركتها، من خلال سفيرها جون روس، لأول مرة هذا العام، فى حضور الذكرى المؤلمة لإلقاء القنبلة النووية الأولى على هيروشيما، وفى معيتها مندوبين عن بريطانيا وفرنسا، لأول مرة أيضاً. إن هذا الحدث، يُشكل تحولاً كبيراً، يُعبر عن اختلاف فى الرؤية للدول الكُبرى فيما يتعلق بأخطاء الماضى، إن هذا القرار لحضور تلك الذكرى، إنما يُعبر عن تصميم، لمحو مرارة ذكريات الماضى، فى محاولة لبناء مستقبل أفضل، قابل للعيش وتخطى مشاعر الكُره، لأن تقدم الإنسان على الأرض، إنما هو أهم من أى حياة داخل قوالب، يصونها “حراس هياكل” الزمن، دون تحول إلى “ما بعدها” من تقدم يُجسده العلم والتعايش، الذى يبنى عوالم أفضل من الإلتفات إلى الماضى والعيش فيه، دون إنجازات غير الحنين إلى ظروف “لن” تعود!

أما الهند، فهى نموذج يجب وأن يُحتذى به على مستوى تعايش سُكانها، رغم الاختلافات الجبارة بينهم جميعاً. فسُكان الهند حوالى مليار و200 مليون نسمة، وفقاً لإحصاء عام 2010، يُشكل الهندوس فيهم حوالى 80%، بينما المسلمون حوالى 13%، والمسيحيون 2%، والسيخ 2%، إلى جانب أديان أُخرى. وقد أُقيم التعايش بين كل هؤلاء، بناءً على القانون والأعراف، معاً، رغم أن الدين لعب دوراً غاية فى الأهمية فى تاريخ الهند التى كانت مصدرا لأربعة من أهم الديانات والمعتقدات على مستوى العالم، هى: الهندوسية (تأتى فى المركز الثالث أكبر من حيث عدد معتنقيها على مستوى العالم، بعد المسيحية والإسلام على التوالى) والجاينية (رغم قلة معتنقيها، لهم تأثير حيوى على الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى الهند) والبوذية والسيخية.

ولقد مرت الهند بالعنف الطائفى، كمرحلة فى حياة الدولة الهندية، قبل أن تتوطد دعائم بناء الهند الحديثة، التى تنافس اليوم أعتى الدول فى بناء تكنولوجيات على أعلى المستويات، بأسعار أقل، لتصبح فى حد ذاتها تجربة للإنسانية جمعاء. إلا أن الشعار اليوم، أصبح “الوحدة فى التعددية”، وأصبح هذا الشعار دستور حياة يفخر به الهنود، لأنهم كدولة فقيرة، يوماً، استطاعوا بهذا التوحد والتعايش فيما بينهم، أن يبنوا هنداً حديثة، وفقا لدستور مماثل للدستور التركى فى علمانيته، يحترم الأديان، ويُخرجها خارج إطار السياسة، لأن الأديان مهما حدث قواعد ثابتة لا يمكنها أن تتخلل “اللا قواعد” السياسية القذرة!! وأثبتت تلك الحضارة الجديدة للهند، القدرة على الاتحاد فى البناء، وتخطى الصعاب، لبناء قوة كُبرى يحسب العالم حسابها، فى استراتيجياته الحديثة!

إن العالم لا يحسب حساب الدول الضعيفة، والسياسة لا ثوابت فيها. والحديث الدائم حول أهمية دول بعينها كمصر، من منطلق زوايا مختلفة، ثابتة هى الأخرى، ولى زمانه! إن المتغير، هو ما يصنع القوة، ولا يظل القوى قوياً ولا الضعيف ضعيفاً، طالما أن هناك من رأى المصلحة والهدف وعمل من أجلهما، بخطط علمية مدروسة، تواكب تطور عقل الإنسان. وقد أصبح الحديث عن “معاداة البعض” للدين فى مصر، من قبيل الهُراء، حيث إن زوال الدين عن مصر، لهو من “المستحيلات”! وبالتالى، فلنتكلم عن “الإمكانيات”، ونترك المستحيلات جانباً!! إننا نملك كل ما من شأنه بناء دولة عُظمى وقوية، لو “خلُصت” النوايا! وللأسف، فإننى لا أرى إخلاص النوايا فى القوى السياسية المختلفة فى مصر، سواءً حكومة أو معارضة أو تيارات دينية ـ سياسية، تتلاعب بالدين، من أجل سلطة زائلة، دون التفكير فى مصلحة المواطن الإنسان!

أعتقد، بأننا فى مصر، بحاجة إلى التعايش والسلام فيما بيننا، قبل أن نقيم سلاماً أو تعايشاً مع من حولنا!! إننا نُعانى بشدة من النفور والعداوات الشخصية وما قبل أو بعد الشخصية، بينما نرى العالم حولنا، وقد تجاوز كل الحواجز، ليتعايش وينتج ويتعلم ويتخطى عداوات الزمن والأعراق، من أجل بناء مستقبل أفضل!! إننا بحاجة إلى أن نحب مصر، وبها نتلاقى على الاختلافات الموضوعية، لا الشخصية أو الدينية أو المتقولبة وفقاً لجنس أو لون، من أجل مستقبل أفضل، كما فعل من تقدموا علينا وتخطونا فى معركة بناء الإنسان العصرى، القادر على التنافس على مستوى العالم. إننا ووفقاً لإنتمائاتنا الأيديولوجية قد أقمنا “ألف” مصر، ولم تعد مصر الواحدة تضمنا!! ولكى نصلح مصر، علينا العودة بمصر لتكون مصر “واحدة”، فى ظل تعايش فيما بيننا، واختلاف موضوعى بدلاً من الشخصي! علينا الاهتمام بالاتحاد فى مصر بعيداً عن الكم، والاهتمام بكيفية بناء عقل كل مواطن، لتصبح مصر بمجموع مواطنيها، فى ظل تعايش فيما بينهم رغم الاختلافات الموضوعية، قادرة على التنافس العالمى!

لقد قال أمين عام منظمة الأمم المتحدة بان كى مون، فى إطار حديثه حول ذكرى القنابل النووية التى أُلقيت على اليابان منذ 65 سنة، “إننا نريد أن نخلى العالم كله من القنابل النووية ونخلق التعايش بين البشر”، فهل نفكر نحن عكس العالم كله، بخلق الاختلاف، داخل الدولة الواحدة ونوطده؟ هذا سؤال غاية فى الأهمية، أتركه لضمير كل فرد، يفكر به كما يعتمل ضميره ومبادئه