لا يختلف اثنان على ان اي سوء يصيب بلدا (غير الكوارث الطبيعية) فان سببه حكومة ذلك البلد متمثلة بالسياسيين الذين يعتلون المناصب ويجعلون لانفسهم حق اتخاذ القرارات..ولا يختلف الامر ان كانت الحكومة ترفع شعار الديمقراطية ام لا .. فالمهم هي النتائج التي يحصل عليها الانسان,فما الفائدة من حكومة (ديمقراطية !!) وهي تعمل لصالح بطنها !! وماذا يجني المواطن من حرية الرأي اذا كانت الحكومةٍ قد غلّفت كرامتها بالفولاذ فصار المديح والهجاء سيّان في حساباتها..فالديمقراطية هنا حالها كحال اللاديمقراطية..كلاهما يدفع حياة الناس الى العذاب و اليأس والذي بدوره يدفع  الانسان اما الى العجز او التطرف ..

فالعاجزون من  ابناء المجتمعات المعذبة الذين لا يقوون على تحمل اعباء الحياة غالبا مايتجهون الى التخدير..فيدمنوا الخمر او العقاقير.. لتساعدهم على احتمال ما لا يطاق من ظلم .. او من قرارات عجيبة غريبة..ما انزل الله بها من سلطان تصدرها الحكومة لتلقي بثقلها على كاهل المواطن المسكين..

أما اولائك الذين يتخذون التطرف الديني وسيلة لحياتهم.. يحاولون من خلاله تغير اوضاع البلد واوضاعهم..فيدفعهم التطرف اللامتزن الى تعذيب الوطن وابنائه ظنا منهم انه الطريق الامثل.. وبالنتيجة فان ذلك ضررا اخرا يتعرض اليه الانسان المسكين والسبب ايضا تتحمله الحكومة الغير مسكينة !! .. فيندفع – كما اسلفت – الى احد الشرّين..اما ارهابي..او حشاش .. فكما الارهابيون هم ضحايا الحكومات والمجتمعات فان المدمنين و ( الحشاشين ) هم ايضا كذلك..

وعندما اتذكر بعض هؤلاء  الذين قابلتهم بحياتي..يزيد يقيني ان ما هم فيه من دمار اجتماعي متمثلا بانهيار عوائلهم من جهة والاحتقار الذي يواجهونه كل يوم من جهة اخرى ماهو الا نتيجة لسياسات الحكومة الخاطئة عندما يمسك بدفتها السياسيون الفاشلون.. فالذين ارتدوا الثياب الباكستانية !! واطلقوا اللحى ليثبتوا ولائهم للدين حتى اصبحوا عارا عليه.. ونقطة سوداء في تاريخه بعدما استحلّوا سفك الدماء بلا تمييز ولم يسلم منهم حتى الخدّج..

اما المدمنون.. و الحشاشون الذين هربوا من عذاباتهم.. واستحالة حل مشاكلهم.. والخوف الذي لايفارقهم.. الى الخمر.. وما تبع ذلك من مخدرات.. كي يضعوا حداً لكل صحوةٍ بايامهم متمنيين الوصول الى النوم .. وكما وصف الشاعر الانجليزي شيكسبير النوم بقصيدته (come sleep oh sleep .. تعال يانوم..اه يانوم !) بانه نهاية الازمات..وحلا لكل المشاكل..وفيه يغنى الفقير ويسعد التعيس وتنتهي الاحزان …

لقد كنت دوما مهتما بتتبع اخبار المدمنين والحشاشين.. فضحكت على طرائفهم كثيرا.. وحزنت اكثر لمعاناتهم.. فهم ضحايا حقيقيون وان كان معظمهم يحاولون ان يخفوا مأساتهم ويحاولون ان يلبسوا ادمانهم ثوب التحرر والاختيار.. فتخيلوا مئات الالاف من الشباب كانوا يركبون الحافلات ويذهبون بانفسهم الى الموت في الحرب العراقية- الايرانية.. وقد اعترف لي احدهم: انه اعتاد شرب الخمر طوال الطريق لكي يلهي نفسه عن الشعور بالخوف من الموت.. و اخبرني اخر بكل برود: انه يتخيل ان ابناءه الخمسة ليسوا من صلبه (تخيلوا !!)  وغير هؤلاء الكثير الكثير.

انا لا اقول ان حكومة البعث هي وحدها التي كانت ظالمة بتاريخ الحكومات العراقية المعاصرة ولكن انا اسأل هل عرف العراقيون يوما هذا الكم الهائل من المدمنين والمحطمين والمظلومين من ابناء الشعب الا بفترة حكم البعث المشؤومة ؟.. اليس ما اّل اليه مصير هؤلاء المساكين هو من جرم الحكومة اّنذاك ؟وهل المعاناة من الذل والجوع والخوف ليست سببا كافيا للانحراف ؟؟.. وما رأي الخيرين والمثقفين اذا علموا ان الكثير من هؤلاء الضحايا هم من المثقفين والخريجين الذي انتهى بهم الحال متعفنين في الشوارع ولم يجدوا غير البلدية تحملهم ولا غير عرباتها نعوشا لجثثهم ولا غير النفايات كفنا يحتويهم حتى دفنوا في مقابر الغرباء لتنتهي معاناتهم بانتهاء حياتهم؟؟

وبالنظر الى واقع الحال اقول: هل كٌتب على العراقيين انواع من الموت لم تكتب على غيرهم من البشر؟ فمنهم من مات بالامس بحروب لم يكن له فيها لا ناقة ولا بعير، واليوم من يموت بالغدر تارة وبالمفخخات تارة اخرى.. حتى وصل الحال ان جاء غرباء من شتى بقاع الارض لا لشيء الا ليفجروا انفسهم و يقتلوا العراقيين بطرقٍ مستحدثاتٍ للقتل..وهلم جرا حتى صار العراق قبرا كبيرا يعلوه التراب الاسود القبيح..

اعود للقول جازما..ان اي سوء يصيب بلدا ( الا الكوارث الطبيعية) فان سببه الحكومات.. وان مايعانيه العراقييون اليوم في بغداد وكثير من المحافظات ماهو الا اثبات لذلك..فبداية. ولا يشكك عاقل متزن معتدل..ان الحكومة الاميركية هي اول المخطئين..فمن حلٍ للدولة العراقية غير محسوب العواقب..الى الاستهتار بواقع المجتمع العراقي وخصوصيته.. وانتهاءاً بالقرارات غير المسؤولة في جميع المجالات.. كل هذا وضع قدم العراق على حافة الهاوية..ثم بعد ذلك تسلمت حكومة الدكتور الجعفري المقاليد وبدأ معها مسلسل الانتقام وولادة الشر في الميلشيات حتى انهى فترة حكمه بزيارة عجيبة وغير عجيبة!! رسمية وغير رسمية!! الى دولٍ مجاورةٍ للعراق لها اجندات مشكوكٍ بنواياها (وما زالت !!) مما ادى الى انفجار الديمقراطية !! بمسيرته السياسية، وكان السبب بحرمانه اعتلاء سدة الحكم للمرة الثانية، ثم اعقب ذلك عوق ببنيانه السياسي ابعده من منصب رئاسة الحزب(حزب الدعوة)!! وفجأة سارع بتاسيس حزب جديد مستفيدا من الديمقراطية الجديدة !! بعد ان انشق عن حزبه القديم اثر اتهامات وانتقادات (ديمقراطية !!) تقاذفها بصورة (سلمية !!) مع رفاقه بالحزب والنضال الطويل!! . فجاءت الرياح كما تشتهي سفن نوري المالكي الذي اعتلى رئاسة مجلس الوزراء بطريقة ظرفية (كونه نائب الجعفري بالحزب) اظهرت وبوضوح عدم استعداده لهذا المنصب الخطير في بلد الالوان والمزاجات المتعددة.. حتى اصبح مستشاروه (والذي تشير بعض الاخبار الى ان عددهم جاوز المئة والعشرين مستشارا) قد اصبحوا اكثر منه ظهورا في مفاصل الاحداث.. ولم يحرك ساكنا تجاه الخروقات الفاضحة  لبعض شركائه في كتلة الائتلاف الا بعد تدخل اميركي واضح وصل الى حد التلويح للمالكي بحكومة الانقاذ الوطني!! بعد ان سلب المواطن العراقي امنه وضاع في غياهب التهجير والنزوح والغربة.. والادهى من ذلك.. تهاونه تجاه الدستور وتساهله بلعبة الغاء الفقرات الدستورية ( كالفقرة 140) واستبدالها بفقرات غير دستورية ( كالفقرة 24) ولولا الفيتو الذي اسعفنا به مجلس رئاسة الجمهورية لكان لمقام الديمقراطية في العراق مقال اخر..

وبالتاكيد فان لهذه الاحداث تاثير على المجتمع  فقد زاد الطين بلّه حيث تضاعفت اعداد (الحشاشين !!) خصوصا بعد دخول الغريب الجديد في مجتمع الديمقراطية الجديدة الا وهو ( المخدرات ) بعد ان انهارت حدود البلد وصارت معبرا امنا لمهربي النفط والمخدرات والممنوعات والاغذية المنتهية الصلاحية.. وتفاقم الحال بعد افراغ البلد القسري من المثقفين والمبدعين والفنانين وكل الكفاءات العلمية، وبالتحديد الكوادر الخدمية التي تعمل على خدمة المواطنين وتسهيل سبل حياتهم (كالاطباء مثلا) وبهجرتهم تعقدت حياة الفقراء وباتت كالجحيم حيث هاجمت الامراض بيوتهم بعد ان عانوا من التهديد والقتل كل يوم .

ومن المؤسف ايضا.. ان الاحلام الجميلة بالخلاص من الطغيان والفقر وغيرها التي راودت العراقيين لعقود طويلة باتت بين ليلة وضحاها كوابيس يقظة تدفع بالكثير من العراقيين الى طرق شاذة تدمر حياتهم وعوائلهم والمجتمع بكل صوره.. وعلى العقلاء التحرك لانقاذ مايمكن انقاذه ومحاولة وضع حجر الاساس لمستقبل انساني مازال في طور الامنيات…