أحداث 30 يونيه و كل ما سبقها منذ فوز محمد مرسي بالرئاسة تؤكد أن المسار الديمقراطي في مصري قد فشل في اختباره الأول. ليس هذا تباكيا علي شرعية مزعومة و لكن لا يمكن الهروب من الإعتراف أن مرسي قد أنتخب بالفعل ديمقراطيا بشفافية و نزاهة, حتي يثبت العكس. قد يغري الوضع البعض أن يعلنوا فشل التجربة الديمقراطية في مصر و إن كان لهذا الرأي وجاهته فهو يسبق الأحداث إعتباطيا و بخاصة أن خارطة الطريق التي أعلنها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي منوطة بتحقيق الديمقراطية من خلال وضع دستور و إنتخاب مجلس الشعب و رئيس الجمهورية. لا أقول إن الوعد بالديمقراطية قائم لمجرد أن السيسي قد أعلن التزام الجيش بها و بكل تأكيد لا أتطلع إليها كأنها عصا موسي التي ستأتي بالأمن و الرخاء بمجرد تفعيل آليتها لأن هذا بالتحديد ما قامت به مصر – و أنظروا إلي ما وصلنا له!

لماذا إذا نتحدث عن الديمقراطية؟ الأمر ليس إختياريا فالجميع كان مجبرا على أن يتمسح بها بداية من نظام مبارك السلطوي بغض النظر عن تزوير نظامه لنتائج الإنتخابات, و جماعة الإخوان بعض النظر عن إعلان مؤسسها حسن البنا بأن الديمقراطية كفر و محاولة مرسي تفريغها من معانيها سواء بالدستور الفاشي أو إعلان نوفمبر الدستوري, و الجيش المصري الذي يمارس دور أبوي علي المجتمع بينما يحافظ علي مصالحه التي يعتبرها أمن قومي.

لماذا إذا لم يحقق كل هؤلاء أهدافهم فرضا و قصرا بما أتيح لهم من قوة؟ الإجابة ببساطة لأن تلك القوة ليست في يدهم بالكامل و لعدة أسباب. أولا القوة لكي تمارس تحتاج لمن يخضع لها. الخضوع يستوجب عاملين أساسيين: الإعتماد و الخوف. فأما الأخير فقد رأيناه يتبدد بشكل واسع في نهاية عصر مبارك حتي تمت الإطاحة به. و أما الأول فهو يتقلص كلما يزداد مشاركة الدولة في العولمة الإقتصادية و تحول الفرد من تابع إلي فاعل و بخاصة في تحديد علاقته بالدولة طلاما تمكن من تحقيق إستقلالية معقولة في الوصول لمصالحه الإقتصادية. ثانيا ضعف سيطرة أجهزة الدولة علي تداول المعلومات و بخاصة مع ظهور شبكات التواصل الإجتماعي و القنوات الخاصة و بالتالي يصبح التعامل مع الرأي العام و توجيهه أشد صعوبة خاصة في أوقات الإستقرار. ثالثا التغير المتعدد الأبعاد – المتناحر و المتضارب أحيانا – في قيم المجتمع و الأفراد كرد فعل للمساحات الغير مسبوقة معلوماتيا و إقتصاديا: و هو التغيير الذي لم يقدم إلا الديمقراطية كنظام سياسي لإستيعابه.

كذلك لا يمكن التغاضي عن الضغوط الدولية – علي مستوي الدول أو المؤسسات العالمية كصندوق النقد الدولي مثلا – التي تستوجب بعض الأحيان إجراء إصلاحات سياسية علي النمط الديمقراطي لتبرير التعامل مع الأنظمة المستبدة أو لإبتزازها عند اللزوم لتمرير مصالح دول بعينها. الإنفتاح علي العالم لم يعد خيارا من الممكن تجنبه مهما تكررت أكذوبة “الإكتفاء الذاتي” و بالتالي لا يوجد مفر عند أي حاكم إلا أن يتجاوب مع تلك الضغوط و أن يستسلم إلي قوانين اللعبة علي أمل التحايل عليها و الخروج بأقل الخسائر.

أخيرا معطيات 25 يناير التي أجبرت الجميع علي الخروج من العزلة و الإنطواء إلي التفاعل السياسي و التأثير بل و التحكم في
و لعل هنا يظهر الطريق المسدود. الإختلاف مع تيار الإسلام السياسي عميق جدا لأن الخلاف دائر حول مباديء أساسية مثل الوطن و المواطنة و التعددية و حقوق الإنسان. ليس كل أطراف الصراع معنيين بكل هذه المواضيع. فالدولة علي سبيل المثال لا تعطي مباديء حقوق الإنسان و الحريات نفس الإهتمام الذي تعطيه لفكرة الوطن المستقل الذي يهدده مشروع الإسلاميين و بخاصة الإخوان. من ناحية أخري المؤسسات الأمنية و بخاصة الجيش تحتفظ بدرجة – لسبب أو لأخر – من المحافظة التي يعظم من شأنها التيار الديني و لذلك قيم الحداثة ليست بالضرورة في أجندة أيا منهما (و إن كان سقف حريات التيار الديني أقل بكثير). علي الرغم من هذا يبدو أن الديمقراطية تفرض عنوة علي المشهد بينما الجميع غير جاهز لها و لعله لن يجهز أبدا. إسأل نفسك ما الذي تستطيع أن تضحي به من حريتك و من حقك في التعبير عن ضميرك و من حقوقك الأساسية لكي ترضي من يريد أن يسيطر و يتسلط عليها بأمر الدين؟ إسأل نفسك ما نوع التنازل الذي يمكن أن يقدمه من يؤمن أنه خليفة الله علي الأرض؟

الأهم من ذلك إسأل نفسك لما يشارك الإخوان المسلمين, مثلا, في العملية السياسية بينما تم الإنقلاب علي نتائجها؟ أتراهن أن يروا, علي الأقل, أن ما حدث مسئول عنه و لو بشكل جزئي سياسات مرسي الفاشلة؟ كم من هؤلاء كانوا يهتفون “إغضب يا ريس”؟ و ماذا بعد الدماء و سقوط القتلي و التحارب بين المجتمع … هل ستحقق إنتخابات برلمانية – سواء كانت بالقائمة أو فردية لا يهم – إستقرار مصر؟ من تظن سيمثلون الشعب؟ سوف نري نفس الخراء و لكن بلون أخر لأن الدول العربية كانت و لازلت تعيش في عصور المُلك حيث السياسية تعمل علي تحقيق مصالح شخصية أو قبلية أو, بالإضافة في العصر الحديث, أيديولوجية ضيقة. بل و لأن الصراع السياسي دائر علي الهوية و مخاوف الناس فسيقبل الجميع بتردي أداء الحكومات و تهرلها و فشلها في سبيل “القضاء علي الإرهاب” مثلما كان أنصار مرسي, و لازالوا, يحاولون أن يقنعوا أنفسهم بإنجازات لم تتحقق و خطوات لم تُمشي و تحديات لم تواجه في سبيل “إعلاء كلمة الإسلام”. و هذا الأمر يفرغ الديمقراطية من معناها مثلما حاول أن يفرغها الإخوان بدستورهم الفاشي المتخلف. ماذا إن لم تفلح إستراتيجية التخويف و إستهداف المشاعر الدينية؟ لا مشكلة! فهناك الملايين و الملايين من الفقراء و المعدومين المشتري ذمتهم – و إحقاقا للحق الغالبية منهم “محدش سائل فيهم أصلا” – بزجاجات الزيت و السكر و السمن و 10 برايز الخ…… شئون البلاد.

الديمقراطيات الفاشلة تمزق البلاد أكثر من الديكتاتورية. أنظر إلي أسطورة الـ”18 يوم” التي يتحدث عنها من تردد علي ميدان التحرير في تلك الفترة: البعض يراها تجربة من الممكن الرجوع إليها, و هو أمر مستحيل و لكن يجب الوقوف عندها لفهم بعض الأمور. الديكتاتورية ترجيء الخلافات العميقة و الغير قابلة للتفاوض أحيانا و لكنها تظل تتنفس و تعيش في جميع تفاصيل المجتمع و لهذا في اللحظة التي سقط فيها مبارك تحول العمل السياسي فورا إلي حالة من الصراع علي الهوية. لن يكون “حب الوطن” و “الوفاء للنيل” و “وحدة المصريين” أبدا بديلا للهدف المشترك – المتمثل في سقوط مبارك – الذي إستطاع أن يحيد, لوقت قصير جدا, الصدام الحتمي بين أصحاب التوجهات المختلفة. نعم الديمقراطية تزيد من حدة هذه التناقضات و لكن ما هو البديل؟ لن يكون هناك ديكتاتورا سلطوي مثل من سبق – ليس لأن هناك قلة من الراغبين في ذلك – و لكن لأن إحتواء كل هذه التناقضات بالقوة و التسلط يحمل في طياته بذور سقوط أي نظام إذا توافرت العوامل المساعدة و ما أكثرها من متربصين بالداخل و الخارج و أصحاب المصالح و التناحر الإجتماعي و القبلية و الفقر و الفوضي الخ.. زد علي ذلك إستمرار حقوقية الفوضي و محاولات إستنتساخ 25 يناير. لم يشفع للمجلس العسكري إجبار مبارك علي التنحي و لم يستر مرسي “الشرعية” و غزوات الصناديق و سيظل الأمر كذلك لأن و منذ 2011 مازال طريق التغيير هو من خلال الحشد و الشوارع. أقصر الطرق في تبديل هذا الوضع هو فرض ألية للتغيير يشارك و يثق فيها الجميع و لهذا تظل الديمقراطية هي الحل الأمثل – و ليس بالضرورة الوحيد – للوصول إلي القدر الأدني من التوافق.

ثار بعض الشعب علي مبارك و ثار المزيد علي مرسي الذي لم يتعلم من سابقه. نتحدث دائما عن الإستفادة من دروس التاريخ. من إذن سينبه الشعب قبل السياسيين و الحكام أن الدرس يتكرر كل يوم و أننا جميعا نرسب في الإمتحان كل يوم أيضا؟ يعيش معارضي الإخوان و مرسي الان حالة من النشوة و التشفي. يصمون أذانهم! يتحدثوا عن مؤامرات و مليارات أمريكا للتخلي عن شمال سيناء. هي نفس الحالة التي جعلت البعض يصدق أن مبارك إستولي علي 70 مليار دولار و أخفاها في بنوك العالم! هي نفس الحالة التي صدرت كلام عن الدعارة في ميدان التحرير و الجرب في رابعة و مظاهرات “النصاري و البلطجية” فقط في 30 يونيه. طب و الله العظيم هي نفس الحالة اللي بتخلي الناس تصدق بدون مقاومة كلام زي ريحة المسيحيين المميزة و دنائة اليهود الحتمية و رغبة المسلمين الجنسية الطاغية علي أي شيء أخر و وضاعة الشيعة و إنعدام بشرية اللادينيين و شراء النادي الأهلي لكل بطولاته و أن نادي الزمالك بتاع البوابيين و أن ركوب الحصان بيفض غشاء البكارة و أن ممارسة العادة السرية بتدمر الركب و وجوب قتل البرص و أن شرب مياة لبان الدكر علي الريق بتشفي الأمراض الخ ……. هل نحن قادرون حقا – كمجتمع – علي النظر إلي الأمور بشكل موضوعي لكي تنتظم حقا العملية الديمقراطية و تحقق غايتها من تمثيل فعال لمصالح الناخبين و الحفاظ علي حقوقهم و حريتهم؟

يرتكب معارضي الإخوان نفس خطايهم و من قبلهم ثوار يناير الذين أقصوا ملايين من المصريين بدعوي أنهم “عبيد” و “فلول” حتي كادوا و في أقل من سنة أن يأتوا برئيس من نظام مبارك و ساهموا من بعد بشكل كبير في ظهور الشوارع بهذا الشكل المفاجيء و الحاشد في 30 يونيه لكي يتم إسقاط أول رئيس منتخب. لا أنوي نصيحة أي شخص بأن يتحلي بالإنسانية و التراحم في هذا المقال …. يكاد أن لا يستحقها إلا قليلا و لكن أقول للجميع … نحن نشرب من نفس كأس و إن عاجلا أو أجلا لن يتبقي منها إلا مرارة.

نعم لا يمكن – بعد – أن نقول أن الديمقراطية علي الإطلاق قد فشلت في مصر لأنه لم يطبق منها إلا أليتها. ديمقراطية 25 يناير و التي بشرنا بها معارضي مبارك طوال سنين حكمه هي التي فشلت: تلك الديمقراطية الغير منوطة بالحقوق و الحريات و المواطنة و التي أباحت العمل السياسي إطلاقا بلا أي ضوابط معلية شرعية الصندوق و كأنها هدف في حد ذاته. لم تفشل الديمقراطية بعد لأنها لم تطبق لأن في مصر, مارسنا الصندوقراطية. ليس أكثر. و لعل إدراك هذا كبداية بإمكانه خلق بديل أخر.