يوم لا ينسى .. في تاريخ الإسلام وعلاقة العالم بالإسلامبعد أسابيع من التهرب من الموضوع، في حفل إفطار رمضاني في البيت الابيض مساء الجمعة، أعرب الرئيس أوباما عن دعمه لـ Park51، مخطط المركز الاجتماعي الإسلامي والمسجد، الذي يبعد وحدتين سكنيتين عن موقع مركز التجارة العالمي. الرئيس يقول انه لم يكن يؤيد مسجد “المنطقة صفر“، * بل كان فقط يدافع عن الحق في بنائه. سام هاريس يكتب عن فشل الرئيس في الاعتراف بأن الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى.

هل يجب أن يُبنى مسجد ومركز ثقافي إسلامي ذي 15 طابقا على بعد وحدتين من موقع أسوأ فظاعة جهادية في الذاكرة الحية؟ مقولا بهذا الشكل، فالسؤال يجيب على نفسه تقريباً. هذا لا يعني أن أقول، مع ذلك، أني أعتقد أنه ينبغي أن نمنع مواطنينا من بناء “مسجد المنطقة صفر.” ربما لا يوجد أساس قانوني لفعل ذلك في أي حال — ولا ينبغي أن يكون هناك. لكن الفارق بين ما هو قانوني وما هو مرغوب فيه، أو حتى لائق، يترك المجال لكثير من المشاريع التي قد لا يزال أصحاب النوايا الحسنة يجدونها هجومية. إذا كنت تستطيع جمع المئة مليون دولار المطلوبة، يمكن أن تقوم أيضا ببناء مزار للشيطان في هذا المكان، كاملا مع أسماء جميع الضحايا غير المؤمنين في 9/11، المستحقين للعذاب الأبدي في النار. يمكن أيضا أن تبني معهداً لـ “حقائق 9/11″، لتقديم السذاجة، الماسوشية، والاضطهادية لدى 16 في المئة من الأميركيين الذين يتصورون أن مركز التجارة العالمي تم هدمه عمدا من قبل عملاء للحكومة الامريكية. بالمناسبة، فإن أي مزار لنظرية المؤامرة ربما يجب أن يحتوي أيضاً على مسجد، جنباً إلى جنب مع قائمة الأربعة آلاف اليهود الذين رفضوا بطريقة مثيرة للريبة أن يمارسوا الربا في البرجين التوأمين في يوم الهجوم.

إن إقامة مسجد على أنقاض هذا العمل الوحشي سوف ينظر إليه أيضا من قبل عدة ملايين من المسلمين كانتصار ــ وكعلامة على أن القيم الليبرالية في الغرب مرادفة للانحطاط والجبن.

صحيفة نيويورك تايمز أعلنت أن المسجد المقترح لن يكون سوى “نصب تذكاري للتسامح”. وغني عن القول أن التسامح هو قيمة ينبغي لنا جميعا أن نلتزم بها التزاما عميقا. ولا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن العديد من معارضي بناء هذا المسجد يجسدون كل ما هو منحرف بشكل مخيف في أمريكا المحافظة ــ “المولودين” الذين ينتظرون بإخلاص يوم الصعود، السياسيين الجمهوريين الانتهازيين، والمجانين المطلقين الذين يتوقون لرؤية سارة بالين كرئيس مقبل للولايات المتحدة (لاحظ أن بالين نفسها ربما يقع في عدد من هذه الفئات). هؤلاء الناس مخطئون حول كل شيء تقريبا تحت الشمس. ولكن المشكلة هي أنهم غير مخطئين تماما حول الإسلام.

في كلمته لدعم المسجد، قال عمدة نيويورك مايكل بلومبرغ: “سنكون قد خننا قيمنا، وأعننا علينا أعدائنا، لو كنا نعامل المسلمين باختلاف عن الآخرين.” هذا البيان يمتلك فضيلة أنه صادق في معظمه. ولكنه صحيح أيضا أن المسلمين النزيهين والمحبين للحرية عليهم أن يكونوا أول من ينظر لإخوانهم المسلمين بشكل مختلف نوعا ما. في هذه المرحلة من التاريخ البشري، الإسلام ببساطة مختلف عن الأديان الأخرى. التحدي الذي نواجهه جميعا، مسلمين وغير مسلمين على حد سواء، هو العثور على أكثر الطرق نفعا وعملية لتخفيف حدة هذه الخلافات، ولتغيير هذا الدين نحو الأفضل.

مما يثير المفارقة والانتباه معاً، أنه في ذات اللحظة التي تم عندها أخيراً تمهيد الطريق لبناء مسجد في المنطقة صفر، كان مسجد هامبورغ الذي قام بتغذية خاطفي 9/11 قد أغلق من قبل الحكومة الألمانية. لا شك أن هناك مسلمين ألمان قد شعروا أن حريتهم الدينية قد تم تقليصها بصورة مخجلة. مع ذلك، بعد عشر سنين من معاملة هذا المسجد كنصب تذكاري للتسامح، اضطر الألمان أن يعترفوا أنه كان في الواقع حاضنة فاسدة للفكر الجهادي والقيم المعادية للغرب. وهكذا، لا بد من طرح السؤال: أي من هذين المسجدين يمثل الوجه الحقيقي للإسلام؟

في كلمته، قال العمدة بلومبيرغ: ” إني آمل أن المسجد سيساعد في جعل مدينتنا أكثر تقاربا، ونبذ الفكرة الخاطئة والبغيضة أن هجمات 9/11 كانتت بأي شكل متفقة مع الإسلام.” وقال حينها أن أي شخص يعارض هذا المشروع يجب “أن يخجل من نفسه”. وهو، بالمناسبة، نفسه العمدة بلومبيرغ الذي لم يتمكن أن يجعل نفسه يدين علنا ممارسة “الشفط الفموي” التي يستخدمها الخاتنون اليهود الأرثوذكس خلال طقوس الختان، رغم من حقيقة أنها تنشر الهربيس في الأولاد الرضع، مما يتسبب في تلف الدماغ أحيانا وحتى في الموت. هذه الأمثلة على فشل الجرأة العلمانية يمكن إعطاءها وصفا عاما: التسامح مع الغباء الديني هو وسيلة لصنع كذابين وجبناء من أناس ينبغي أن لا يخشوا أبدا من ثمار التفكير النزيه.

والتفكير النزيه يعلن أن هناك الكثير مما هو مرفوض ــ وبصراحة، مرعب ــ حول دين الإسلام، وحول حالة الخطاب لدى المسلمين الذين يعيشون في الغرب، وأنه غير مناسب قطعا أن تعتبر مناقشة هذه الوقائع علنا دليلا على “التعصب” من قبل الليبراليين حسني النية، وذلك جزئيا لأن انتقادات كهذه تتناغم مع التعصب الفعلي للمحافظين غير حسني النية. لا أستطيع أن أرى أي علاج لهذا، على أي حال، عدا التأكيد المباشر على النقاط الحاسمة، مرارا وتكرارا.

أول أمر هو أن جميع الدارسين الصادقين للإسلام يجب أن يعترفوا أنه ليس من الواضح على الاطلاق إن كان أعضاء تنظيم القاعدة، حركة طالبان، حركة الشباب، جماعة عسكر طيبة، حماس، وغيرها من الجماعات الاسلامية الارهابية قد أساءوا فهم واجباتهم الدينية. إذا كانوا “متطرفين” قد قاموا بتشويه إيمان قديم إلى نحلة موت، فإنهم لم يشوهوه كثيرا. عندما يقرأ المرء القرآن والأحاديث، ويستشير آراء الفقهاء المسلمين على مر القرون، سيكتشف أن قتل المرتدين، ومعاملة النساء كالماشية، وشنّ الجهاد ــ ليس مجرد صراع روحي داخلي، ولكن كحرب مقدسة ضد الكفار ــ هي ممارسات تعتبر أساسية في الدين. إذا علم هذا، فالمسار الوحيد للخروج من هذا الجنون هو أن يتظاهر مسلمي السواد الأعظم ببساطة أن الأمر ليس كذلك ــ وبهذا التظاهر يقنعون الجيل القادم أن الاسلام “الحقيقي” مسالم، متسامح مع الاختلاف، مساواتي، ومتوافق تماما مع مجتمع مدني عالمي. لكن الكتب المقدسة تبقى إلى الأبد في محل الاستشارة، ولن يجرؤ أحد على تعديلها. وبالتالي، فإن معظم الآيات العنيفة والمثيرة للانقسام في هذه النصوص ستظل مفتوحة إلى الأبد لإعطاء تفسيراتها الأكثر قبولا.

وهكذا، عندما يأمر الله أتباعه بقتل الكفار أينما يجدونهم، حتى يسود الإسلام عاليا (البقرة:191-193؛ النساء:76؛ الأنفال:39؛ التوبة:123؛ محمد:4؛ التحريم:9) ــ فقط للتأكيد على أن هذه الفتوح العنيفة واجبة، مهما كانت غير سارة (البقرة:216)، وأن الموت في الجهاد هو في الواقع أفضل ما يمكن أن يحدث لشخص، نظرا للمكافآت التي يتلقاها الشهداء في الجنة (آل عمران:140-171؛ النساء:74؛ محمد:5-6) ــ إنه يعني ذلك تماما. وبما أنه خالق الكون، من المفترض أن توجه كلماته المسلمين في جميع الأوقات. نعم، صحيح أن العهد القديم يحتوي على همجية أكبر ــ ولكن هناك أسباب تاريخية ولاهوتية واضحة لكونها تلهم عنفا يهوديا ومسيحيا أقل بكثير اليوم. أي شخص يحاول حذف هذه الفروق، أو يعترف بمشكلة الجهاد والإرهاب الإسلامي فقط، وعلى وجه السرعة يذكر الحروب الصليبية، معاملة اسرائيل للفلسطينيين، نمور التاميل، وتفجير المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما، هو ببساطة لا يفكر بصدق حول مشكلة الإسلام.

ما لا يسمعه أحد عموما من المسلمين الغربيين هو أي اعتراف صريح بهذه الحقائق غير السارة. وردا على المخاوف التي أثيرت حول جدية العقائد الإسلامية المتعلقة بالجهاد، الشهادة، الردة، والتجديف، إلى جانب ارتباطها غير المجادَل بالإرهاب، التهديد بالعنف، “خلافات” الكارتوون، وأمثال ذلك ــ سيلاقي المرء مشاكسة، ارتباكا مختلقا، أنصاف حقائق، ونتائج غير مترتبة. سعى الاعتذاريون الإسلاميون للدفاع عن عقيدتهم من الانتقادات حتى باختراع اضطراب نفسي يُعرف باسم “الإسلاموفوبيا.” يقال أن صديقتي أيان حرسي علي تعاني من ذلك. رغم أنها خُتِنت كفتاة على أيدي البرابرة الدينيين (كما لا تزال 98 في المئة من الفتيات في الصومال)، وكانت في هرب مستمر من رجال الدين منذ ذلك الحين، وعليها الإبقاء على حارس شخصي في كل مكان تذهب إليه، حتى انتقادها للإسلام ينظر إليه كشكل من أشكال “التعصب” و “العنصرية” من قبل العديد من المسلمين “المعتدلين”. وحتى الآن، يجب أن يكون المسلمين المعتدلين أول من يلاحظ كم هي فاحشة بلطجة المسلمين، ويجب أن يكونوا أول من يدافع عن حق مثقفي العموم، رسامي الكاريكاتير، والروائيين في انتقاد الدين.

لا يوجد شيء كالإسلاموفوبيا. التعصب الأعمى والعنصرية موجودان، بطبيعة الحال ــ وهم شرور على كل أصحاب النوايا الحسنة معارضته. والتحيز ضد المسلمين أو العرب، فقط بسبب صدفة ولادتهم، هو أمر خسيس. ولكن ككل الديانات، الإسلام هو نظام من الأفكار والممارسات. وليس شكلا من أشكال التعصب أو العنصرية أن نلاحظ أن المبادئ المحددة للإيمان تشكل تهديدا خاصا للمجتمع المدني. كما أنها ليست علامة على التعصب أن تلاحظ عندما يكون الناس ببساطة غير صادقين حول ماذا يؤمنون، هم وإخوانهم في الدين.

الادعاء بأن أحداث 11 سبتمبر 2001 ، كان “لم تكن له علاقة بالإسلام” هو كذبة مدقعة ومزلزلة. هذه الجريمة، قتل 3000 أبرياء، اعتبرت انتصارا للدين الحنيف الواحد عند ملايين المسلمين في جميع أنحاء العالم (حتى، بغباء، أولئك الذين يعتقدون أنها ارتكبت من قبل الموساد). وايضا فإن تشييد مسجد على أنقاض هذا العمل الوحشي سوف ينظر إليه من قبل عدة ملايين من المسلمين على أنه انتصار، وكدليل على أن القيم الليبرالية في الغرب مرادفة للانحطاط والجبن. هذا قد لا يكون سببا كافيا لأنصار هذا المسجد كي يعيدوا النظر في مشروعهم. وربما لا ينبغي أن. ربما هناك شكل الإسلام يمكن أن يصدر من هذا الموقع بحيث سيكون أفضل ، باعتبار كل الأمور، من مجرد عدم بناء مسجد آخر في المقام الأول. ولكن هذا يقودني الى نتيجة متناقضة إلى حد ما: المسلمين الأميركيين يجب أن يكونوا أحرارا تماما في بناء مسجد على بعد وحدتين من المنطقة صفر، ولكن من ينبغي أن يفعلوا ذلك ربما لن يرغبوا فيه.