من الواضح اعلامياً ان امريكا وايران طرفي نقيض من الناحية الفكرية والعقائدية والتوجهات السياسية، فضلا عن كونهما اعداءاً بحرب باردة، تحاول ايران ان تصور نفسها بالبلد الاسلامي الذي يطمح لامتلاك التكنولوجيا النووية لاغراض سلمية، والعمل من اجل (الانسانية والاسلام والوقوف بوجه العولمة والزحف الاميركي الفكري والعسكري نحو العالم اجمع !!) ، اما امريكا فهي تحاول ان تثبت انها بلد (الديمقراطية والانسانية ومحاربة تسليح الدول الشريرة بالاسلحة المحظورة من اجل ان يعم السلم والامان في جميع بقاع المعمورة!!). وقد اختلفت الاراء بوصف الدولتين بين مؤيد ومعارض والجميع ينتظر – بسذاجة – الساعة التي تشتبك بها الدولتين كأشتباك الديوك الهراتية في احدى المقاهي القديمة .

ولكن، كما يقول المثل: “العبرة بالنتائج”، نرى ان امريكا وايران هما الرابحان الوحيدان من هذة الضجة التي اثيرت منذ قيام الدولة الاسلامية في ايران ومحاصرة السفارة الاميركية في طهران من قبل الثوار ومن بينهم الرئسي الايراني الحالي نجاد..  حيث اثبت التاريخ اتفاقات سرية بين الدولتين، ناهيك عن التسليح الايراني ذو المنشأ الاميركي الذي لم ينضب حتى بعد دخول ايران معركة استنزافية مع العراق لمدة ثماني سنوات.

ولو حاولنا ربط الاحداث وفق النتائج التي اسفرت عنها السنوات المحصورة بين قيام الثورة الاسلامية في ايران حتى الساعة، وبعد البحث في تحالفات الدولتين المعلنة كل حدة، نجد انه رغم تحالف ايران مع حزب الله من جهة، وامومة امريكا لأسرائيل من جهة اخرى، وعدائهما المشترك لتنظيم القاعدة من الناحية الاعلامية، الا ان الاحداث قد افرزت نتائج مغايرة في الواقع، خصوصاً بعد استذكار احداثاً غريبة منها ايواء ايران لزعماء تنظيم القاعدة بل حتى علاج المصابين منهم (كما حصل مع الزرقاوي)، وكذلك ماقام به حزب الله – المدعوم والمسير من ايران –من تهيئة المناخ المناسب لتدمير لبنان بعد ان قام هذا الحزب باسر جنديين اسرائيليين- لربما كانا يتبولان اثناء دوريتهما الاعتيادية– مما ادى اعطى اسرائيل الحجة بتدمير لبنان في وقت هو الاهم للبنان من الناحية الاقتصادية، كونه سبق موسم السياحة الذي يعتاش عليه هذا البلد الفقير.

ولو راجعنا الوثائق الخاصة بتفجيرات مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر / ايلول لوجدنا ان من قام بالعملية الارهابية (وهم بالطبع من عناصر القاعدة)، لأكتشافنا ان امريكا التي لاتمنح الفيزة لدخول اراضيها الا بشق الانفس، قد سمحت لمجموعة القاعدة التي قامت بالتفجيرات بالسفر ذهابا وايابا عدة مرات من باكستان الى امريكا وبالعكس، والسماح لهم ايضا بالتدريب على قيادة الطائرات في معهد اميركي متخصص، ولم تلقي القبض عليهم على الرغم من علم ال ( C.I.A ) عند استلام شكوى من قبل المعهد المذكور مؤداها “ان المعهد يشك بمجموعة من المتدربين العرب والذين ينحدرون من شبه الجزيرة العربية، خصوصا بعد طلب هذه المجموعة من مدربي المعهد ان يحلقوا فوق مناطق محظورة الطيران اثناء التدريب”.

ولو لاحظنا كمية التشويه الذي لحق بالمسلمين السنة من جراء التصرفات الاجرامية لتنظيم القاعدة، واتبعنا ذلك بحجج امريكا عند احتلال افغانستان والعراق (محاربة الارهاب)، لوجدنا وكأن ايران وحلفائها (حزب الله وسوريا، وحماس) يمثلون ضلعا، وامريكا وتنظيم القاعدة – الذي اسس من قبل امريكا لضرب الاتحاد السوفييتي على فترة من الزمن– يمثلان ضلعا ثان، واسرائيل، تمثل الضلع الثالث في مثلث تحالف خفي، وما يدفعنا الى ذلك هو تحقيق الاهداف لهذه الاطراف الثلاثة بعد الدعم غير المعلن الذي تلقوه من بعضهم البعض بشكل غير مباشر وغير معلن.

فأمريكا تلقت الدعم من تنظيم القاعدة ليتسنى لها احتلال دولتين، وكانت الذرائع قوية (محاربة الارهاب كدفاع عن النفس) بحيث لم تنبس القوى العالمية الاخرى بكلمة رفض واحدة ، بغض النضر عن مواقف بعض الدول تحت شعارات الشجب والاستنكار.

اما الدعم الاميريكي لتنظيم القاعدة فقد تمثل بان اصبح هذا التنظيم الارهابي قبلة لبعض الشباب المخدوع كونه يحارب الكفر المتمثل باميركا فهي الدولة الظالمة التي تساند اسرائيل وتحارب الاسلام والمسلمين، ليتحول الجهاد الى جرائم تستهدف الابرياء العزل، مما ادى الى تشويه صورة الاسلام والمسلمين خصوصا السنة بعدما اصبح تنظيم القاعدة الممثل الشرعي لهم…

اما ايران، وبعد الخدمات الجليلة التي قدمتها لاسرائيل– عن طريق حزب الله- فانها تمضي قدما بالتسليح المحظور، وتتلاعب بالسياسة الداخلية العراقية عن طريق ارسال فيالقها الاجرامية (القدس.. وغيرها) وتعمل على تدريب الميلشيات الخارجة عن القانون لتعطي مبررا لبقاء القوات الاميركية، وتنفيذ مخططها بخلق توازن المذاهب في المنطقة وتحويلها نحو الخانة الطائفية, وهي بذلك قدمت خدمة لامريكا من جهة، ومن جهة اخرى، منحها الفرصة بالاستقواء والتجروء على الافصاح عن مطامعها بالامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وقصف مدن وقرى كوردستانية اّمنة من دون ردع او عقوبات دولية حتى وان كانت تحت مبدأ ذر الرماد في العيون..

اما اسرائيل فقد تحقق لها اخراج سوريا من لبنان– على اعتبار سوريا وايران وحزب الله مثلث الشر!! – ثم استكانت بامان بعد ان دمرت لبنان بحرب ال (33 يوما) بعد ان مُنحت الاسباب من قبل حزب الله، من جهة، وهدم غزة فوق رؤوس ساكنيها وزرعها الحداد في 1400 بيت فلسطيني بعد ان مُنحت الذرائع من قبل منظمة حماس (حليفة ايران الجديدة).

ولعل قائل يقول: ان الاحداث والاستنتاجات السابقة هي محض صدفة لا أكثر، واليه اقول: مالتفسير المنطقي لتصريح اوباما الاخير بان “امريكا ستعمل على نشر الدرع الصاروخي ان لم توقف ايران برنامجها النووي!!”.. وهل اصبحت امريكا عاجزة عن ايقاف الخطر الايراني كما فعلت مع الخطر العراقي؟ ام ان التسليح المحظور لايران جاء على هوى السياسة الاميركية لتتخذه ذريعة لنشر الدرع الصاروخي المرفوض دوليا؟… وماذا حل بدعوة اوباما الى روسيا بتخفيض التسليح النووي بين الدولتين حفظاً على السلم الدولي؟ وأن كان كذلك، فاحرى بامريكا ان تحارب التسليح النووي الايراني الجديد قبل ان تحاول تقليص التسليح الروسي القديم.. اليس الموقف الاميركي الحازم ضد التسليح الايراني المحظور اسهل من تعرض امريكا لموقف دولي رافض للدرع الصاروخي الامريكي؟ اليس الوقوف بالصف الدولي السلمي افضل من الموقف المتراخي والمفاجئ تجاه امتلاك (محور الشر!!) اسلحة محظورة؟.. ام ان امتناع امريكا عن اتخاذ موقف ضد ايران قد اتى بثماره اليوم ليضع اوباما القوة النووية الايرانية والدرع الصاروخي الاميركي في كفتي ميزان ويطلب من العالم الاختيار بين أهون الشرين؟

ان تراشق الاتهامات بين اعضاء الحلف الثلاثي الخفي لايكفي لاخفاء المصالح الاستراتيجية التي تربط بينهم، ولعله ليس كافيا لاعلانهم كأعداء، فان كانوا كذلك لعملت امريكا على وقف تخصيب ايران النووي، والقت القبض على بن لادن كما فعلت مع صدام حسين بعد ان تفاخرت بقوتها الاستخبارية، واجبرت اسرائيل على توقيع خارطة الطريق او على اقل تقدير تخفف من قسوتها في علاج الامور التي استنكرتها حتى الاحزاب اليسارية والمنظمات الانسانية ومنظمات المجتمع المدني في اسرائيل.

ان بقاء الحال على ماهو عليه بعد كل المتغيرات التي حصلت بالمنطقة والعالم اجمع هو ما يعمق الاعتقاد بوجود التحالف الثلاثي الخفي، او بأقل تقدير، توافق المصالح بين هذه الاطراف لتسيير الامور بالشكل النموذجي الذي يتلاءم مع اهدافهم المستقبلية التي وان اختلفت بين طرف واّخر الا انها في النهاية تصب في مصلحتهم فقط دون غيرهم من الاطراف الاخرى  مما يثير التساؤل: هل هم متحالفون.. ام يتبادلون المنفعة؟.