على هامش المؤامرات الكبرى التي يقال إنها تتهددنا وتتسرب بشأنها الوثائق تباعًا، يتردد الحديث عن دعاوى انفصال الصعيد، ومخططات استقلاله عن الدولة الأم.

وكلما طرح أحدهم هذه القضية للنقاش أو أمسك مذعورًا أحد المنشورات الداعية لانفصال الصعيد، يكون بودي دومًا سؤاله: «هل حضرتك من لوكسمبورج؟ هل قضيت طفولتك وشبابك في السويد وجئت مصر فجأة؟ هل حضرتك كولومبي قرر بغتة أن يتخصص في الشأن المصري؟».

هل يخفى على أحد من الصحفيين والمراقبين والخبراء والقائمين على أجهزة الأمن القومي وضع الصعيد البائس وانفصاله المعنوي الموحش وغربته الموجعة؟

وهل يخفى على الذين يحتفون وينفخون في كير إمكانية الانفصال الجغرافي والسياسي الفعلي أنهم سخفاء وجهلة وواهمون؟ بل وما هو أكثر من ذلك؟

الصعيد يكاد يكون منفصلاً من بنية الدولة حد البتر، ومندمجًا في روح الوطن عمق الجذر!

***

عزيزي المندهش، هل تعلم أن مدينة كوم إمبو، الواقعة قبيل مدينة أسوان بنحو 40 كيلومترًا، لو تعثرت فيها ولادة امرأة أو انفجرت الزائدة الدودية لطفل صغير أو أصيب خمسة رجال في حادث سير.. هل تعلم أن إنقاذهم على النحو شبه الإنساني يستدعي سفرهم لأسيوط، التي تبعد عنهم نحو 500 كيلو متر!

هل تعلم أن الخدمات الصحية من أسوان لأسيوط تكاد تكون معطوبة بالكامل؟ وأن مستشفى أسيوط الجامعي هو أول نقطة صحية موثوق بها  بعض الشيء على طريق العلاج في خريطة الصعيد؟ هل تعلم عدد الذين تنصحهم مشافي الصعيد من كوم إمبو لإدفو لإسنا للأقصر لقوص لقنا لنجع حمادي لسوهاج بالذهاب لأسيوط، حيث الأطباء المخضرمين والأجهزة المتقدمة في «العيادات الخاصة»؟

 هل تعلم أن قطارات الصعيد القاطعة مئات الكيلو مترات، جيئة وذهابًا، والتي تحترق وتصطدم أثناء رحلاتها هذه، هل تعلم أنها تقل يوميًا مئات النازلين إلى القاهرة والإسكندرية من المسنين والمسنات لمجرد الكشف عند طبيب موثوق أو لإجراء تحليل ما أو فحص ما غير متوفر في الصعيد التابع لجمهورية مصر العربية؟

هل رأيت هذا المشهد المتكرر في قطارات الصعيد، حين يسافر خمسة أفراد يتأبطون حزمة تحاليل وأشعة بصحبة سيدة متقدمة في العمر أو رجل ستيني العمر يبدو متدهور الصحة؟

هل تعلم أن عدد الجامعات التي تخدم الصعيد الذي يمتد لمسافة تقدر بنحو 700 كيلو متر تقريبًا من المنيا لأسوان يقدر بنحو 6 جامعات فقط تقريبًا؟

***

النار على الناس بتحمَى

والدرب آخره بعيد

والجلب ع الجلب رحمة

والعيد معاود أكيد

***

يا دنيا وايش بعدهالك

زارعة ف دروبنا المهالك

واللهى لا نردها لك

ولو تزيدى.. نزيد

سيد حجاب

***

هل تعرف مدى الشعور بالتهميش الذي ينغص وجدان الصعيدي؟

أول ما يسألك الصعيدي عنه حين تتحدث معه عن الصعيد والسياسة وما يجري في البلد هو «كم قياديًا في مناصب الدولة العليا من الصعيد؟».

والسؤال على غرابته لك هو بديهي جدًا للصعيدي.

فمن غير المعروف في مصر أن هناك بعدًا جغرافيًا في توزيع المناصب، وحين يثار أن هناك تمييزًا على مستوى التوظيف يكون أساسه عادة التمييز بناءً على الانتماء الديني لا الجغرافي.

 فعلى مدار عمر نظام مبارك الذي امتد نحو 30 عامًا، جرت عملية إقصاء تكاد تكون منهجية للصعايدة من المناصب الوزارية والمواقع الوظيفية المتقدمة في الدولة.

ومن بعد مبارك قامت ثورتان، ولكن، فيما يبدو، فإن الدولة المركزية في القاهرة تعتقد أنها مسؤولة عن العاصمة ومحيطها من محافظات الدلتا.. أما الصعيد فنصيبه من التنمية والاهتمام يكاد يعكس أن الدولة المصرية لا تدركه بوصفه واقعًا داخل نطاقها الجغرافي!

***

جايمة علينا الجِيامة

وايامنا مغيَّمين

وان عشناها بَجتامة

رح نفضل جيَّمين

وانا فى الريح والغيامة

باحلف لكو ميت يمين

دنيتنا خيرها ياما

ومين اللى مانعُه مين؟!

والناى فى جلبى نايح

بس انا واعى وشديد

يا وابور الليل يا رايح

ومجبل ع الصعيد

س.ح

***

هل هذه المسافات النفسية الشاسعة التي تفصل الصعيدي في الجنوب عن الدولة المركزية في الشمال وتدفعه للشعور بالظلم والقهر والإقصاء الاقتصادي والصحي والتعليمي والثقافي، بل والإنساني، هل هذه المسافات يمكن أن تقول لنا إن الصعيد قابل للانفصال الجغرافي والسياسي عن الدولة الأم في الشمال؟

هذا ضربٌ من الخيال!

تقوم هذه الفرضية السخيفة على اعتبار أن الصعيد كتلة واحدة مختلفة ومتمايزة عرقيًا أو طبقيًا أو دينيًا أو مذهبيًا عن الشمال، وأن هناك مسوغات متبلورة كاملة لهذا الانفصال التخيلي، وتصورًا مستقبليًا جاهزًا لدولة الصعيد فيما بعد الانفصال!

وتنطلق الفكرة الساذجة السخيفة من افتراض أن القاهرة والشمال لا يوجد بهما صعايدة عاملون أو نازحون، وتعتقد أنه لا علاقات عائلية تربط مصر من أقصاها لأقصاها.

في الجيزة تحديدًا ثم القاهرة، توجد مناطق سكنية كاملة ينتمي معظم قاطنيها إلى محافظة بعينها من الصعيد، فهل سيقبل هؤلاء الانفصال الكارتوني «المزعوم»؟ هل سيزورون أهاليهم بـ«تأشيرة دخول للأراضي الصعيدية»؟!

هل مسلمو الجنوب سينشقون عن مسلمي الشمال، الذين يترأس مشيخة الأزهر «الواقعة في نطاقهم الجغرافي!» رجل صعيدي؟ هل مسيحيو الجنوب سيؤسسون لأنفسهم كنيسة جديدة للصعايدة بعيدًا عن كنيسة الشماليين المترفين؟

هل سيزور الصعايدة سيدنا الحسين والسيدة زينب، ويحييون مولدهما بـ«فيزا» دخول للقاهرة مؤقتة بـ3 أيام فقط؟

هل أبناء الصعيد، الذي ينتمي عدد غير هين منهم لطرق صوفية تمتد من الإسكندرية شمالا حتى أبو سمبل جنوبا، سينفصلون عن كيانهم الروحي الأكبر؟

لقد وثقت بعض الطرق الصوفية الممتدة عبر أكثر من بلد علاقة أبنائها ببعضهم البعض بأكثر مما وثقها النطاق الجغرافي، فهل ستنفصم هذه العرى في مصر بين شمالها وجنوبها؟

هل أبناء القبائل الكبرى من الأشراف والهوارى والعبابدة وغيرهم من كبرى القبائل المنتشرين بامتداد البلاد سيقبلون انفصال العائلة الواحدة وشتاتها جغرافيا في كيانين مزعومين؟

لا توجد أسباب منهجية ولا جذرية ولا وجيهة داعمة لفكرة الانفصال المزعوم، بل الفكرة موؤودة من أساسها ومجتثة من جذورها ولا تعدو كونها دعاية سخيفة في توقيت خبيث يقال- والله أعلم- أن الإخوان وراء تغذيتها.

***

ولكن على السيد صانع القرار في هذا البلد، الذي تبلغ مساحته نحو مليون كيلو متر مربع، أن يدرك الجيوب السياسية والنفسية التي تكونت في جسم الدولة جراء إهمال مبارك ونظامه للصعيد وسيناء، وعدم تحرك مرسي في سنته اليتيمة لإصلاح ما أفسد الدهرٌ؟

هل تدرك يا فخامة صاحب القرار السياسي مدى ما يعانيه الجنوبي؟

أظن أنه لزام عليك أن تدرك بحصافة رجل الدولة، قبل أن تدرك مرغمًا بوسائل أخرى، أنه ليس أشق على النفس من الضيم.. سيما في أوقات الثورات.

***

إِنْتُم أجانب في القلوب واللغوة

شيلوا العمايم.. والْبِسُوَا بَرَانِيط!!

الأبنودي