lost

أعود اليوم بعد قرابة الثلاث سنوات من بداية الثورات العربية لنقطة البداية .. لما كتبته يوم الخامس عشر من يناير 2011 ” كل ما يحدث لا يمكن أن يكون إلا فوضى فالثورات فى العالم العربى و الإسلامى لن تُصلح المجتمعات لأن المشكلة ليست فى الحاكم.. المشكلة فى العقول “

فلماذا عدت على الرغم أنى شاركت فى أحداث كثيرة و مظاهرات عديدة خلال هذه السنوات آملاً فى تغيير حقيقى ؟

عدت لأنه لدينا فساد حقيقى فى عقل الفرد فى المجتمعات العربية و الإسلامية بخلاف فساد النخبة الحاكمة و بالتالى فالثورة على النخبة الحاكمة وحدها وتغييرها بنخبة جديدة قد يؤول بنا إلى ما هو أسوأ أو إلى تغيير فى الأشخاص دون تغيير حقيقى فى المجتمع

إن التخوين و التكفير هما خلاصة عامين من الثورة  إلا أنه بين التخوين و التكفير كانت هناك مساحة شعبية للاختلاف فبدأنا بتخوين قادة الحزب الوطنى  ثم تخوين قادة القوات المسلحة ثم تكفير الإخوان للشعب ثم تخوين الإخوان من الشعب وتكفيرهم .
فى نهاية طريق التخوين و التكفير أصبح كل من هو ضد الاتحاد الشعبى الحالى خائن وكافر و اختفت مساحة الاختلاف

و بدلاً من أننا كنا نحارب مجموعا من ملاك الحقيقة المطلقة فى عهد محمد مرسى امتلكنا نحن الحقيقة المطلقة وكل من هو ضد فض اعتصامى رابعة و النهضة هو بالضرورة خائن للوطن أو إرهابى كافر

كان هذا كلاماً عن الحاضر و عرضاً لحال مصر اليوم أما عن المستقبل وهو حديث لا يليق بالعقل العربى الغارق فى الماضى ! فبعض الثوار يعتقدون أنهم سوف يدخلون فى معركة مع السلطة بعد قضائها على الإخوان المسلمين .. هؤلاء لا يدركون أنها معركة مداها الزمنى طويل ولا يتوافق مع الطبيعة الزمنية للثورات و أيضاً هى معركة مفتوحة النهاية فكل التجارب من حرب العشرية السوداء فى الجزائر مروراً بالتسعينات فى مصر و حتى حرب أمريكا مع حركة طالبان .. الكل ذهب إلى طاولة المفاوضات مع هذه الجماعات المسلحه فى نهاية الأمر .

إن القضاء على الإسلاميين فى مصر هو نتاج خيال مريض لأنهم أعضاء فى كثير من العائلات المصريه وبالتالى كل قتيل من ضحايا رابعة وما بعدها هو مؤثر ليس فقط فى المنتمين للجماعة وإنما فى العائله ككل بما فيهم من قام بتفويض السيسى والمشاعر الإنسانية تتغلب على كل ما هو سياسى فالقرية كلها تبكى أبناءها حتى لو كانوا إرهابيين لأن المشترك الإنسانى هو الذى يتجسد فى هذه اللحظات.

إن أى كلام عن إبادة كل المنتمين للإسلام السياسى هو خيالى و غير إنسانى نهائياً و تذكروا أن منظمة ” شباب هتلر ” المتورطة فى جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية تم حلها و لكن لم يتم تعقب أعضائها و إبادتهم على الرغم من أنهم متورطين فى هذه الجرائم .

لا تنسوا أن بعض المنتمين لها ساهموا بعد ذلك فى نمو ألمانيا و العالم مثل :
1- هانز ديتريش غينشر – وزير خارجية ألماني السابق
2- يورغن هابرماس – فيلسوف و عالم اجتماع
3- البابا بنديكتوس السادس عشر – بابا الكنيسة الكاثوليكية السابق
4- الأمير كلاوس – زوج ملكة هولندا السابقة

و المؤكد فى حال استمرار المواجهة أننا أمام حرب طويلة الأمد سيتحول فيها الكثير من شباب الإسلاميين إلى إرهابيين يحطمون المجتمع الذى اتحد من أجل استخدام القوة ضدهم و هذه الحرب نتيجتها الأهم هى نهاية ثورة 25 يناير لأنه عندما تدخل الدولة فى حرب مع الإرهاب لا حديث عن الآتى :

- لا حديث عن حريات فكل القوانين يتم انتهاكها فى سبيل القضاء على الإرهاب الذى يهدد المجتمع كله و يحدث هذا برضا واتفاق مجتمعى
لا حديث عن هيكلة الداخلية فالمعيار الأهم لنجاح وزير الداخلية هو مدى قدرته على البطش بالإرهابيين
استبداد رجال الشرطه و عدم مراعاتهم لحقوق الإنسان هو نتيجه طبيعيه لهذه الحرب حيث يعتاد رجل البوليس على إنتهاك حقوق الإنسان برضا المجتمع الخائف من الإرهاب

- لا حديث عن العدالة الاجتماعية فالسياحة هدف دائم للجماعات المسلحة والمستثمرون يرغبون فى أوطان مستقرة. سنكون أمام حكومات تقشف تطالب الفقراء بربط الأحزمة تحت شعار الوطن فى معركه .

- لا حديث عن كرامة إنسانية والدولة تستجدى من دول الخليج و الدول الأوروبية وأمريكا
و من يتحدث عن هذه الأشياء إما خائن للوطن أو كافر ينتمى للإرهابيين

و فى نهاية كل هذا سنذهب إلى اتفاق وقف العنف و شراكه فى الحكم و مراجعات فقهيه

فلنتذكر أن كل الحركات الثورية مثل كفاية و 6 أبريل .. الخ التى قامت بالتحضير لثورة 25 يناير كلها نشأت بعد مراجعات الجماعة الإسلامية واتفاق وقف العنف

فلنتذكر أن جيل الستينات و السبعينات الثورى لم يكن له صوتاً مسموعاً فى الثمانينيات و التسعينيات لأننا كنا فى معركة مع الإرهاب

إن النتيجه الأسوأ أننا الآن أمام جيل سيفقد الأمل و يتحول إلى مجموعة من المحبطين و اليائسين الناقمين على أحوال البلد و سلطة مشروعها القومى هو القضاء على الإرهاب الذى لا ينتهى و الذى سنعقد معه اتفاقًا فى نهاية المطاف

فلنتذكر أن أكبر خسارة للإسلام السياسى كانت عندما تولى السلطه فى مصر و أكبر مكاسبه كانت و هو يمثل المعارضة فى مصر كفصيل وطنى فى الجمعية الوطنية للتغيير

إن سألتنى فى النهاية و ما هو الحل .. إن كان الانتقام و القتل ليسا حلولا مع الجماعات المسلحة ؟؟

الحل يا سيدى فى وجود بديل لتيار الإسلام السياسى !!