ظروف العمل هي التي قادتنى لتغيير الروتين اليومى و ركوب مترو الأنفاق، وكان ذلك في موعد خروج الموظفين من أعمالهم فتقبلت الزحام الذى كان معتادا في البداية، حتى أننى تقبلت بكل ترحاب غفلتي في الوصول لمكان اللقاء الصحفي الذى كنت ذاهبة إليه ،والتي اضطرتنى للمشي لمدة قاربت على الساعة، وربما تقبلت هذا المشي لأنه يعوض الآثار السلبية لحظر التجوال الذي يدفعنا للجلوس في المنزل من السابعة مساء و يصبح الطعام هو التسلية الوحيدة أمام شاشات التلفزيون التي تضخ أخبار أشبه بالسموم ترفع ضغط الدم و تدفع للأكل بشراهة هربا من سخافتها.

في الخامسة عصرا انتهيت من عملى لأبدأ بعدها مرحلة من العذاب لم أكن أتصورها بمجرد الوصول إلى محطة مترو العتبة، وبينما أنزل السلالم التي لم تعرف النظافة منذ زمن طويل، و بينما كانت سخونة الجو تختلط برائحة العفن التي تؤهلنى لضيق النفس مع هروب نفسات الهواء العفنة، تسللت إلى مسامعى تواشيح صوفية بأسماء الله الحسنى سبحان من خلق صوت منشدها و أبدع في خلقه فزاد شغفى للنزول و الاستماع للمزيد.

حينها فكرت ربما كان شغفي سببه حرمانى من حضور حفل للإنشاد الصوفي كما أحب بسبب تعليق جميع الأنشطة الثقافية و الفنية في شهر رمضان الماضى، و عندما اقتربت من مصدر الصوت وجدته يصدر من شخص كفيف مبتور الساق افترش الأرض وأمامه عكازه الخشبي، ليؤكد لي على حالة العبث التي نعيشها فشخص مثله يمتلك صوت مثل قطعة الذهب لا يصح أن يدفن في الطين ليتسول.

أما في مترو الأنفاق حيث الزحام غير المسبوق و حرارة الجو الشديدة، وصراخ السيدات اللاتي فشلن في إقناع الرجال الذين يعتبرون أنفسهم رجالا بينما هم أبعد ما يكونون عن ذلك حيث أصروا على حشر أنفسهم في عربات السيدات لتحتك أجسادهم بهم، بدعوى الزحام و اللحاق بموعد الحظر.

لتتوالى بعدها لعنات النساء على اختلاف أعمارهن و دياناتهن على حظر التجوال و الأزمة الحالية في مصر التي نجحت بشدة في إفراز أسوء ما في المصريين، وليقطع هذا الحديث مجادلات لا معنى لها بأن الرجال يتحملون السيدات عندما يركبون معهم في عربات الرجال، ليكون الرد المنطقي بأنها عربات مخصصة للجميع بينما تخصص إدار المترو ثلاثة عربات فقط للسيدات.

فجأة قالت إحدى السيدات بلهجة عنيفة و كأنها تشفى غليلها،:” بكره يحصل كده في أخواتهم و أمهاتهم أصل كله سلف و دين”، برغم ما سببته هذه العبارة من ارتياح لدى بعض الغاضبات، أثارت ضحك بعض من يصنفو بأنهم من الرجال، ليردوا “روحى اشتكي لمدير المحطة”.

و من داخل مترو الأنفاق و دقات الساعة تتسارع، تسارعت معها وتيرة الجدال المثير للغثيان من فرط ما فيه من تدنى أخلاقي بين أبناء وطن واحد لم يعد يجمعهم سوى المعاناة على أرض هذا الوطن، ليقطع هذا المشهد صراخ الأطفال الذين تاهت معاناتهم بين التعب من صوت الضوضاء المثيرة للأعصاب، و بين نسمات الهواء التي صارت بالنسبة لهم حلما صعب المنال، ليستسلم رضيع صغير كان يضحك قبل قليل للنوم على كتفه أمه أملا في أن يصحو ليجد نفسه في واقع أفضل.

بينما انشغلت بإلتقاط صور لتوثيق المشهد المؤسف جاءت سيدة من خلفي لتنهرني بقوة “بتصورى إيه قرفتونا في عيشتنا”، فهي أدركت أننى صحفية، ولم أتعجب من رد فعلها أو حتى يتبادر إلى نفسى أي إستياء، فالمشهد الإعلامي في مصر على جميع المستويات لا يختلف كثيرا عن كل ما تمر به مصر من تدنى مؤسف.

عدت بعدها إلى منزلى مسرعة و أنا أحاول أن أزيح عن بالى كل ما لمسته من سلبيات لأتذكر صوت الشيخ المبدع و أفكر ربما في الذهاب إليه ليس لصناعة قصة صحفية و لكن للاستماع إلى صوته العذب.