مازال البعض من الإخوان وغيرهم للأسف، بعضهم من أنصار الدولة المدنية، يصرون علي الخلط بين الديموقراطية كآلية سياسية لتمثيل دافعي الضرائب والدفاع عن مصالحهم بجانب الدفاع عن الحقوق العامة والحريات الفردية ومراقبة ومحاسبة الحكومات وكونها هدفًا في حد ذاته. هذا الخلط هو الذي أنتج الجدال العقيم عن “شرعية الصندوق” والدفاع عن الإخوان كفصيل وطني يؤمن بالديمقراطية. هذا الخلط يتعمده الإخوان زورا وبهتانا فهم وعلي رأسهم مؤسس الجماعة حسن البنا يؤمنون أن الديمقراطية من أساسها كفر.

وإن اضطرت الجماعة لكسب التأييد والتعاطف داخليا وخارجيا أن تتمسح بها فهي لم تفعل ذلك قبل أن تعقد العزم علي إفراغها من مضمونها و قيمها التي تعلي من شأن المسئولية الشخصية بما تحتويه من حريات و حقوق فردية وتعددية اجتماعية تقيد دور الدولة في التدخل في الشأن الشخصي تحت أي مسمي.

يتحدث البعض الآن عن التصالح وإدماج التيار الإسلامي في العملية السياسية كنتيجة حتمية لا يمكن تجنبها بالقبضة الأمنية: وهو ما أتفهمه خاصة في سياق ما بعد 25 يناير 2011. ولكن هذا الطرح يعيدنا إلي إشكالية التناقض بين الحرية السياسية (وما تعنيه من مغالبة التيار الديني) والحريات الفردية والتعددية الاجتماعية التي يعاديها بشكل واضح التيار الديني. يقول البعض أن ملاحقة الدولة للتيار الديني هو ما زاده تطرفا و هو ما رددته مرارا الإدارة الأمريكية تحت بوش. و لكن هذا الطرح يعبر فقط عن نصف الحقيقة. بدون شك أن الملاحقة الأمنية لتلك الجماعات قد دفع بعضها للإرهاب و مواجهة الدولة بالسلاح و لكن لا يمكن التغاضي عن أمرين: أولا هذه الجماعات المسلحة لم تخرج علي الدولة فقط بل و كان المحور الأساسي لخروجها هو تكفير المجتمع بأكمله أو ما أسماه سيد قطب العودة إلي الجاهلية (واصفا قيم المجتمع و الفنون و الإختلاط الخ.). الثاني أن تطرف مرجعية تلك الجماعات و أجندتها غير متعلق بالملاحقة الأمنية (بل و ربما من أسبابها). فالمطلع علي مطالب حسن البنا الخمسون, علي سبيل المثال, يدرك أن التيار الديني يعمل علي تعظيم دور الدولة في التدخل في الشأن الشخصي و إقامة حكم ديني شمولي بهدف تطبيق الشريعة. و أي قاريء للتاريخ يعلم أن عنف و قمع و إرهاب الدولة مرتبط مباشرا بتعظيم دور الدولة و بخاصة في الشئون الشخصية.

علي سبيل المثال نجد في مطالب البنا الخمسين الآتي:

* القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصفّ واحد.
* مراقبة سلوك الموظفين الشخصي وعدم الفصل بين الناحية الشخصية والناحية العملية.
* تعويد الشعب احترام الآداب العامة، ووضع إرشادات معززة بحماية القانون في ذلك الشأن، وتشديد العقوبات على الجرائم الأدبية.
* علاج قضية المرأة علاجا يجمع بين الرقى بها والمحافظة عليها وفق تعاليم الإسلام، حتى لا تترك هذه القضية التي هي أهم قضايا الاجتماع تحت رحمة الأقلام والآراء الشاذة من المفرطين.

* مقاومة التبرج والخلاعة وإرشاد السيدات إلى ما يجب أن يكون، والتشديد في ذلك بخاصة على المدرسات والتلميذات والطبيبات والطالبات ومن في حكمهن.
*إعادة النظر في مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الصبيان في كثير من مراحل التعليم.
* منع الاختلاط بين الطلبة والطالبات، واعتبار خلوة أي رجل بامرأة لا تحل له جريمة يؤاخذان بها.

*مراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد في اختيار الروايات والأشرطة.
*تهذيب الأغاني واختيارها ومراقبتها والتشديد في ذلك.
*حسن اختيار ما يذاع أو يعرض على الأمة من برامج ومحاضرات وأغاني وموضوعات واستخدام الإذاعة والتلفاز في تربية وطنية خلقية فاضلة.
* مصادرة الروايات المثيرة والكتب المشككة المفسدة والصحف التي تعمل على إشاعة الفجور وتستغل الشهوات استغلالا فاحشا.
* تنظيم المصايف تنظيما يقضى على الفوضى والإباحية التي تذهب بالغرض الأساسي من الاصطياف.
* تحديد مواعيد افتتاح وإغلاق المقاهي العامة ومراقبة ما يشتغل به رواده وإرشادهم إلى ما ينفعهم وعدم السماح لها بهذا الوقت الطويل كله.

* اعتبار دعوة الحسبة ومؤاخذة من يثبت عليه مخالفة شيء من تعاليم الإسلام أو الاعتداء عليه، كالإفطار في رمضان وترك الصلاة عمدا أو سب الدين وأمثال هذه الشؤون.

* مقاومة العادات الضارة اقتصاديا أو خلقيا أو غير ذلك وتحويل تيارات الجماهير عنها إلى غيرها من العادات النافعة، أو تهذيب نفسها تهذيبا يتفق مع المصلحة وذلك كعادات الأفراح والمآتم والموالد والزار والمواسم والأعياد وما إليها، وتكون الحكومة قدوة صالحة في ذلك.

لم يغير مرور العقود و الكثير من المتغيرات تحقيق هذه الأهداف. فقط تم تأجيل الحديث عن بعضها بشكل مباشر حتي إنتهاء مرحلة التمكين. لقد رأي الجميع أمثلة للتمهيد و العمل علي فرض الشمولية الدينية في الدعوة إلي تخفيض سن الزواج و عدم تجريم الختان و قضايا إزدراء الأديان و رفض وثيقة الأمم المتحدة لحقوق المرأة بدوعي مخالفتها للشرع. في إطار أوسع و أشد حدة تم تمرير الدستور بما يحتويه بما يسمي بمواد الهوية (المادة 219 علي وجه الخصوص تفسر مباديء الشريعة بأحكامها بما تحتويه من عقوبات تعزير و تمييز ضد الأقليات و النساء و حدود جسدية و تدخل في الشأن الشخصي و تحديد الحريات بما يوافق أحكامها).

و من ثم أدعو من يطالبون “بالمصالحة” و “الدمج” أن يسموا الأمور بأسمها. لا مجال للتصالح هنا لأن الأرضية المنطقية و الطبيعية جدا لتطبيق الديمقراطية حقا مرفوضة بالتعريف و بأسباب وجود التيار الديني و ليس من غيرهم. مبدأ المواطنة و المساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العقيدة أو الإنتماء الفكري و إعلاء قيم الحرية و الإلتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان و نزع حق الدولة في التدخل في الشأن الشخصي و إعلاء مبدأ المسئولية الشخصية و الحفاظ علي التعددية الثقافية المصرية كلها أمور مرفوضة عقيدة و شرعا من التيار الديني. و لذلك أسألهم – هل تتحدثوا عن مصالحة حقا أم أنكم تدعوا إلي التنازل عن ما لا يجب أن يفرط به من حريات و حقوق بمجرد الميلاد و التخلي عن الموروث الثقافي المصري المتعدد من أجل إشراك من يأخذوا من حقوقهم السياسية ذريعة و وسيلة للتحكم و التسلط علي حقوق و حريات الأخرين السياسية و الإجتماعية و الشخصية؟ أدعو من يطالبون بالمصالحة و الدمج أن يكشفوا لنا عن كيفية تحقيق ذلك بدون التفريط في حقوق و حريات الأفراد و تعددية المجتمع و هويته الفريدة. أدعو من يطالبوا بالمصالحة أن يكشفوا لنا عن المدي الذي سيرغب التيار الديني التنازل فيه من ما يؤمن أنه تنزيل و شرع الله حتي يحققوا المصالحة و إمكانية التعايش بين أبناء هذا الشعب. أدعو من يطالبوا بالمصالحة أن يوضحوا لنا كيف سيقنعوا التيار الديني بالإعتراف بالوطن و بحدوده حتي, ربما, تتراجع الدولة عن ملاحقتهم حماية لسيادتها؟

حتي تفعلوا, و لن تفعلوا, لن يصب عملكم (مرة أخري) إلي في صالح الفاشيين الدينيين و الإرهابيين.

أما الحديث, من بابه, عن المصالحة مع فصيل إرهابي بكل ما تحمله الكلمة من معاني و ما رأيناه من حرق للكنائس و ملاحقة و حرق بيوت الأقباط و المواجهات المسلحة مع قوات الأمن و المواطنين و حرق الأقسام و المصالح الحكومية و التحالف مع قاتلي السادات و مجرمي أحداث أسيوط 1981 و إرهاب التسعينات و الإرهاب في سيناء فله موضع أخر. هذا المقال تطرق فقط إلي إمكانية (أو صعوبة لدرجة الإستحالة) الوصول إلي حل وسط بخصوص الخلاف السياسي و الأخلاقي و العقائدي.